في قراءة تحليلية لمآلات ثلاث سنوات من الحرب، أصدر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية ورقة بحثية بعنوان *«فائض القوة وعجز الحسم: الكيان الإسرائيلي بعد ثلاث سنوات من الحرب: لماذا لا يتحول التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية مستدامة؟»*، تتناول المعضلة الاستراتيجية التي تواجه إسرائيل، والمتمثلة في امتلاك قدرة عسكرية واسعة على تدمير قدرات الخصوم وفرض الوقائع الميدانية، مقابل عجزها عن تحويل هذا التفوق إلى ترتيبات سياسية وأمنية مستقرة وقابلة للاستمرار.
وتنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن الفجوة بين القدرة على استخدام القوة والقدرة على إنتاج واقع سياسي مستدام لا تعود إلى عجز عسكري إسرائيلي بالمعنى المباشر، بقدر ما تتغذى من تداخل ثلاثة عوامل: قدرة الخصوم على التكيف ونقل المواجهة إلى مجالات لا تحسمها القوة العسكرية بسهولة، والخيار الإسرائيلي الذي يفضّل الاحتفاظ بالسيطرة الميدانية والغموض السياسي على استحقاقات التسوية، فضلاً عن القيود التي يفرضها الشريك الأمريكي واختلاف حساباته الإقليمية.
*غزة: سيطرة ميدانية بلا بديل سياسي*
وتقدم الورقة قطاع غزة باعتباره النموذج الأوضح لهذه المعضلة؛ فعلى الرغم من مرور عام على وقف إطلاق النار وتشكيل أطر دولية لإدارة المرحلة التالية، لم تتمكن اللجنة الوطنية لإدارة غزة من دخول القطاع، ولم تنتشر قوة الاستقرار الدولية، ولم يُنفذ اتفاق نزع السلاح، في الوقت الذي اتسعت فيه مساحة السيطرة الإسرائيلية داخل القطاع.
وترى الورقة أن الخلاف حول تسلسل الانسحاب ونزع السلاح يمثل جوهر التعثر؛ إذ تتمسك الحكومة الإسرائيلية بإنجاز نزع السلاح بالكامل قبل الانسحاب، بينما تربط الفصائل تنفيذ التزاماتها بالانسحاب الإسرائيلي المتدرج. وتخلص إلى أن هذا التسلسل يحوّل السيطرة الميدانية من إجراء مؤقت إلى شرط مفتوح، ويضعف فرص تنفيذ الترتيبات السياسية والإدارية المتفق عليها.
*لبنان وإيران: حدود القوة وتداخل الحسابات الإقليمية*
وفي لبنان، ترصد الورقة استمرار التعثر في تحويل الضغط العسكري والانتشار الإسرائيلي إلى ترتيبات أمنية مستقرة، في ظل الخلاف على تسلسل الانسحاب ونزع السلاح، واقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل».
أما في المواجهة مع إيران، فتشير إلى أن الضربات العسكرية لم تنتج اتفاقاً نهائياً أو آلية تحقق دولية مستقرة بشأن البرنامج النووي، وأن طهران نجحت في نقل جانب من المواجهة إلى أوراق ضغط غير متماثلة، وفي مقدمتها مضيق هرمز. كما تبرز الورقة أن الحسابات الإسرائيلية في الجبهة اللبنانية باتت مرتبطة بدرجة أكبر بمسار التفاهمات الأمريكية الإيرانية، بما يحدّ من استقلالية القرار الإسرائيلي.
*الضفة الغربية والاقتصاد والشرعية الدولية*
ولا تحصر الورقة تحليلها في ساحات المواجهة المباشرة، بل تتناول الضفة الغربية وسوريا باعتبارهما ساحتين تتقدم فيهما الوقائع الإسرائيلية الأحادية، من خلال الاستيطان وتهجير التجمعات الفلسطينية والاحتفاظ بمواقع عسكرية، دون أن يقترن ذلك بمسار سياسي أو أمني مستقر.
كما تميز بين الاستنزاف الاقتصادي والانهيار؛ فالمؤشرات التي تستعرضها لا تدعم فرضية الانهيار الاقتصادي الإسرائيلي الوشيك، لكنها تكشف عن كلفة مالية وعسكرية متراكمة، وضغوط متزايدة على الإنفاق المدني وسوق العمل.
