أولًا: خلاصة الموقف
تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ليست إعلانًا رسميًا بأن العالم سيختفي قريبًا، ولا دليلًا مباشرًا على أن الإدارة الأميركية تستعد لحرب دينية أو تعمل على تسريع «يوم القيامة». لكنها تصريحات خطرة سياسيًا؛ لأنها صادرة عن مسؤول يحتل الموقع الثاني في الدولة، ويشارك في قرارات الحرب والسلم والسياسة النووية.
الأرجح أن كلام فانس يجمع بين ثلاثة عناصر:
1. قناعة دينية شخصية حقيقية.
2. محاولة لاستقطاب القاعدة المسيحية المحافظة قبل انتخابات التجديد النصفي.
3. بناء صورة سياسية تمهّد لطموحه الرئاسي بعد ترامب.
أما تحويل هذه العقيدة إلى سياسة أميركية مباشرة تجاه فلسطين أو إيران فلا يزال احتمالًا غير مثبت، وإن كانت اللغة الدينية قد تساعد على تبرير سياسات التصعيد وإضفاء طابع أخلاقي أو مقدس عليها.
ثانيًا: ماذا قال فانس فعلًا؟
أدلى فانس بهذه التصريحات في مقابلة مدتها نحو 71 دقيقة مع المدوّن المسيحي برايس كروفورد، نُشرت في 31 أغسطس/آب 2026.
قال فانس، بمعنى كلامه:
• إنه لا يعرف إن كنا نعيش «نهاية الزمان».
• وإنه لن يُصدم إذا كان «المسيح الدجال» يسير بين الناس الآن.
• وإن نهاية الزمان قد تكون بعد آلاف السنين أو بعد بضعة أشهر.
• وإن واجبه هو القيام بما يراه «عمل الله»؛ سواء أدى ذلك إلى عالم أفضل يستمر طويلًا أو تزامن مع نهاية الزمان.
ثالثًا: الأبعاد الاستراتيجية المحتملة
1. تعبئة القاعدة المسيحية المحافظة
التصريحات جاءت في برنامج مسيحي يخاطب جمهورًا دينيًا واسعًا، وقبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. ولذلك تخدم فانس في تقديم نفسه بوصفه:
• سياسيًا مؤمنًا لا يفصل الدين عن المجال العام.
• مدافعًا عن الهوية المسيحية في مواجهة العلمانية.
• وريثًا محتملًا لقاعدة ترامب المحافظة.
• جسرًا بين الكاثوليك والمحافظين الإنجيليين.
اختيار هذا المنبر والجمهور والتوقيت يرجح وجود هدف انتخابي، حتى لو كانت قناعة فانس الدينية صادقة وغير مصطنعة.
2. إعداد فانس لمرحلة ما بعد ترامب
فانس لا يتحدث بصفته نائبًا تقنيًا محدود الدور، بل يبني شخصية سياسية مستقلة لها خطابها الفكري والديني. وهو يسعى إلى الجمع بين:
• شعبوية ترامب.
• النزعة القومية الأميركية.
• المحافظة الاجتماعية والدينية.
• خطاب مواجهة النخب والمؤسسات.
• انتقاد بعض تطبيقات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وبهذا يقدم نفسه مرشحًا طبيعيًا لقيادة التيار الترامبي بعد انتهاء عهد ترامب، ولا سيما في انتخابات 2028.
3. إضفاء الشرعية الدينية على المشروع السياسي
عبارة «القيام بعمل الله» ترفع الفعل السياسي من مستوى الاجتهاد البشري القابل للنقد إلى مستوى الرسالة الأخلاقية أو الدينية. والخطورة هنا ليست في الاعتقاد بنهاية الزمان بذاته، بل في احتمال استخدامه لتقسيم العالم إلى:
• قوى خير وشر.
• مؤمنين وأعداء للإيمان.
• سياسات مباركة وأخرى شيطانية.
عندما يتبنى مسؤول كبير هذا الإطار، قد يصبح التراجع والتسوية والحلول الوسط أقل قبولًا، لأن الصراع يُقدَّم باعتباره مواجهة أخلاقية مطلقة لا نزاع مصالح قابلًا للتفاوض.
4. تحويل الأزمات إلى «حرب روحية»
تحدث فانس أيضًا عن شعوره بـ«ظلمة» في اجتماعات مع بعض قادة العالم، ووصف ممارسات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي بأنها تحمل «طاقة روحية مظلمة». وأبدى قلقًا من حلول روبوتات المحادثة محل العلاقات الإنسانية، بينما تتبنى إدارته عمومًا سياسة مؤيدة لتطوير الذكاء الاصطناعي وتخفيف القيود عليه، وهو تناقض أشارت إليه Axios.
هذه اللغة تسمح بإعادة تفسير الأزمات السياسية والتكنولوجية بوصفها مظاهر لصراع روحي، بما يوسّع قاعدة التعبئة حول الإدارة، لكنه يضعف التفكير الواقعي القائم على المصالح والحقائق.
5. البعد الإسرائيلي والفلسطيني
خطاب نهاية الزمان حاضر بقوة لدى قطاعات من المسيحية الإنجيلية الأميركية التي تربط قيام إسرائيل والقدس والحروب الإقليمية بنبوءات دينية. لكن فانس كاثوليكي، وليس من الدقة إدراجه تلقائيًا في جميع تصورات «الصهيونية المسيحية».
مع ذلك، يمكن أن يؤدي خطابه عمليًا إلى:
• تعزيز التقارب مع الناخبين الإنجيليين الأكثر دعمًا لإسرائيل.
• تقديم الصراع مع إيران وحلفائها باعتباره صراعًا حضاريًا وأخلاقيًا.
• تقليل الحساسية السياسية تجاه معاناة الفلسطينيين إذا صُوّر الصراع ضمن نبوءات مقدسة.
• منح التيارات الإسرائيلية الدينية المتطرفة غطاءً إضافيًا داخل البيئة الأميركية.
6. العلاقة مع بيتر ثيل والتيار التكنولوجي المحافظ
ارتبط صعود فانس السياسي والفكري بالملياردير بيتر ثيل، الذي ناقش بدوره موضوع «المسيح الدجال» ونهاية العالم. لكن الرجلين لا يرفضان التكنولوجيا؛ بل يخشيان أن تتحول الدولة المركزية والذكاء الاصطناعي والرقابة العالمية إلى أدوات للسيطرة على الإنسان.
من هنا يظهر تيار أميركي جديد يجمع بين:
• التقنية المتقدمة والاستثمار فيها.
• القومية والمحافظة الدينية.
• الخوف من الحكومة العالمية والرقابة الشاملة.
• تفسير بعض التحولات التقنية بلغة دينية وأخلاقية.
وبالتالي، قد يكون المقصود الاستراتيجي ليس الاستعداد لنهاية العالم حرفيًا، بل تعبئة الجمهور ضد نموذج عالمي ليبرالي وتقني يراه هذا التيار مهددًا للدين والأسرة والسيادة الأميركية.
رابعًا: تقدير الدوافع
الدافع المحتمل التقدير
تعبير عن اعتقاد ديني شخصي مرتفع
استقطاب المسيحيين المحافظين انتخابيًا مرتفع
التمهيد لترشحه الرئاسي بعد ترامب مرتفع
خلق إطار أخلاقي لمواجهة الخصوم الداخليين متوسط إلى مرتفع
تبرير التصعيد مع إيران أو دعم إسرائيل متوسط وغير مباشر
وجود خطة فعلية لتسريع «نهاية العالم» ضعيف ولا دليل عليه
صرف الأنظار عن مشكلات داخلية أو حروب قائمة محتمل، لكنه ليس التفسير الوحيد
خامسًا: المخاطر الاستراتيجية
الخطر الأول هو اختلاط العقيدة بالقرار السيادي؛ فالمسؤول الذي يعتقد أن نهاية العالم محتملة قريبًا قد يُتهم بالتقليل من قيمة الردع والعواقب بعيدة المدى، حتى لو لم يظهر ذلك في قراراته.
الخطر الثاني هو تقديس السياسة؛ لأن وصف برنامج الإدارة بأنه «عمل الله» قد يحوّل معارضيها من خصوم سياسيين إلى قوى شر في نظر أنصارها.
الخطر الثالث هو الاستقطاب الداخلي؛ ولا سيما أن فانس ربط محاولة اغتيال ترامب باحتمال اندلاع اضطرابات أهلية وفقدان الثقة بأي خليفة محتمل، وفق تغطية أسوشيتد برس.
الخطر الرابع هو سوء التقدير الخارجي؛ إذ قد تفهم إيران أو الصين أو روسيا أن القيادات الأميركية تتحرك بمنطق عقائدي غير قابل للردع، فتزيد استعدادها العسكري وتتبنى مواقف أكثر تشددًا.
الخطر الخامس هو توظيف الخطاب إسرائيليًا؛ فقد تستفيد منه القوى الإسرائيلية الدينية في تسويق الحرب والتوسع وفرض الوقائع في القدس باعتبارها جزءًا من مواجهة تاريخية أو دينية كبرى.
سادسًا: السيناريوهات المتوقعة
السيناريو الأرجح: خطاب انتخابي–هوياتي
يواصل فانس استخدام اللغة المسيحية لحشد المحافظين وبناء زعامته، مع بقاء القرارات الأميركية محكومة بالمصالح والمؤسسات والردع. احتماله مرتفع.
السيناريو الثاني: تسرب اللغة العقائدية إلى السياسة الخارجية
يظهر ذلك في تشديد الدعم لإسرائيل، ورفض التسويات مع إيران، وتصوير الخصوم كتهديد حضاري وروحي. احتماله متوسط.
السيناريو الثالث: تراجع الخطاب بعد إثارة الانتقادات
قد يعيد فانس تفسير كلامه باعتباره تأملًا دينيًا شخصيًا، ولا سيما إذا بدأت التصريحات تثير مخاوف الناخبين المستقلين وحلفاء واشنطن. احتماله متوسط.
السيناريو الأخطر: اتخاذ قرارات كبرى بمنطق قدري
أي الاعتقاد بأن الحرب أو الكارثة حتمية ولا ينبغي منعها. لا توجد حاليًا أدلة كافية على هذا السيناريو، ولذلك احتماله ضعيف، لكن أثره سيكون بالغ الخطورة إن ظهرت مؤشرات عملية عليه.
الخلاصة التقديرية
تصريحات فانس ليست نبوءة رسمية ولا خطة معلنة لإنهاء العالم، لكنها ليست كلامًا عابرًا أيضًا. إنها تكشف صعود قائد أميركي يمزج بين الإيمان الديني والقومية والسياسة والتكنولوجيا، ويستعد على الأرجح لوراثة التيار الترامبي.
الهدف المباشر هو تثبيت شرعيته داخل القاعدة المسيحية المحافظة وبناء هويته السياسية لمرحلة ما بعد ترامب. أما الخطر الاستراتيجي فيكمن في تطبيع فكرة أن الإدارة تنفذ «مهمة إلهية»، بما قد يسهل تبرير التصعيد ضد الخصوم ويمنح الصراعات في فلسطين وإيران طابعًا دينيًا مطلقًا.
وعليه، يجب الحكم على فانس من خلال القرارات التنفيذية لا العبارات وحدها: موقفه من الحرب مع إيران، التسليح النووي، غزة والضفة والقدس، الاستيطان، الذكاء الاصطناعي، ومدى قبوله بالتسويات الدبلوماسية. فإذا اقترنت لغته الأخروية بسياسات تصعيدية متكررة ورفض للحلول السياسية، عندئذ تتحول من خطاب تعبوي إلى مؤشر استراتيجي خطير.
اعداد
م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر
باحث وكاتب فلسطيني
مدير ومؤسس المركز العربي للبحوث والدراسات
التاريخ 5.9.2026
Post Views: 34
أقرأ التالي
سبتمبر 7, 2026
تقدير موقف: اتجاهات التصعيد في الإقليم
سبتمبر 5, 2026
تركيا واحتمال الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون
سبتمبر 2, 2026
من مأزق التنفيذ إلى إدارة الجمود: إلى أين تتجه خارطة ملادينوف في غزة؟
أغسطس 29, 2026
فلسطين والإقليم أمام مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى
أغسطس 20, 2026
حماس والانتخابات الفلسطينية في ظل احتمال قانون يمنع الأحزاب ذات الأجنحة المسلحة
أغسطس 17, 2026
تقدير موقف | مستقبل الولايات المتحدة وإسرائيل والشرق الأوسط بعد «العاصفة الأمريكية
أغسطس 13, 2026
حماس … والانتخابات التشريعية الثالثة
أغسطس 8, 2026
العالم إلى أين؟ والتحالفات الجديدة ومستقبل الشرق الأوسط
أغسطس 5, 2026
بين الثوابت وضرورة إنقاذ غزة.. الخطوط الحمراء لحماس تجاه ورقة «مجلس السلام»
أغسطس 1, 2026
موافقة حماس على ترتيبات تتعلق بالسلاح الثقيل في قطاع غزة
زر الذهاب إلى الأعلى