الملف السياسي

رسالتي إلى السيد محمود عباس.. شهادة من داخل التجربة البرلمانية الفلسطينية

م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر

عضو المجلس التشريعي الفلسطيني

26 سبتمبر/أيلول 2026

السيد محمود عباس،

حين أُجريت الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، توسمنا خيرًا. قلنا إن انتخاب مجلس جديد فرصة لتكريس الديمقراطية الفلسطينية، وإن رئيس السلطة سيحمي حق الشعب في اختيار ممثليه، سواء جاءت النتائج بما ترغب فيه السلطة القائمة أم بما لا ترغب. وتذكرنا يومها ما كان يقال عن خصوصية الديمقراطية الفلسطينية، واعتقدنا أن المنافسة، مهما اشتدت، ستبقى داخل حدود القانون والمؤسسات.

شاركنا في الانتخابات ونحن نعرف حجم المسؤولية التي تنتظرنا. ذهبنا إلى الناس ببرنامج للإصلاح، وقبلنا حكم الصندوق. وعندما فازت كتلة التغيير والإصلاح بالأغلبية، لم نعتبر الفوز تفويضًا لإلغاء الآخرين؛ سعينا إلى الشراكة مع الفصائل، وإلى ممارسة التشريع والرقابة وتشكيل حكومة تخضع للمجلس. لكن ما تلا إعلان النتائج كشف أن قبول الانتخابات شيء، وقبول نتائجها حين تأتي بخصم سياسي شيء آخر.

في تقديري السياسي، شجعت الولايات المتحدة الانتخابات وهي تتوقع أن تؤدي إلى احتواء حركة حماس أو الحد من نفوذها داخل نظام السلطة. ثم فوجئت بالنتيجة. “لا أقدم هذا التقدير بوصفه اطلاعًا مني على وثائق القرار الأميركي، بل قراءةً لما رأيناه من تحول سريع في المواقف والضغوط والشروط المفروضة على الحكومة الجديدة. وكثر في تلك المرحلة الحديث عن إعادة تشكيل المنطقة وعن «الفوضى الخلّاقة». أما الذي شهدناه فلسطينيًا فكان حصارًا سياسيًا وماليًا، وتعطيلًا لعمل الحكومة، وتصاعدًا في التوتر الداخلي بدل احترام التفويض الشعبي.

السيد عباس،

كنت أتوقع منك، بصفتك رئيسًا لجميع الفلسطينيين، أن تكون حارسًا للمؤسسات التي أفرزتها الانتخابات، لا طرفًا في الصراع على صلاحياتها. لكنني شهدت تصاعد تصريحات سياسية وإعلامية ضد حماس وحكومتها، وسمعت مواقف من مسؤولين ووزراء لا تليق بمسؤولية العمل الوطني المشترك. وفي نظري، لم تُترك للحكومة فرصة عادلة للعمل ثم المحاسبة. كان الخلاف معها يُدار خارج المجلس وبالضغط عليها، بينما كان الطريق الطبيعي أن يأتي المعترضون إلى المؤسسة التشريعية، فيناقشوا برنامجها ويستجوبوا وزراءها ويحاسبوها وفق القانون.

لا أعفي حماس ولا أي طرف فلسطيني من مراجعة أخطائه، ولا أزعم أن كل قرار اتخذناه كان صائبًا. لكنني أرفض أن يُختزل ما وقع في اتهام طرف واحد، أو أن تُمحى من السجل مسؤولية من امتلك سلطة الرئاسة ثم استخدمها، في تقديري، لإضعاف حكومة لم تعجبه نتيجتها الانتخابية. لقد احتاج الفلسطينيون إلى رئيس يطفئ نار الخلاف، لا إلى مزيد من الاستقطاب بين الرئاسة والحكومة والأجهزة والكتل البرلمانية.