وتربط الورقة بين تراجع الشرعية الدولية وتوتر العلاقة مع بعض الحلفاء وبين صعوبة تحويل الوقائع العسكرية إلى ترتيبات تحظى بغطاء دولي وإقليمي كافٍ.
*انتخابات إسرائيلية بلا أغلبية ترجّح استمرار إدارة الصراع*
وتولي الورقة اهتماماً خاصاً لنتائج انتخابات الكنيست التي جرت في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، معتبرة أن عدم حصول أي من الكتل على أغلبية واضحة، وما يرافق ذلك من تعقيدات تشكيل الحكومة، يقللان احتمالات ظهور قيادة سياسية إسرائيلية قادرة على تقديم تنازلات استراتيجية في المدى القريب.
وفي استشرافها للأشهر الاثني عشر إلى الأربعة والعشرين المقبلة، تطرح الورقة ثلاثة مسارات: استمرار إدارة الصراع بالسيطرة الميدانية، وهو السيناريو الأرجح؛ وتجدد التصعيد الإقليمي، وهو سيناريو محتمل يرتبط بدرجة كبيرة بالقرار الأمريكي؛ وتسوية جزئية وانتقائية، تبدو أقل ترجيحاً في الأفق القريب.
وتؤكد الورقة أن المعضلة الإسرائيلية الأساسية لا تكمن في القدرة على استخدام القوة، بل في القدرة على تقليل الحاجة إليها، مشيرة إلى أن تحقيق الاستقرار لا يتوقف على الحسابات الإسرائيلية وحدها، وإنما يتصل أيضاً بمواقف واشنطن والرياض وبيروت والفاعل الفلسطيني.
وفي ختامها، تقدم الورقة مجموعة من التوصيات للفعل الفلسطيني والعربي، أبرزها تفعيل مرجعية فلسطينية موحدة لإدارة غزة، والتمسك بالتسلسل المتبادل للانسحاب ونزع السلاح بضمانات مكتوبة، وربط ترتيبات غزة بوقف الإجراءات الإسرائيلية الأحادية في الضفة الغربية، واستثمار المسارات الأممية والقضائية الدولية لرفع كلفة فرض الوقائع.
وتأتي هذه الورقة في إطار اهتمام *المركز الفلسطيني للدراسات السياسية* بمتابعة التحولات الاستراتيجية والإقليمية، وتقديم قراءات بحثية تستند إلى الوقائع والبيانات، وتربط بين تطورات الميدان ومآلاتها السياسية، بما يسهم في تطوير فهم أعمق لموازين القوة وحدودها وانعكاساتها على القضية الفلسطينية.
Post Views: 2
أقرأ التالي
أكتوبر 27, 2026
المنطقة مقبلة على ضغط عسكري وتفاوضي
أكتوبر 22, 2026
غزة واليمن وإسرائيل.. ثلاثة ملفات ترسم ملامح المرحلة المقبلة
أكتوبر 17, 2026
أخطر بؤرة مباشرة هي المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران
أكتوبر 13, 2026
أخطر تطور إقليمي اليوم هو اتساع المواجهة
أكتوبر 5, 2026
تقرير وتقدير استراتيجي للحرب بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا
أكتوبر 4, 2026
تصاعد المواجهات في اليمن والشرق الأوسط…فرص الاحتواء ومخاطر الحرب الإقليمية
سبتمبر 28, 2026
رسالتي إلى السيد محمود عباس.. شهادة من داخل التجربة البرلمانية الفلسطينية
سبتمبر 24, 2026
تقدير موقف: الانتخابات الفلسطينية العامة.. السياق، المواقف والسيناريوهات
سبتمبر 20, 2026
المنطقة على صفيح ساخن.. هرمز واليمن وغزة ولبنان في معادلة واحدة
سبتمبر 13, 2026
تقدير موقف إقليمي استراتيجي من اليمن وإيران والخليج إلى لبنان وفلسطين وإمكان ارتداد الحرب على الاحتلال الإسرائيلي
زر الذهاب إلى الأعلى