اعداد م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر
باحث وكاتب فلسطيني
مدير ومؤسس المركز العربي للبحوث والدراسات
أمريكا – إسرائيل – إيران – اليمن – الحوثيون – السعودية – غزة – حماس – حزب الله – لبنان – سوريا
الخلاصة التنفيذية
لا تتجه المنطقة في المرحلة الراهنة إلى سلام إقليمي شامل، كما أنها لا تبدو متجهة حتميًا إلى حرب شاملة ومفتوحة بين جميع الأطراف. الأقرب أننا أمام مرحلة إعادة رسم أمني وسياسي للمنطقة تحت ضغط القوة العسكرية، تتداخل فيها المفاوضات والصفقات مع الضربات والاغتيالات والمناطق العازلة والانتشار العسكري.
أوقفت الولايات المتحدة وإيران ضرباتهما بصورة مؤقتة، مع إعطاء فرصة للوساطات والاتصالات السياسية، لكن القضايا الأساسية بينهما لم تُحل، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ، والعقوبات، وأمن مضيق هرمز، ومستقبل القوى المرتبطة بإيران في المنطقة. ولذلك فإن التوقف الحالي أقرب إلى استراحة تفاوضية منه إلى نهاية للصراع.
وفي اليمن، انتقل التصعيد إلى مستوى خطير بعد استئناف الحوثيين استهداف السعودية وإعلانهم حصارًا بحريًا عليها، بما يهدد بإنهاء سنوات من الهدوء النسبي وإعادة فتح حرب اليمن، خصوصًا إذا تعرضت المنشآت النفطية السعودية أو الملاحة في باب المندب لضربات مؤثرة.
أما في غزة، فلم يعد الخطر مقتصرًا على احتمال العودة إلى حرب واسعة، بل أصبح يتمثل في الاستنزاف البطيء والمنظم من خلال الاغتيالات اليومية، والسيطرة على مساحات واسعة، وتثبيت خطوط فصل داخل القطاع، وإدخال قوة دولية، والسعي إلى إنشاء إدارة مدنية منزوعة الصلة بالقوة العسكرية لحماس. وتسيطر إسرائيل حاليًا على نحو 64% من القطاع، وسط مخاوف من تحويل خطوط الانتشار المؤقتة إلى حدود دائمة تقسم غزة إلى مناطق منفصلة.
وتبرز في هذا السياق نقطتان داخليتان بالغتا الأهمية:
النقطة الأولى: خطورة المراهنة السياسية على اندلاع حرب واسعة بين إيران والولايات المتحدة باعتبارها طريقًا تلقائيًا لإنقاذ غزة أو تخفيف الضغط عنها. إن ربط القرار السياسي والتفاوضي لحماس، باحتمال انفجار الحرب الأمريكية–الإيرانية يمثل مخاطرة كبيرة؛ لأن المواجهة قد تنتهي بصفقة بين واشنطن وطهران تراعي مصالحهما، من دون أن تكون غزة جزءًا حقيقيًا منها.
النقطة الثانية: استمرار أخطاء وسلوكيات ميدانية في غزة تسهّل على الاحتلال تنفيذ الاغتيالات بأقل تكلفة، ومنها الأمان الكاذب خلال فترات الهدوء، والتجمعات، والحركة المكشوفة، واستخدام المركبات والجيبات والدراجات الكهربائية اللافتة، في ظل ضيق مساحة القطاع واستمرار الطائرات المسيّرة ووسائل المراقبة فوقه.
ومن ثم، فإن أخطر ما يواجه غزة هو اجتماع المراهنة السياسية الخاطئة من الأعلى مع التراخي والاستهتار الميداني في الأسفل، بما يسمح للاحتلال بمواصلة استنزاف المقاومة والكوادر والقدرات من دون العودة إلى حرب شاملة يدفع فيها ثمنًا كبيرًا.
وفي لبنان، تتجه الأمور نحو ترتيبات تدريجية تشمل انسحابات إسرائيلية محدودة، وانتشار الجيش اللبناني، والضغط لنزع سلاح حزب الله، لكن إسرائيل ما تزال تحتفظ بوجود عسكري داخل جنوب لبنان، بينما يرفض حزب الله التخلي عن سلاحه قبل اكتمال الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات.
أما سوريا، فتحاول استعادة دور الدولة وإعادة بناء علاقاتها الدولية، بالتزامن مع مفاوضات واتصالات أمنية مع إسرائيل برعاية أمريكية. لكن استمرار الغارات والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري يجعل أي اتفاق أمني هشًا، ويثير مخاوف من تحويل جنوب سوريا إلى منطقة نفوذ أمني إسرائيلي طويلة الأجل.
وعليه، فإن الاتجاه العام للمنطقة هو:
هدن مؤقتة، ومفاوضات تحت النار، ومناطق أمنية وعازلة، ومحاولات لنزع سلاح حركات المقاومة، مع بقاء احتمال الانفجار الواسع قائمًا.
أولًا: الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل
أوقفت الولايات المتحدة ضرباتها على إيران بصورة مؤقتة بعد أيام من التصعيد، وأعطت الإدارة الأمريكية مساحة للمفاوضات والاتصالات الدبلوماسية. وفي المقابل، توقفت إيران عن هجماتها المباشرة ما دام الجانب الأمريكي ملتزمًا بالتوقف.
لكن هذه التهدئة لا تعني حل الأزمة، بل تشير إلى محاولة الطرفين الانتقال من التصعيد المفتوح إلى التفاوض من موقع القوة.
تتركز المفاوضات والوساطات على عدة ملفات:
1. وقف الضربات المتبادلة.
2. ضمان الملاحة في مضيق هرمز.
3. مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
4. الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
5. العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.
6. دور إيران الإقليمي وعلاقتها بحزب الله والحوثيين والفصائل العراقية والفلسطينية.
الموقف الأمريكي
ترغب واشنطن في منع تحول الصراع إلى حرب طويلة تستنزف القوات والذخائر الأمريكية، وترفع أسعار النفط، وتهدد القواعد الأمريكية والممرات البحرية.
كما تريد الإدارة الأمريكية الحفاظ على أمن إسرائيل، لكن من دون الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة لا يمكن التحكم في نتائجها.
الموقف الإيراني
تحاول إيران وقف الضربات الأمريكية، والحفاظ على نظامها ومؤسساتها العسكرية، وفتح باب لتخفيف العقوبات، من دون التخلي الكامل عن برنامجها النووي أو أوراق نفوذها الإقليمية.
وستسعى طهران إلى الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من قدرتها على التأثير في:
• العراق.
• لبنان.
• اليمن.
• سوريا.
• الساحة الفلسطينية.
• مضيق هرمز.
الموقف الإسرائيلي
تريد إسرائيل اتفاقًا أكثر شمولًا وصرامة، لا يقتصر على وقف الضربات، بل يشمل البرنامج النووي الإيراني والصواريخ والنفوذ الإقليمي.
كما تخشى إسرائيل من أن تتوصل واشنطن وطهران إلى صفقة محدودة تضمن أمن الملاحة والمصالح الأمريكية، بينما تترك لإيران جزءًا مهمًا من قوتها العسكرية ونفوذها الإقليمي.
التقدير
الأرجح أن يستمر التوقف المؤقت للضربات مع مفاوضات صعبة ومتقطعة. لكن العودة إلى التصعيد تبقى محتملة إذا:
• هوجمت قاعدة أمريكية.
• تعرضت سفينة أو ناقلة نفط لضربة كبيرة.
• تعطل مضيق هرمز.
• نفذت إسرائيل ضربة واسعة داخل إيران.
• فشلت الوساطات في الوصول إلى صيغة مؤقتة.
ولا يبدو أن الولايات المتحدة تريد إسقاط النظام الإيراني أو احتلال إيران، بل تريد دفعه إلى اتفاق يقلص قدراته ويضمن أمن الطاقة والملاحة.
أما إسرائيل فقد تفضل استمرار الضغط العسكري فترة أطول، لأنها ترى أن إيران في وضع أضعف من السابق، وأن الوقت مناسب لفرض شروط أكثر صرامة عليها.
ثانيًا: اليمن والحوثيون والسعودية
شهدت جبهة اليمن تحولًا خطيرًا بعد سنوات من التهدئة النسبية بين السعودية والحوثيين.
فقد أعلن الحوثيون حصارًا بحريًا على السعودية، وهددوا الملاحة والمنشآت النفطية، كما أطلقوا صواريخ باتجاه الأراضي السعودية، في تطور كسر الهدوء الذي استمر سنوات.
وتكمن خطورة هذه الجبهة في أنها ترتبط بممرين استراتيجيين:
• مضيق باب المندب.
• البحر الأحمر.
كما ترتبط مباشرة بأمن السعودية النفطي والاقتصادي.
موقف الحوثيين
يسعى الحوثيون إلى إثبات أنهم قوة إقليمية قادرة على:
• ضرب السعودية.
• تهديد السفن.
• التأثير في أسواق النفط.
• تعطيل الملاحة.
• دعم إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقد يستخدم الحوثيون تصعيدهم ضد السعودية كورقة ضغط في أي مفاوضات أمريكية–إيرانية.
موقف السعودية
لا ترغب السعودية في العودة إلى حرب اليمن بالصورة التي بدأت عام 2015، بسبب تكلفتها العسكرية والاقتصادية والسياسية الكبيرة.
كما أن الرياض تركز على مشاريع اقتصادية واستثمارية ضخمة، وتحتاج إلى بيئة مستقرة لجذب رؤوس الأموال وتنفيذ خططها التنموية.
لكن السعودية لا تستطيع تجاهل استهداف:
• أرامكو.
• الموانئ.
• المطارات.
• الحدود الجنوبية.
• ناقلات النفط.
• المدن والمنشآت الحيوية.
ولذلك قد ترد السعودية من خلال:
• ضربات جوية محدودة.
• عمليات بحرية.
• اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة.
• دعم القوات اليمنية المناهضة للحوثيين.
• الضغط الدبلوماسي والاقتصادي.
• طلب دعم عسكري واستخباري أمريكي.
هل تعود الحرب السعودية–الحوثية؟
احتمال العودة إلى القتال أصبح أعلى من أي وقت خلال السنوات الماضية، لكن السعودية ستتجنب قدر الإمكان الدخول في اجتياح بري أو حرب استنزاف مفتوحة.
وسيكون العامل الحاسم هو حجم الهجمات الحوثية.
فإذا بقيت الهجمات محدودة، ستستمر محاولات الاحتواء والوساطة.
أما إذا نجح الحوثيون في ضرب منشأة نفطية كبرى، أو إغراق ناقلة سعودية، أو إيقاع عدد كبير من الضحايا، فقد تجد الرياض نفسها مضطرة إلى حملة عسكرية واسعة.
التقدير
اليمن هو الجبهة الأكثر قابلية للانفجار السريع.
وقد يتحول من ساحة حرب داخلية إلى ساحة مواجهة مباشرة بين:
• السعودية.
• الحوثيين.
• الولايات المتحدة.
• إيران.
ومن شأن اتساع الحرب في اليمن أن يرفع أسعار النفط والتأمين والشحن، ويهدد التجارة العالمية عبر البحر الأحمر.
ثالثًا: غزة وإسرائيل وحماس
تعيش غزة حالة لا يمكن وصفها بوقف كامل لإطلاق النار، ولا بحرب مفتوحة بالمستوى السابق.
فالضربات والاغتيالات الإسرائيلية مستمرة بصورة شبه يومية، وقد قتلت ضربة إسرائيلية في دير البلح يوم 26 يوليو مسؤولين في جهاز الأمن الداخلي التابع لحماس. وتشير البيانات الواردة من غزة إلى مقتل أكثر من 1,190 فلسطينيًا منذ بدء وقف إطلاق النار، رغم توقف العمليات العسكرية الواسعة.
وتواصل إسرائيل السيطرة على نحو 64% من قطاع غزة، مع خطط لتوسيع مناطق سيطرتها، بينما يجري إنشاء حواجز وخطوط فصل داخل القطاع، ما يثير مخاوف من تحولها إلى حدود شبه دائمة.
القوة الدولية والإدارة المدنية
وافقت الحكومة الإسرائيلية على السماح بدخول قوة دولية محدودة إلى مناطق في غزة لا تخضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة.
وتتكون القوة المقترحة من نحو 200 عنصر، مع مشاركة محتملة من دول مثل أوغندا والمغرب، على أن تخضع مشاركة كل دولة للموافقة الإسرائيلية.
ويرتبط المشروع بخطة تشمل:
• إدخال المساعدات الإنسانية.
• إقامة إدارة فلسطينية مدنية.
• نشر قوة أمنية دولية.
• نزع سلاح حماس.
• انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا.
• إنشاء مناطق إنسانية تجريبية.
لكن المشكلة أن إسرائيل تريد تنفيذ البنود المتعلقة بإضعاف حماس ونزع سلاحها، بينما تبقي الانسحاب الكامل غامضًا ومشروطًا.
موقف حماس
أعلنت حماس استعدادها لحل الحكومة القائمة في غزة وتسليم الإدارة إلى لجنة فلسطينية من التكنوقراط، لكنها لم توافق على نزع سلاحها.
وفي 20 يوليو/تموز 2026 اختارت الحركة خليل الحية رئيسًا عامًا لها، في وقت تواجه فيه ضغوطًا كبيرة تتعلق بمستقبل السلاح والإدارة والحكم والعلاقة مع القوى الإقليمية.
ويمثل اختيار الحية تأكيدًا على استمرار الجمع بين:
• المسار التفاوضي.
• العلاقة مع إيران ومحور المقاومة.
• رفض نزع السلاح.
• محاولة الحفاظ على الوجود السياسي والتنظيمي للحركة.
رابعًا: مخاطر المراهنة على الحرب الأمريكية–الإيرانية
تظهر في إدارة الملف الفلسطيني مخاوف جدية من أن تكون بعض القرارات والمواقف مبنية على انتظار اندلاع حرب واسعة بين إيران والولايات المتحدة، على أساس أن هذه الحرب ستشغل إسرائيل وتخفف الضغط عن غزة.
ويرى هذا التقدير أن هذه المراهنة شديدة الخطورة، خصوصًا إذا تحولت إلى أساس للمماطلة في اتخاذ قرارات واقعية بشأن وقف الاستنزاف وحماية السكان والكوادر.
إن افتراض أن الحرب الأمريكية–الإيرانية ستنقذ غزة يتجاهل حقيقة أن الدول الكبرى والإقليمية تتحرك وفق مصالحها الخاصة.
وقد تنتهي المواجهة بين واشنطن وطهران إلى:
• وقف مؤقت للضربات.
• اتفاق بشأن الملاحة في هرمز.
• صفقة نووية جزئية.
• تفاهم بشأن النفط والعقوبات.
• تفاهمات حول بعض ساحات النفوذ.
• تأجيل الملفات الخلافية إلى مرحلة لاحقة.
وفي جميع هذه الاحتمالات قد لا تكون غزة جزءًا جوهريًا من الصفقة.
بل قد تصل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق يحفظ مصالحهما، بينما تكون غزة قد خسرت خلال فترة الانتظار:
• آلاف الأرواح.
• مزيدًا من الأرض.
• كوادر سياسية وعسكرية وأمنية.
• بنى تنظيمية وإدارية.
• مزيدًا من المنازل والمؤسسات.
• أوراقًا تفاوضية مهمة.
إن ربط مستقبل غزة باحتمال وقوع حرب خارجية يعني تسليم القرار الفلسطيني لتحولات لا يملك الفلسطينيون التحكم فيها.
ولا ينبغي أن تتحول العلاقة مع إيران أو غيرها إلى بديل عن بناء قرار فلسطيني مستقل يقوم على:
• حماية الشعب.
• المحافظة على الأرض.
• وقف الاستنزاف.
• تقييم موازين القوى بصورة واقعية.
• عدم تأجيل القرارات المصيرية انتظارًا لتحولات مجهولة.
السؤال الذي يجب طرحه
لا ينبغي أن يكون السؤال الأساسي:
متى تندلع الحرب بين إيران وأمريكا؟
بل يجب أن يكون:
ماذا سنفعل إذا لم تقع الحرب؟ وماذا سنفعل إذا انتهت إلى اتفاق لا يمنح غزة شيئًا؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يشكل أساس القرار السياسي والتفاوضي.
خامسًا: الأخطاء والسلوكيات الميدانية في غزة
إلى جانب مشكلة التقدير السياسي، توجد أخطاء ميدانية تسهّل على الاحتلال تنفيذ سياسة الاستنزاف والاغتيالات بأقل تكلفة ممكنة.
الأمان الكاذب
تؤدي فترات الهدوء المؤقت أو الإعلان عن مفاوضات ووساطات أحيانًا إلى شعور مبالغ فيه بالأمان.
فتعود:
• التجمعات.
• الحركة المكشوفة.
• الزيارات غير الضرورية.
• الظهور في الأماكن العامة.
• التحركات المتكررة في الطرق نفسها.
• استخدام المركبات بصورة ظاهرة.
لكن انخفاض القصف لا يعني توقف المراقبة.
فالطائرات المسيّرة، ووسائل الاستطلاع، والإشارات الإلكترونية، والعملاء، والمراقبة الجوية لا تتوقف خلال التهدئة.
بل قد يستغل الاحتلال أيام الهدوء من أجل:
• تحديث بنك الأهداف.
• تحديد الأشخاص.
• مراقبة طرق الحركة.
• ربط المركبات بأصحابها.
• تحديد أماكن الإقامة والاجتماعات.
• انتظار اللحظة المناسبة لتنفيذ الاغتيال.
استخدام الجيبات والسيارات والدراجات الكهربائية
من الأخطاء الخطيرة استمرار تحرك بعض الأشخاص بمركبات وجيبات لافتة في الشوارع والمناطق المكشوفة.
كما أن الدراجات الكهربائية مرتفعة الثمن أصبحت في البيئة الغزية المحاصرة علامة لافتة، نظرًا إلى ارتفاع أسعارها بصورة لا يستطيع المواطن العادي تحملها.
وتكمن الخطورة في أن المركبة اللافتة:
• يسهل رصدها.
• يسهل تتبع مسارها.
• يمكن ربطها بشخص معين.
• تصبح هدفًا واضحًا للطائرات المسيّرة.
• تثير الانتباه في بيئة صغيرة ومكشوفة.
كما أن ضيق مساحة قطاع غزة، وتراجع المناطق المتاحة للحركة، وتركيز السكان في مساحات محدودة، يجعل عملية المراقبة والاستهداف أسهل من السابق.
ومن المؤلم أن يجد بعض الأشخاص صعوبة في التخلي عن المركبات الحديثة أو الجيبات والعودة إلى سيارات قديمة أو وسائل أقل ظهورًا، رغم أن الحفاظ على النفس والكوادر يجب أن يكون أولوية تتقدم على المظهر والراحة والامتيازات.
البعد الاجتماعي
لا يقتصر الأمر على الخطر الأمني.
فاستخدام مركبات تبلغ قيمتها آلاف الدولارات في مجتمع يعاني الجوع والنزوح والدمار يثير تساؤلات اجتماعية وأخلاقية، ويعمق الإحساس بالفجوة بين عامة الناس وبعض المسؤولين أو أصحاب النفوذ.
وهذا السلوك قد يؤدي إلى:
• فقدان الثقة.
• زيادة الاحتقان الشعبي.
• الشعور بعدم المساواة في تحمل المعاناة.
• تقديم معلومات غير مباشرة للاحتلال عن الأشخاص والطبقات المستهدفة.
التقدير
الاحتلال يريد تنفيذ استنزاف رخيص، أي قتل الكوادر وإضعاف المؤسسات من دون الدخول في معارك كبيرة أو تحمل خسائر عسكرية مرتفعة.
وكل حركة مكشوفة أو مركبة لافتة أو تجمع غير ضروري يقدم له هدفًا مجانيًا.
إن حماية الأرواح والكوادر لا تحتاج فقط إلى التكنولوجيا، بل إلى:
• الوعي.
• التواضع.
• الانضباط.
• تغيير أنماط الحركة.
• عدم الاطمئنان إلى التهدئة.
• مراجعة المظاهر والامتيازات.
• تحمل المسؤولية الفردية والجماعية.
سادسًا: العلاقة بين الخطأ السياسي والخطأ الميداني
يكمن الخطر الأكبر في اجتماع مستويين من الأخطاء:
من الأعلى
المراهنة السياسية على حرب أمريكية–إيرانية قد لا تقع، أو قد تنتهي بصفقة لا تشمل غزة.
من الأسفل
الأمان الكاذب، والتراخي، والحركة المكشوفة، والتجمعات، واستخدام المركبات اللافتة.
وعندما يجتمع هذان العاملان، يتمكن الاحتلال من:
• كسب الوقت.
• توسيع سيطرته.
• قتل الكوادر تدريجيًا.
• تفكيك المؤسسات.
• إضعاف القدرة التفاوضية.
• تقليل كلفة عملياته.
• تجنب مواجهة عسكرية شاملة.
وهكذا تتحول التهدئة من فرصة لحماية الشعب وترتيب الصفوف إلى فرصة يستخدمها الاحتلال لإعادة جمع المعلومات وتنفيذ الاغتيالات المتدرجة.
وهذا الاستنزاف الخفي قد يكون أخطر من بعض أشكال الحرب المفتوحة؛ لأنه يجري ببطء ومن دون لحظة واضحة تدفع الجميع إلى المراجعة.
سابعًا: حزب الله ولبنان وإسرائيل
دخل لبنان مرحلة جديدة بعد المواجهات الواسعة مع إسرائيل والضغوط الأمريكية لنزع سلاح حزب الله.
وتجري ترتيبات ومفاوضات مباشرة برعاية أمريكية تتناول:
• انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان.
• انتشار الجيش اللبناني.
• إنشاء مناطق تجريبية أو آمنة.
• جمع أسلحة حزب الله في بعض المناطق.
• إعادة السكان.
• إعادة الإعمار.
وقد انسحبت القوات الإسرائيلية من بلدة زوطر الغربية، ودخلها الجيش اللبناني، لكن إسرائيل ما تزال تحتفظ بوجود عسكري في مناطق أخرى من الجنوب، وتبقي حزامًا أمنيًا يصل عمقه في بعض المناطق إلى نحو عشرة كيلومترات.
كما ناقش الرئيس اللبناني جوزيف عون مع الرئيس الأمريكي نزع سلاح حزب الله مقابل الانسحاب الإسرائيلي واستعادة سلطة الدولة اللبنانية.
موقف حزب الله
يرفض حزب الله نزع سلاحه بصورة كاملة في ظل:
• استمرار الاحتلال الإسرائيلي.
• بقاء القوات الإسرائيلية داخل لبنان.
• استمرار الغارات والاغتيالات.
• غياب ضمانات أمنية حقيقية.
• ضعف قدرة الجيش اللبناني على مواجهة إسرائيل.
ويرى الحزب أن نزع سلاحه قبل انسحاب إسرائيل سيمنح إسرائيل انتصارًا سياسيًا وعسكريًا من دون مقابل.
التقدير
الأرجح هو الوصول إلى ترتيبات جزئية، تشمل:
• إبعاد عناصر حزب الله عن الحدود.
• تقليص الظهور العسكري.
• تسليم بعض المواقع للجيش اللبناني.
• نقل أو إخفاء بعض الأسلحة الثقيلة.
• انتشار الجيش في البلدات التي تنسحب منها إسرائيل.
أما نزع السلاح الكامل، فمن الصعب تحقيقه بالقوة، لأن ذلك قد يؤدي إلى صدام داخلي لبناني.
وفي المقابل، ستستمر إسرائيل في استخدام وجود حزب الله وسلاحه ذريعة للاحتفاظ بمناطق داخل لبنان وتنفيذ ضربات متفرقة.
ثامنًا: سوريا وإسرائيل
تسعى القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع إلى إعادة سوريا إلى المجتمع الدولي، والحصول على دعم اقتصادي وسياسي لإعادة الإعمار.
وقد شكلت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق مؤشرًا على عودة سوريا تدريجيًا إلى العلاقات الدولية. وخلال الزيارة، أدان غوتيريش الغارات والتوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا، مؤكدًا سيادة سوريا على أراضيها.
وفي المقابل، تستمر إسرائيل في فرض وقائع أمنية في جنوب سوريا، وتطالب بمنطقة منزوعة السلاح، وتبرر تدخلاتها بحماية حدودها ومنع الجماعات المسلحة من الاقتراب منها، إضافة إلى ادعاء حماية الدروز.
وقد اتفقت سوريا وإسرائيل، برعاية أمريكية، على إنشاء آلية اتصال وتنسيق أمني واستخباري، لكن ذلك لم يؤد إلى اتفاق نهائي أو انسحاب إسرائيلي.
موقف سوريا
تريد دمشق:
• وقف الغارات الإسرائيلية.
• انسحاب القوات الإسرائيلية.
• العودة إلى اتفاق فصل القوات لعام 1974.
• استعادة السيادة على الجنوب.
• منع تقسيم البلاد أو إقامة مناطق نفوذ خارجية.
موقف إسرائيل
تريد إسرائيل:
• منطقة أمنية منزوعة السلاح.
• منع إيران وحزب الله من العودة إلى سوريا.
• الاحتفاظ بحرية العمل العسكري.
• مراقبة الجنوب السوري.
• منع الجيش السوري من الاقتراب بقوة من الجولان.
• استخدام ملف الدروز كورقة للتدخل.
التقدير
من المحتمل الوصول إلى تفاهم أمني محدود، لكنه لن يكون اتفاق سلام شاملًا.
وقد يشمل:
• خطوط اتصال.
• ترتيبات لخفض التصعيد.
• مناطق محدودة الانتشار.
• وجودًا دوليًا.
• منع بعض الأسلحة والقوات من الاقتراب من الحدود.
لكن استمرار التوغلات الإسرائيلية سيجعل الاتفاق هشًا، وقد يحول جنوب سوريا إلى منطقة نفوذ أمني إسرائيلي طويلة الأجل.
تاسعًا: كيف ترتبط الجبهات ببعضها؟
لم تعد جبهات المنطقة منفصلة.
فالتصعيد بين إيران والولايات المتحدة ينعكس مباشرة على:
• الحوثيين في اليمن.
• حزب الله في لبنان.
• الجماعات المسلحة في العراق.
• الوضع في سوريا.
• موقف حماس في غزة.
وفي المقابل، تستخدم إسرائيل الحرب الإقليمية من أجل:
• توسيع سيطرتها في غزة.
• فرض حزام أمني في لبنان.
• تثبيت وجودها في جنوب سوريا.
• الضغط لنزع سلاح حماس وحزب الله.
• إضعاف النفوذ الإيراني.
أما الولايات المتحدة فتريد إعادة ترتيب المنطقة من خلال:
• تأمين الملاحة.
• حماية إسرائيل.
• تقليص قوة إيران.
• نزع سلاح القوى غير الخاضعة للدول.
• إقامة ترتيبات أمنية جديدة.
• منع اندلاع حرب لا تستطيع السيطرة عليها.
عاشرًا: السيناريوهات المتوقعة
السيناريو الأول: استمرار التهدئة الهشة
وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب.
ويشمل:
• استمرار المفاوضات الأمريكية–الإيرانية.
• توقف نسبي للضربات.
• مواجهات محدودة في البحر الأحمر.
• مفاوضات لبنانية–إسرائيلية.
• ترتيبات دولية ومدنية في غزة.
• اتصالات أمنية سورية–إسرائيلية.
• استمرار الاغتيالات والضربات المحسوبة.
هذا السيناريو لا يعني السلام، بل إدارة الصراع تحت سقف يمنع الحرب الشاملة.
السيناريو الثاني: التصعيد المنضبط
ويحدث إذا فشلت بعض المفاوضات أو تعرضت منشآت وسفن لهجمات كبيرة.
وقد يشمل:
• ضربات أمريكية جديدة ضد إيران.
• هجمات حوثية على السعودية.
• ضربات إسرائيلية في لبنان وسوريا وغزة.
• هجمات على قواعد أمريكية.
• ارتفاع أسعار النفط.
لكن الأطراف ستسعى إلى منع التصعيد من التحول إلى حرب شاملة.
السيناريو الثالث: الحرب الإقليمية الواسعة
يصبح هذا السيناريو ممكنًا إذا اجتمعت عدة أحداث، مثل:
• انهيار المفاوضات الأمريكية–الإيرانية.
• إغلاق مضيق هرمز.
• تعطيل باب المندب.
• ضرب منشأة نفطية سعودية كبرى.
• عودة حزب الله إلى الحرب الواسعة.
• ضربة إسرائيلية كبيرة داخل إيران.
• مقتل عدد كبير من الجنود الأمريكيين.
وفي هذه الحالة قد تفتح جبهات إيران ولبنان واليمن والعراق وسوريا وغزة في وقت واحد.
النتائج والتوصيات
يتطلب المشهد الحالي مراجعة سياسية وميدانية عاجلة تقوم على ما يأتي:
1. عدم بناء مستقبل غزة على احتمال اندلاع حرب أمريكية–إيرانية.
2. الاستعداد لاحتمال توصل واشنطن وطهران إلى اتفاق لا يشمل غزة.
3. إعطاء الأولوية لحماية الشعب والأرض والكوادر المتبقية.
4. وقف المماطلة السياسية التي تمنح الاحتلال مزيدًا من الوقت.
5. تشديد الانضباط الأمني والميداني خلال الحرب والتهدئة معًا.
6. الحد من الحركة المكشوفة والتجمعات غير الضرورية.
7. مراجعة استخدام الجيبات والمركبات والدراجات اللافتة.
8. معالجة المظاهر الاجتماعية التي تعمق الفجوة بين المسؤولين والناس.
9. عدم اعتبار الهدوء المؤقت دليلًا على انتهاء المراقبة أو خطر الاغتيال.
10. بناء استراتيجية فلسطينية مستقلة لا تعتمد كليًا على تحركات القوى الإقليمية.
التقدير النهائي
تتجه المنطقة إلى مرحلة إعادة هندسة سياسية وأمنية، لا إلى سلام حقيقي.
تحاول إسرائيل تحويل تفوقها العسكري إلى وقائع دائمة:
• مناطق أمنية في غزة.
• حزام عسكري في جنوب لبنان.
• نفوذ أمني في جنوب سوريا.
• ضغوط لنزع سلاح حماس وحزب الله.
• إضعاف إيران والحوثيين.
وفي غزة، لا يكمن الخطر فقط في احتمال عودة الحرب الشاملة، بل في استمرار الاحتلال بسياسة الاستنزاف البطيء، والاغتيالات المتتابعة، وتوسيع السيطرة، وتقسيم القطاع.
وإذا استمرت المراهنة على حرب أمريكية–إيرانية، بالتزامن مع الأخطاء الميدانية والأمان الكاذب، فقد ينجح الاحتلال في تصفية الكوادر والقدرات تدريجيًا، من دون أن يدفع ثمنًا كبيرًا.
وعليه، فإن حماية غزة تتطلب الجمع بين:
• صحة التقدير السياسي.
• شجاعة المراجعة.
• واقعية القرار.
• الانضباط الميداني.
• التواضع في السلوك.
• المحافظة على الأرواح والكوادر.
• عدم انتظار معجزة إقليمية مجهولة.
فالسياسة لا تُبنى على الأمنيات، والهدوء لا يعني الأمان، والمفاوضات لا توقف المراقبة، والاحتلال سيستفيد من كل خطأ سياسي أو ميداني يقدَّم له.
إننا بين مراهنة سياسية خطرة من الأعلى، وتراخٍ ميداني مؤلم في الأسفل، بينما يواصل الاحتلال استنزاف غزة بأقل تكلفة. ولا بد من المراجعة قبل خسارة المزيد من الدماء والأرض والقدرات.
Post Views: 4
أقرأ التالي
يوليو 6, 2026
النظام الدولي يتجه نحو مرحلة تتسم بارتفاع مستوى التنافس بين القوى الكبرى مع استمرار إدارة الأزمات
يوليو 1, 2026
العالم يتجه الى عالم مضطرب متعدد الاقطاب
يونيو 22, 2026
هل بدأ التغيير داخل القاعدة الجمهورية الأميركية تجاه إسرائيل؟
يونيو 17, 2026
تقدير موقف سياسي: الشرق الأوسط .. تهدئة مؤقتة لا تسوية نهائية
يونيو 8, 2026
هل انتهت الحرب؟
يونيو 6, 2026
دراسة عبرية: تراجع صورة إسرائيل بات تهديداً للأمن القومي
مايو 24, 2026
تقدير موقف | الانفجار قادم
مايو 11, 2026
إحاطة سياسية بأحدث مستجدات المنطقة الولايات المتحدة – إسرائيل – إيران – تركيا – غزة – الخليج – مصر
مايو 7, 2026
ورقة تقدير موقف.. الشرق الأوسط بين الردع الهش وإعادة تشكيل الإقليم
مايو 5, 2026
غزة في قلب العاصفة المشهد الإقليمي والدولي وإعادة تشكيل الصراع (2026–2030)
زر الذهاب إلى الأعلى