الملف السياسي

تصاعد المواجهات في اليمن والشرق الأوسط…فرص الاحتواء ومخاطر الحرب الإقليمية

خلاصة تنفيذية

تتجه المنطقة إلى تصعيد متدرّج ومتعدد الجبهات، لا إلى حرب إقليمية شاملة مؤكدة حتى الآن. غير أن تزامن تعثر التفاوض الأميركي الإيراني، وتصاعد القتال في اليمن، وهشاشة التهدئة في غزة ولبنان، يرفع احتمال اتساع المواجهات بفعل حادث ميداني أو قرار عسكري خاطئ.

تشكل اليمن أخطر بؤرة تصعيد جديدة؛ فعودة القتال تهدد بتوسيع المواجهة السعودية الحوثية، كما أن الاقتراب من باب المندب يربط الأزمة اليمنية مباشرة بأمن الملاحة وبالصراع الأوسع حول مضيق هرمز. وتدرس السعودية، وفق تقرير صحفي، عملية عسكرية تقودها قوات يمنية مدعومة جويًا، لكن القرار لم يتحول بعد إلى هجوم معلن.

النتيجة الأساسية: ما زالت القوى الإقليمية والدولية تسعى إلى تجنب حرب مفتوحة، لكنها لم تنجح في بناء تفاهمات تضمن وقف القتال. لذلك يبقى المسار الأقرب هو استمرار الضربات والردود المحدودة، مع خطر انتقال سريع إلى تصعيد أوسع إذا تزامنت الأزمات.

أولًا: معطيات الموقف

1. اليمن والسعودية والحوثيون

عاد القتال بين الحوثيين والقوى الحكومية المدعومة سعوديًا إلى عدة جبهات، وتزايدت المواجهات قرب الساحل الغربي وتعز. وحذّر المبعوث الأممي من أن خطر العودة إلى حرب واسعة أصبح جديًا، فيما أفادت الأمم المتحدة بنزوح أعداد كبيرة من المدنيين منذ بداية التصعيد الأخير.

تجاوزت المواجهة خطوط الجبهات الداخلية؛ فقد تبادل الحوثيون والسعودية الهجمات والاتهامات، ووصل التهديد إلى منشآت سعودية وممرات بحرية. وتدرس الرياض خيارات عسكرية لاستعادة مواقع ساحلية وحماية الملاحة، لكن تباين القوى المناهضة للحوثيين يثير شكوكًا حول قدرتها على خوض عملية موحدة ومستدامة.

أما الدور الإيراني، فيتمثل في دعم الحوثيين سياسيًا وعسكريًا بحسب تقارير ومواقف دولية. لكن يصعب من المعلومات العلنية تحديد مدى تحكم طهران بقراراتهم الميدانية؛ فالحوثيون يملكون أجندة يمنية خاصة، حتى مع تقاطع مصالحهم مع إيران.

2. إيران والولايات المتحدة وإسرائيل

التفاوض بين واشنطن وطهران متعثر، والمقترحات المطروحة لم تنتج وقفًا مستقرًا للحرب أو ضمانًا دائمًا لحرية الملاحة في مضيق هرمز. وتواصل أطراف إقليمية الوساطة، بينما تتزايد المخاوف من استئناف العمليات العسكرية.

نقلت رويترز أن إيران تتهيأ لرد أوسع إذا عادت الضربات الأميركية، مع احتمال أن يشمل الرد مصالح أميركية أو حلفاء لها في المنطقة. ويعزز ذلك تقدير أن أي مواجهة مباشرة قد تتحول إلى ضغط متبادل عبر ساحات متعددة، لا إلى تبادل ضربات محصور بين دولتين.

3. غزة وحماس

التهدئة في غزة هشة، والضربات الإسرائيلية مستمرة، مع تبادل الاتهامات بشأن خرق التفاهمات. كما أن ملفات الإدارة والأمن والإعمار والانسحاب ومصير سلاح حماس لم تصل إلى تسوية ثابتة. ويُبقي ذلك غزة قابلة للانفجار حتى إذا لم تقع مواجهة إقليمية مباشرة.

4. لبنان وحزب الله

لم تُنهِ التهدئة بين إسرائيل وحزب الله أسباب المواجهة. فالانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وسلاح حزب الله، والضمانات الأمنية ما زالت موضع خلاف. والمحادثات التي ترعاها واشنطن لم تحقق تسوية نهائية، ما يجعل وقف النار معرضًا للانهيار إذا تجددت المواجهة بين إيران وإسرائيل أو وقع هجوم كبير على أحد الطرفين.