وأرى أن أول خرق كبير في سفينة نظامنا السياسي وقع حين أُقيلت حكومة إسماعيل هنية، ثم كُلّفت حكومة أخرى لم تنل ثقة المجلس التشريعي المنتخب. كان القانون الأساسي قد جعل ثقة المجلس أصلًا في قيام الحكومة ومساءلتها. لذلك لم يكن هذا الخلاف مجرد نزاع بين أشخاص على المناصب؛ كان سؤالًا عن موقع المؤسسة التي انتخبها الشعب، وعن حقها في منح الثقة وحجبها ومحاسبة السلطة التنفيذية. ومن هنا بدأ الانقسام السياسي يتحول، في رأيي، إلى انقسام مؤسسي راسخ بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

ثم توالت السنوات من دون تجديد الشرعية عبر انتخابات رئاسية وتشريعية شاملة. وأصبح غياب المجلس مبررًا للتوسع في إصدار القرارات بقانون، مع أن الاستثناء لا يجوز أن يتحول إلى قاعدة دائمة. وعندما صدر قرار المحكمة الدستورية بحل المجلس عام 2018، رأيت فيه تتويجًا لمسار تعطيل المؤسسة المنتخبة، لا علاجًا له. إنني أتمسك بقراءتي للمادة 47 مكرر من القانون الأساسي، التي تربط انتهاء ولاية المجلس القائم بأداء أعضاء مجلس جديد منتخب اليمين الدستورية. وقد كان المخرج السياسي والدستوري، في اعتقادي، هو العودة إلى الشعب، لا إلغاء المجلس قبل انتخاب بديله.

وتوجد أيضًا أسئلة جدية عن استقلال القضاء، وطريقة تعيين قياداته، ومدى تأثره بالصراع السياسي. أطالب بفحص هذه المسائل فحصًا مستقلًا ونشر الوثائق المتعلقة بها. ولا أريد أن تتحول رواية لم أتحقق من وثائقها إلى اتهام جازم بحق قاضٍ بعينه؛ فالغاية هنا حماية القضاء من تدخل السلطة أيًا كان مصدره، لا استبدال التحقيق بالشائعة.

السيد الرئيس،

سُئلت، كما أتذكر، عن بقائك في الحكم، وفهمنا من جوابك أنك لن تتمسك بالموقع إذا طالبك الناس بالرحيل. واليوم لا يكفي أن نحتكم إلى الانطباعات. فقد أظهر استطلاع نشره المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أغسطس/آب 2026 أن 79% ممن شملهم يريدون استقالتك. هذا الاستطلاع ليس انتخابًا، ولا أعرضه بديلًا من إرادة الناخبين، لكنه مؤشر كبير إلى أزمة ثقة ينبغي أن تواجهها بقرار سياسي واضح، لا بتجاهلها.

أحمّلك المسؤولية السياسية عن المشكلات التي عانى منها شعبنا بسبب تعطيل المجلس، وإضعاف الرقابة، وإطالة أمد الانقسام، وغياب تجديد التفويض الشعبي. وهذه مسؤولية أطالب بمناقشتها علنًا وبالوثائق، مع إقرار أن الاحتلال والحصار وأخطاء القوى الفلسطينية الأخرى عوامل لا يجوز محوها من سجل هذه المرحلة. وحق الشعب في معرفة ما جرى أوسع من رغبة أي طرف في تبرئة نفسه أو إدانة خصمه.

ما أطلبه اليوم واضح: انتخابات رئاسية وتشريعية حرة وشاملة، في موعد معلن، وبضمانات تكفل مشاركة الفلسطينيين واحترام النتائج أيا كان الفائز؛ ومراجعة مستقلة لقرارات تعطيل المجلس وحلّه؛ وإعادة الاعتبار للفصل بين السلطات ولحق النواب في الرقابة والمساءلة. وإذا تعذر إجراء الانتخابات، فلا يجوز أن يصبح التعذر ذريعة للبقاء في الحكم إلى أجل غير معلوم. عندئذ أدعوك إلى التنحي عبر انتقال دستوري واضح يترك لشعبنا حق اختيار من يقوده.

هذه ليست رسالة خصومة شخصية. إنها شهادتي، بصفتي نائبًا انتخبه الناس وعمل تحت قبة البرلمان، على مرحلة أضاعت فرصًا كثيرة وأثقلت الفلسطينيين بمؤسسات منقسمة وشرعيات متنازع عليها. قد نختلف في تفسير الوقائع وفي تقدير المسؤوليات، لكن لا ينبغي أن نختلف على أصل واحد: الشعب مصدر السلطات، وصوته لا يصح احترامه قبل الفرز ثم مصادرته بعد إعلان النتيجة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

27.9.2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى