اعداد | م. إسماعيل الأشقر
باحث وكاتب فلسطيني
الخلاصة التنفيذية
دخل اليمن مرحلة تصعيد عسكري خطير بعد تقدم الحوثيين على الساحل الغربي، واقترابهم من مناطق استراتيجية قرب تعز وباب المندب. وفي 4 أكتوبر أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بدء عمليات عسكرية لاستعادة المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون. جاء الإعلان بينما كانت القوات الحكومية تواجه ضغطًا ميدانيًا، ولم تكن قد أثبتت بعد قدرتها على إيقاف التقدم الحوثي أو استعادة مواقع كبيرة.
التقدير الأرجح: تستطيع الحكومة وحلفاؤها، إذا حصلوا على إسناد سعودي مستمر وتوحدت قيادتهم، وقف بعض التقدم الحوثي واستعادة مواقع محدودة، وربما تحسين موقعهم حول الساحل وتعز. لكن استعادة صنعاء أو إنهاء سلطة الحوثيين العسكرية والسياسية في الشمال خلال الأشهر المقبلة احتمال ضعيف. الأرجح جولة قتال مكلفة، تتخللها مكاسب موضعية وضغوط تفاوضية، مع خطر اتساع المواجهة إلى السعودية والملاحة في البحر الأحمر.
هذا تقدير تحليلي مبني على المعلومات المنشورة حتى التاريخ أعلاه. إعلان عملية عسكرية لا يعني أن أهدافها تحققت، كما أن التقارير عن السيطرة على مواقع أو تهديد الملاحة تحتاج إلى متابعة ميدانية مستقلة.
أولًا: خلفية التصعيد والموقف الراهن
أطاح الحوثيون بالحكومة من صنعاء عام 2014، ثم تدخل التحالف بقيادة السعودية عام 2015 دعمًا للحكومة المعترف بها دوليًا. لم ينجح التدخل طوال السنوات الماضية في هزيمة الحوثيين، واستقرت الجبهات فترةً من الزمن قبل أن يتجدد القتال مؤخرًا.
خلال الأسابيع الأخيرة، تقدم الحوثيون على الساحل الغربي، وسيطروا على مواقع وجزر في جنوب البحر الأحمر بحسب تقارير أممية، كما حققوا تقدمًا قرب تعز. وتكتسب المنطقة أهمية خاصة بسبب قربها من باب المندب، ومن طرق الإمداد التي تصل غرب اليمن بجنوبه. وحذرت الأمم المتحدة من أن القتال لم يعد محصورًا في جبهة واحدة، وأن التصعيد يهدد الملاحة والاستقرار الإقليمي.
قبل إعلان العملية، نقلت رويترز أن الخيارات المطروحة شملت هجومًا محدودًا حول باب المندب، أو حملة أوسع على جبهات متعددة، منها تعز ومأرب والجوف والبيضاء. وذكرت أن التصور المتداول يقوم على مشاركة يمنية برية مع إسناد جوي سعودي؛ لكن تفاصيل أي خطة عملياتية وحجم المشاركة الفعلية لم تتضح علنًا.
وبالتزامن مع إعلان العملية، أفادت تقارير بأن الحوثيين أعلنوا إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه مواقع نفطية سعودية. ينبغي التعامل مع تفاصيل هذه الهجمات بوصفها ادعاءات وتقارير أولية ما لم تتأكد من مصادر مستقلة. لكنها توضح أن التصعيد قد يمتد سريعًا من الجبهات اليمنية إلى الأراضي السعودية.
ثانيًا: ميزان القوى
الحوثيون الحكومة اليمنية وحلفاؤها المجال
قيادة أكثر مركزية وقدرة على تركيز القوات في جبهات مختارة مجلس قيادة وقوى متعددة، ولا تزال وحدة القرار الميداني والسياسي تحديًا القيادة والسيطرة
يسيطرون على صنعاء ومناطق واسعة من الشمال، وتقدموا مؤخرًا على الساحل الغربي يسيطرون على عدن ومناطق جنوبية وشرقية، لكن نفوذ الحكومة يتداخل مع قوى محلية ومناطقية التموضع
خبرة قتالية طويلة، وصواريخ ومسيّرات وقدرة على تهديد أهداف بعيدة تستفيد من الإسناد السعودي، لكنها تعتمد على تماسك القوات اليمنية وقدرتها على القتال البري القدرات العسكرية
الانضباط النسبي، الخبرة، السيطرة على مراكز سكانية مهمة، والقدرة على إطالة الحرب الاعتراف الدولي، الدعم السعودي، والقدرة المحتملة على فتح جبهات متزامنة نقاط القوة
صعوبة الحفاظ على مكاسب واسعة تحت الضغط، وتعرض مناطقهم لضربات وعزلة سياسية الانقسام وتعدد التشكيلات، ومخاطر التنافس بين القوى المناهضة للحوثيين نقاط الضعف
تؤكد التحليلات والتقارير الحالية أن الحكومة تواجه تحديًا في تماسك القوى المقاتلة تحت مظلتها، بينما يتمتع الحوثيون بقدرة على المبادرة في بعض الجبهات. ولهذا فإن العامل الحاسم ليس عدد الغارات الجوية وحده، بل قدرة القوات الحكومية على التقدم برًا، والاحتفاظ بالمناطق التي تستعيدها، ومنع الخلافات الداخلية من تعطيل العمليات.
ثالثًا: ما المقصود بـ«التغلب على الحوثيين»؟
يجب التمييز بين أربعة مستويات مختلفة للنجاح:
1. وقف التقدم الحوثي وحماية مناطق الحكومة: هدف ممكن نسبيًا إذا نُظمت خطوط الدفاع وتوفر الإسناد.
2. استعادة مناطق ساحلية أو مرتفعات استراتيجية: ممكن بشروط، لكنه يحتاج إلى قوات برية متماسكة، وإمداد مستمر، وقدرة على تثبيت المواقع بعد استعادتها.
3. تقليص قدرة الحوثيين على تهديد السعودية والملاحة: يتطلب أكثر من استعادة ساحل؛ إذ يحتاج إلى ترتيبات أمنية مستدامة تمنع إطلاق الصواريخ والمسيّرات واستهداف السفن.
4. استعادة صنعاء وإنهاء سلطة الحوثيين في الشمال: هدف أصعب بكثير، ويتطلب تغيرًا واسعًا في ميزان القوى داخل اليمن، وانشقاقات أو تحولات داخل مناطق الحوثيين، وتماسكًا حكوميًا طويل الأمد.
لذلك، لا تعني خسارة الحوثيين موقعًا ساحليًا انهيار سلطتهم في صنعاء، كما أن تقدمهم على الساحل لا يثبت قدرتهم على السيطرة المستقرة على كل الممر البحري. الأدق أن السيطرة على الساحل والجزر أو التمركز قرب المضيق قد تمنحهم قدرة أكبر على تهديد الملاحة والتأثير فيها، وهو ما يكفي لرفع المخاطر على التجارة حتى من دون إغلاق كامل للممر.
رابعًا: السيناريوهات خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة
1. قتال محدود ومكاسب متبادلة — السيناريو الأرجح
تحاول القوات الحكومية وقف تقدم الحوثيين حول تعز والساحل، مع تنفيذ هجمات مضادة لاستعادة بعض المواقع. ينجح كل طرف في تحقيق مكاسب محدودة، لكن لا ينهار أي منهما. وقد يفضي الضغط العسكري إلى تفاوض، أو إلى خطوط تماس جديدة.
ما يرجحه: استمرار الانقسام في المعسكر الحكومي، وصعوبة تحويل التفوق الجوي إلى حسم بري، وقدرة الحوثيين على إطالة القتال.
2. استعادة حكومية لمواقع ساحلية مهمة — ممكن بشروط
قد تنجح القوات المدعومة سعوديًا في استعادة مناطق ساحلية أو مرتفعات مطلة عليها إذا توافرت قيادة موحدة وإسناد جوي واستخباراتي وإمداد بري مستمر. من شأن ذلك أن يحسن موقع الحكومة التفاوضي ويحد من حرية الحوثيين في استخدام الساحل للضغط على الملاحة.
شرطه الأساسي: أن تكون القوات اليمنية قادرة على القتال والتثبيت والإدارة، لا أن تعتمد على الضربات الجوية وحدها. وكانت الخيارات التي نُقلت قبل إعلان العملية تتضمن دفعًا باتجاه الساحل لتأمين طريق البحر الأحمر، إلى جانب احتمال توسيع القتال إلى جبهات أخرى.
3. توسع الحرب إلى جبهات متعددة — خطر مرتفع
إذا استمر الضغط الحوثي قرب تعز أو تعرضت السعودية لهجمات إضافية، فقد تتوسع العمليات إلى مأرب والجوف والبيضاء وجبهات أخرى. وقد يؤدي ذلك إلى تشتيت القوات الحكومية، وفتح جبهات يصعب دعمها جميعًا، وزيادة الضربات الجوية والخسائر المدنية.
4. تراجع حكومي أو تعثر العملية — احتمال قائم
إذا لم تتوحد القيادة أو لم تستطع القوات الحكومية الصمود في محيط تعز والساحل، فقد تتحول العملية إلى إعلان سياسي لا يغير ميزان الأرض. عندها قد يعزز الحوثيون موقعهم التفاوضي، ويستمر تهديدهم للسعودية والملاحة.
5. تسوية أو وقف مؤقت للتصعيد — ممكن، لكنه ليس وشيكًا بالضرورة
يبقى المسار الأممي والدبلوماسي قائمًا؛ فقد التقى المبعوث الأممي ممثلي الحوثيين في محاولة لاحتواء التصعيد، كما دعا مجلس الأمن إلى استمرار المسار السياسي. لكن نجاح الوساطة يتوقف على حسابات الطرفين، وعلى إمكان فصل الملف اليمني عن صراع المنطقة الأوسع.
خامسًا: الآثار الإقليمية والإنسانية
على السعودية: قد يساعد إيقاف تقدم الحوثيين على تقليل التهديد للأراضي السعودية والبنية التحتية. أما تعثر العملية فقد يضع الرياض أمام معضلة: توسيع تدخلها بما يحمل من كلفة ومخاطر، أو قبول تسوية من موقع أقل قوة.
على إيران والخصوم الإقليميين: يرفع التصعيد قيمة اليمن كورقة ضغط إقليمية. لكن الربط السياسي بين الحوثيين وإيران لا يكفي وحده لإثبات أن كل قرار عسكري يصدر بتوجيه مباشر من طهران؛ فالحوثيون طرف يمني له حساباته ومصالحه المحلية أيضًا.
على الملاحة والتجارة: أي اضطراب قرب باب المندب يزيد مخاطر الشحن والتأمين، وقد يضغط على طرق الطاقة والتجارة في البحر الأحمر. وقد نبّهت الأمم المتحدة إلى الترابط بين التصعيد اليمني وأمن الملاحة والتجارة في المنطقة.
على المدنيين: يدفع السكان ثمنًا مباشرًا من النزوح وتعطل الأسواق والخدمات. أفادت تقديرات أممية بنزوح نحو 125 ألف شخص منذ أوائل أغسطس، وبمقتل وإصابة ما لا يقل عن 125 مدنيًا خلال الفترة نفسها. كما حذّر برنامج الأغذية العالمي من أن تصاعد القتال يعطل الأسواق ويقيد وصول المساعدات ويرفع انعدام الأمن الغذائي.
التقدير الاستراتيجي النهائي
الحكومة اليمنية وحلفاؤها قادرون على إلحاق تراجع مهم بالحوثيين في جبهات محددة إذا استعادوا زمام المبادرة وتوحدت قيادتهم وحصلوا على إسناد مستمر. ويبدو وقف التقدم الحوثي أو انتزاع مواقع ساحلية ومرتفعات استراتيجية هدفًا أقرب من إسقاط سلطة الحوثيين في صنعاء.
أما الحسم الشامل، فاحتماله ضعيف في الأفق القريب؛ لأن الحوثيين ما زالوا يملكون قاعدة سلطة واسعة وخبرة قتالية وقدرات صاروخية ومسيّرات، في حين لم يثبت المعسكر المناهض لهم أنه قادر على خوض حملة طويلة بقرار موحد. النتيجة الأرجح هي قتال شديد الكلفة، ومكاسب ميدانية جزئية، ثم محاولة كل طرف تحسين شروطه قبل تفاوض محتمل.
المؤشرات التي ينبغي مراقبتها هي: هل تتقدم القوات الحكومية فعليًا أم يقتصر الأمر على الضربات والإعلانات؟ هل تثبت سيطرتها على المواقع التي تستعيدها؟ هل تتوسع هجمات الحوثيين على السعودية والسفن؟ وهل تتمكن الحكومة من توحيد القوى العسكرية والسياسية تحت قيادة عمليات واحدة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت العملية بداية تحول ميداني، أم جولة جديدة من الاستنزاف.
المصادر
استند هذا التقدير إلى تقارير رويترز ووكالة أسوشيتد برس عن إعلان العملية والتقدم الميداني، وإلى بيانات وتقارير الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي عن التصعيد والنزوح والوضع الإنساني.
ملاحظة هامة جدا .
هذه قراءة سياسية مستقلة لا يعني دعم طرف على طرف او الانحياز الى طرف دون الاخر، بل مجرد قراءة سياسية لما ينشر في الاعلام الغربي عن اليمن الشقيق وما يخطط له.
Post Views: 65
أقرأ التالي
سبتمبر 24, 2026
تقدير موقف: الانتخابات الفلسطينية العامة.. السياق، المواقف والسيناريوهات
سبتمبر 20, 2026
المنطقة على صفيح ساخن.. هرمز واليمن وغزة ولبنان في معادلة واحدة
سبتمبر 13, 2026
تقدير موقف إقليمي استراتيجي من اليمن وإيران والخليج إلى لبنان وفلسطين وإمكان ارتداد الحرب على الاحتلال الإسرائيلي
سبتمبر 7, 2026
آخر المستجدات السياسية والعسكرية في المنطقة حتى مساء 7 سبتمبر/أيلول 2026
سبتمبر 7, 2026
تقدير موقف: اتجاهات التصعيد في الإقليم
سبتمبر 7, 2026
تصريحات جي دي فانس حول «نهاية الزمان» وأبعادها السياسية والاستراتيجية
سبتمبر 5, 2026
تركيا واحتمال الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون
سبتمبر 2, 2026
من مأزق التنفيذ إلى إدارة الجمود: إلى أين تتجه خارطة ملادينوف في غزة؟
أغسطس 29, 2026
فلسطين والإقليم أمام مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى
أغسطس 20, 2026
حماس والانتخابات الفلسطينية في ظل احتمال قانون يمنع الأحزاب ذات الأجنحة المسلحة
زر الذهاب إلى الأعلى