ثانيًا: مصالح الأطراف وحدود حركتها

الطرف المصلحة الأساسية القيد الأبرز

السعودية منع تهديد أراضيها ومنشآتها وتأمين باب المندب والبحر الأحمر كلفة الحرب، ضعف تماسك القوى اليمنية المناهضة للحوثيين، وخطر الرد على المنشآت

الحوثيون تثبيت السيطرة السياسية والعسكرية وتحسين موقعهم التفاوضي احتمال استهدافهم بضربات واسعة، وتفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية

إيران الحفاظ على نفوذها الإقليمي ومنع فرض تسوية عليها بالقوة الضغوط العسكرية والاقتصادية وخطر توسع الحرب على أراضيها

الولايات المتحدة حماية المصالح والممرات البحرية ومنع تصعيد غير مضبوط كلفة الانخراط العسكري وتعدد الأزمات

إسرائيل تقليص التهديدات من غزة ولبنان وإيران تعدد الجبهات وصعوبة تحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية

حماس وحزب الله الحفاظ على موقعهما وقدرتهما على الردع والتفاوض الخسائر البشرية والعسكرية والضغط الداخلي والإقليمي

ثالثًا: السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: تصعيد مضبوط مع استمرار الوساطات

الأرجح على المدى القريب. تستمر الضربات والردود المحدودة، مع تجنب الأطراف إعلان حرب شاملة. وقد تسعى السعودية إلى ضغط عسكري محدود، بينما تستمر وساطات قطر وعُمان والأمم المتحدة بشأن إيران واليمن.

مؤشراته: استمرار الاتصالات الدبلوماسية، عدم تنفيذ هجوم سعودي واسع، وبقاء المواجهة في غزة ولبنان ضمن نطاق الضربات المتفرقة.

السيناريو الثاني: توسع متزامن في اليمن ولبنان أو الخليج

الأشد خطرًا. يمكن أن يؤدي هجوم واسع في اليمن أو استئناف الضربات على إيران إلى ردود عبر أكثر من ساحة، بما فيها استهداف منشآت أو ممرات بحرية أو مواقع عسكرية. عندئذ قد تتداخل أزمة باب المندب مع أزمة هرمز، وتتعرض المنطقة لاضطراب أكبر في التجارة والطاقة.

مؤشراته: حشد عسكري سعودي واسع، ضربات مباشرة على منشآت إيرانية، استهداف سفن أو منشآت طاقة، أو إعلان جماعات حليفة لإيران فتح جبهات إضافية.

السيناريو الثالث: تفاهمات جزئية تخفض التصعيد

ممكن، لكنه يتطلب تنازلات متبادلة. قد ينجح الوسطاء في تثبيت وقف مؤقت بين واشنطن وطهران، واحتواء المواجهة السعودية الحوثية، وإحياء محادثات لبنان وإسرائيل. لكنه لن يعالج أصل النزاعات ما لم يترافق مع ضمانات تنفيذ واضحة ومسارات سياسية تشمل الأطراف المحلية.

مؤشراته: قبول الطرفين الأميركي والإيراني بمقترح معدل، وقف الهجمات العابرة للحدود، وضمانات عملية للملاحة وإيصال المساعدات.

رابعًا: التقدير الراجح

1. التصعيد سيستمر، لكن الحرب الإقليمية الشاملة ليست حتمية. لدى الأطراف أسباب تدفعها إلى الضغط، وأسباب أخرى تمنعها من تحمل حرب طويلة ومفتوحة.

2. اليمن مرشح لأن يتحول إلى ساحة اختبار للردع السعودي الإيراني. أي عملية برية أو ساحلية واسعة قد ترفع كلفة المواجهة على السعودية والحوثيين، من دون أن تضمن حسم الصراع.

3. الممرات البحرية تمثل نقطة الربط الأخطر بين الأزمات. تهديد باب المندب أو هرمز قد يحول مواجهات محلية إلى أزمة دولية تمس التجارة والطاقة، ويدفع قوى خارج المنطقة إلى تدخل أوسع.

4. غزة ولبنان قد تبقيان جبهتين نشطتين حتى في حال التوصل إلى تفاهم أميركي إيراني. لأن خلافاتهما تتعلق بترتيبات ميدانية وسياسية لا يحلها الاتفاق بين واشنطن وطهران وحده.

خامسًا: ما ينبغي مراقبته

• هل تنتقل الخطط السعودية في اليمن من مرحلة الإعداد إلى تنفيذ هجوم واسع؟

• هل تتوقف الهجمات على الأراضي السعودية والمنشآت والبنية التحتية؟

• هل يتوصل الوسطاء إلى صيغة أميركية إيرانية قابلة للتنفيذ؟

• هل تتعرض سفن أو منشآت في باب المندب أو مضيق هرمز لهجمات جديدة؟

• هل تثبت التهدئة في غزة ولبنان، أم تتوسع الضربات الإسرائيلية؟

• هل تتوحد القوى اليمنية المناهضة للحوثيين ميدانيًا وسياسيًا؟

خلاصة الحكم

المنطقة أمام اختبار احتواء لا اختبار حسم. إذا نجحت الوساطات في منع هجوم سعودي واسع، وإبقاء التفاوض الأميركي الإيراني قائمًا، فقد يستمر التصعيد ضمن حدود قابلة للضبط. أما إذا اجتمعت ضربة مباشرة لإيران مع توسع الحرب في اليمن وانهيار تهدئة لبنان أو غزة، فسترتفع احتمالات انتقال المنطقة إلى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات. ويظل المسار الأكثر واقعية هو العمل على وقف التصعيد في كل ساحة بالتوازي، مع حماية المدنيين والممرات البحرية وفتح مسارات تفاوض ذات ضمانات واضحة.

هذا تقدير تحليلي مبني على المعلومات المتاحة حتى 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026؛ والسيناريوهات الواردة احتمالات وليست تنبؤات مؤكدة.

اعداد

م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر

باحث وكاتب فلسطيني

مدير ومؤسس المركز العربي للبحوث والدراسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى