عملية "طوفان الأقصى": انهيار الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه غزة
م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر
باحث وكاتب فلسطيني
مدير ومؤسس المركز العربي للبحوث والدراسات
حتى مساء 28 آب/أغسطس 2026، أرى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة: لم يعد السؤال فقط من يربح عسكريًا، بل من يستطيع تحويل القوة العسكرية إلى ترتيب سياسي قابل للحياة. وهذا واضح في ملفات إيران وحزب الله وحماس، وكذلك في التحالفات الفلسطينية الجديدة قبل الانتخابات.
1. إيران–أمريكا–إسرائيل: الحرب لم تُحسم
بعد نحو ستة أشهر من الحرب، لم تحقق واشنطن وتل أبيب هدفًا حاسمًا بإخضاع إيران. تلقت إيران ضربات عسكرية واقتصادية كبيرة، لكنها احتفظت بقدرات صاروخية ومسيّرة وبورقة شديدة الأهمية هي مضيق هرمز. في المقابل، انتقلت إدارة ترامب خلال الأيام الأخيرة بصورة أوضح إلى الحرب الاقتصادية والعقوبات، وقال ترامب في 27 أغسطس إن واشنطن لا تجري حاليًا مفاوضات مع طهران. إيران بدورها تربط فتح الملاحة الطبيعية في هرمز برفع الحصار والعقوبات وإنهاء الحرب، مع وساطات قطرية وعُمانية. (Reuters)
لذلك لا أرى استسلامًا إيرانيًا قريبًا، ولا أرى أيضًا رغبة أمريكية في حرب برية أو مواجهة مفتوحة بلا نهاية. الأقرب خلال الأسابيع المقبلة هو ضغط اقتصادي أمريكي شديد + تهديد عسكري + تفاوض غير مباشر عبر الوسطاء. وقد تحولت هرمز إلى إحدى أقوى أوراق التفاوض الإيرانية. (AP News)
2. حزب الله: أُضعف كثيرًا، لكنه لم يُنزع سلاحه
هناك اتفاق إطار أميركي رعته واشنطن بين لبنان وإسرائيل يربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من جنوب لبنان بـنزع سلاح الجماعات المسلحة، وفي مقدمتها حزب الله. لكن حزب الله يرفض الصيغة التي تجعل تسليم السلاح سابقًا للانسحاب الإسرائيلي، بينما تصر إسرائيل على أنها لن تنسحب بالكامل قبل التحقق من نزع السلاح. ولهذا تعثرت جولات التفاوض في روما. (Reuters)
كما أن الوضع الميداني لم يستقر؛ ففي 15 أغسطس قتلت غارات إسرائيلية 11 شخصًا في جنوب لبنان، في أخطر اختبار للهدنة منذ يونيو. (AP News)
ومن ثم فإن السيناريو الأقرب ليس حل حزب الله أو تسليم كل سلاحه سريعًا، وإنما تقييد وجوده العسكري تدريجيًا في الجنوب، وانتشار أكبر للجيش اللبناني، وربط أي خطوات إضافية بانسحاب إسرائيلي وضمانات سياسية. أما نزع السلاح الكامل على مستوى لبنان فأراه أصعب بكثير في المدى القريب.
3. حماس وغزة: التحول الأخطر يجري الآن
حماس وافقت على خريطة طريق تقوم على نزع أو تفكيك السلاح بصورة مرحلية بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي، وانتقال الإدارة المدنية إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية. المشكلة أن نتنياهو رفض ترتيب المراحل وقال إن إسرائيل لن تنسحب قبل نزع سلاح حماس كاملًا. وهنا تكمن العقدة الأساسية: حماس تقول «انسحاب مقابل خطوات متزامنة»، وإسرائيل تقول «السلاح أولًا ثم نتحدث عن الانسحاب». (Reuters)
بل إن المسؤول الدولي المشرف على خطة غزة، نيكولاي ملادينوف، انتقد استمرار الضربات الإسرائيلية وقال إنها تهدد تنفيذ الاتفاق. وما زالت الضربات تقع في غزة حتى اليوم. (AP News)
وهذا مهم جدًا لفهم سلوك حماس السياسي: الحركة تحاول الانتقال من وضع «حركة تحكم غزة وتحمل عبء الإدارة والحرب» إلى وضع «قوة سياسية فلسطينية كبيرة تشارك في النظام السياسي وتحتفظ بنفوذها الشعبي».
4. التحالف الفلسطيني الجديد ضد هيمنة فتح
الانتخابات التشريعية محددة رسميًا في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وباب الترشح سيأتي خلال الأسابيع المقبلة. اللجنة المركزية للانتخابات تؤكد أنها ماضية في الجدول الزمني. (elections.ps)
والحدث الأهم هو أن حماس أعلنت قرارها بالمشاركة، وتجري مشاورات لتكوين أوسع كتلة وطنية ممكنة. الاتصالات شملت تيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة محمد دحلان، والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية، والمبادرة الوطنية، إضافة إلى شخصيات مستقلة وقوى أخرى. وحتى الآن لا توجد قائمة نهائية معلنة، ولكن الاتصالات حقيقية ومتقدمة. (الجزيرة نت)
الأكثر أهمية أن لقاءً جرى بين خليل الحية ومحمد دحلان، ثم تحركت قيادة فتح نفسها وبدأت محادثات مصالحة مع تيار دحلان في العلمين. وهذا يعني أن فتح أدركت أن دخول دحلان مع حماس وقوى أخرى في قائمة موحدة قد يكون أخطر تهديد انتخابي لها منذ 2006. (The National)
لكنني لا أسميها حتى الآن «جبهة ضد فتح» بالمعنى النهائي؛ فالتيار الإصلاحي يقول علنًا إنها ليست موجهة ضد فتح، وحماس تتحدث عن «كتلة وطنية واسعة». عمليًا، مع ذلك، إذا اجتمعت هذه القوى في قائمة واحدة فستصبح المنافس الرئيسي لقائمة فتح التي يقودها معسكر محمود عباس.
5. هل يستطيع محمد دحلان أن يرأس هذه القائمة؟
هنا يجب التفريق بين القيادة السياسية للتحالف وأن يكون دحلان المرشح رقم واحد رسميًا في القائمة.
سياسيًا، نعم؛ دحلان يستطيع أن يصبح أحد أهم مهندسي التحالف وربما «صانع التوازن» فيه. لديه تنظيم داخل غزة، وصلات إقليمية قوية، وعلاقات مع مصر والإمارات وأطراف أمريكية، وفي استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أغسطس جاء دحلان عند 15% عند سؤال الفلسطينيين عن الشخصية المفضلة لخلافة عباس، مقابل 39% لمروان البرغوثي و16% لخليل الحية. (pcpsr.org)
أما قانونيًا فالأمر أصعب. قانون الانتخابات الحالي يشترط في مرشح المجلس التشريعي ألا يكون محكومًا في جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة، وأن يكون مقيمًا إقامة دائمة في الأراضي الفلسطينية. كما أن تعديل أغسطس 2026 يشترط إرفاق شهادة عدم محكومية بطلبات الترشح.
ودحلان صدر بحقه حكم غيابي فلسطيني عام 2016 بالسجن ثلاث سنوات في قضية فساد، وهو يقيم منذ سنوات خارج الأراضي الفلسطينية. وبالتالي، ما لم تحصل تسوية قانونية وسياسية تعالج الحكم السابق ووضع الإقامة، فإن ترشحه الشخصي في رأس القائمة سيكون معرضًا للرفض والطعن. الحكم السابق نفسه كان محل خلاف سياسي وقانوني حاد، لكن وجوده لا يمكن تجاهله انتخابيًا. (الجزيرة نت)
ولهذا أعتقد أن الصيغة الأذكى للتحالف – إن اكتمل – قد تكون أن يكون دحلان شريكًا وقائدًا سياسيًا وصانعًا للتحالف من الخلف، بينما يتصدر القائمة شخص توافقي أقل إثارة للاعتراض القانوني والدولي.
6. هناك مشكلة أخرى أمام قائمة حماس–دحلان–الفصائل
التعديل الأخير لقانون الانتخابات أبقى شرطًا مهمًا: على كل مرشح أن يقر بالالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وبرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. كما أعيد عدد مقاعد المجلس إلى 132 مقعدًا، وخفضت نسبة الحسم إلى 1%، وفرض تمثيل نسائي لا يقل عن الثلث تقريبًا. (elections.ps)
هذا الشرط يمكن أن يصبح نقطة خلاف حساسة، خصوصًا بالنسبة إلى حماس والجهاد الإسلامي وبعض قوى المقاومة. وبالتالي فإن السؤال ليس فقط: «من سيكون رقم واحد؟» بل ما البرنامج السياسي الذي سيوقع عليه جميع المرشحين؟
7. ماذا يقول الشارع الفلسطيني الآن؟
هذه نقطة شديدة الأهمية. أحدث استطلاع موثوق أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية بين 5 و8 أغسطس أظهر أن فتح وحماس متقاربتان في الانتماء الحزبي عند نحو 24% لكل منهما، وأن 44% تقريبًا يقولون إن لا فتح ولا حماس تستحق قيادة الشعب الفلسطيني. كما يريد 79% استقالة محمود عباس. (pcpsr.org)
وهذا يعني أن القائمة التي تستطيع أن تقول للناس إنها ليست نسخة من فتح ولا نسخة مغلقة من حماس، وإنما ائتلاف إصلاح وطني واسع، يمكن أن تحصل على كتلة كبيرة جدًا من المترددين والمستقلين.
8. مستقبل المقاومة المسلحة
أبرز رقمين في الاستطلاع الأخير يفسران مستقبل المقاومة أكثر من أي خطاب سياسي: انخفضت نسبة الذين يعتبرون الكفاح المسلح الوسيلة الأكثر فاعلية من نحو 41% إلى 27%، بينما ارتفعت نسبة من يفضلون المفاوضات إلى 44%. لكن في الوقت نفسه يرفض 72% من الفلسطينيين نزع سلاح حماس قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة. (pcpsr.org)
وهذا ليس تناقضًا. الرسالة الشعبية، كما أقرأها، هي: الناس مرهقون من الحرب المفتوحة وكلفتها الهائلة، لكنهم في الوقت نفسه لا يريدون تسليم السلاح مجانًا قبل إنهاء الاحتلال والانسحاب وضمان عدم عودة الحرب.
لذلك أعتقد أن المقاومة المسلحة لن تختفي، لكنها ستتغير. في غزة قد نشهد محاولة للانتقال من جيش مقاومة ظاهر وكتائب كبيرة إلى ترتيبات أكثر ضبطًا للسلاح وربطه باتفاق سياسي وانسحاب وإعمار. وفي الضفة ستبقى مجموعات مسلحة متفرقة ما دام الاحتلال والاستيطان والاقتحامات مستمرة؛ والغارة الإسرائيلية التي قتلت ثلاثة فلسطينيين في جنين اليوم تؤكد أن البنية المسلحة في شمال الضفة لم تنته. (Reuters)
تقديري حتى نهاية 2026
الملف الاتجاه الأرجح
إيران–أمريكا استمرار الضغط والعقوبات مع تفاوض غير مباشر، وليس استسلام إيران
إيران–إسرائيل ردع متبادل وضربات محدودة محتملة أكثر من حرب برية شاملة
حزب الله احتفاظ بالسلاح مع محاولة تقييده جنوبًا، وليس نزعًا كاملًا سريعًا
حماس انتقال أكبر نحو العمل السياسي والانتخابي مع صراع على شروط السلاح
فتح/عباس ضغط داخلي كبير ومحاولة استعادة دحلان أو تحييده قبل الانتخابات
تحالف المعارضة احتمال جدي لتشكله، لكن الخلاف على البرنامج ورئاسة القائمة قد يعطله
دحلان قوي كصانع تحالف، وأضعف قانونيًا كمرشح أول ما لم تُسوَّ أوضاعه
المقاومة انخفاض التأييد للحرب المفتوحة، مع استمرار رفض نزع السلاح بلا انسحاب وضمانات
الخلاصة الأهم عندي: إذا استطاعت حماس وتيار دحلان والجبهة الشعبية والمبادرة وقوى أخرى أن تتجاوز خلافاتها وأن تقدم قائمة وطنية إصلاحية وليست قائمة محاصصة فصائلية، فقد تكون الانتخابات المقبلة بداية تغيير حقيقي في النظام السياسي الفلسطيني. أما إذا تحولت المسألة إلى توزيع مقاعد بين التنظيمات، فإن فتح تستطيع الاستفادة من تناقضاتهم واستعادة جزء من المبادرة. وأرى أن دحلان يمكن أن يكون مفتاح التحالف أكثر من كونه بالضرورة رئيسه الرسمي؛ بينما ستكون المعركة الكبرى على من يستطيع جمع ثلاثة تيارات معًا: جمهور المقاومة، وجمهور فتح المعارض لعباس، والمستقلين الباحثين عن تغيير النظام السياسي. وهذا – أكثر من اسم رئيس القائمة وحده – هو الذي قد يحدد نتيجة الانتخابات.
تقدير موقف سياسي
فلسطين والإقليم أمام مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى
التاريخ: 28 أغسطس/آب 2026
أولًا: الخلاصة التنفيذية
تمر المنطقة بمرحلة انتقالية شديدة الحساسية. الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران لم تنجح حتى الآن في إنتاج حسم استراتيجي، رغم الخسائر الإيرانية الكبيرة، فيما بقيت طهران قادرة على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وورقة مضيق هرمز. وتصف تقارير حديثة الصراع بعد ستة أشهر بأنه أقرب إلى حرب استنزاف ومأزق طويل منه إلى نصر حاسم لأي طرف.
في الوقت ذاته، تتزايد الضغوط على حزب الله وحماس لنقل ثقلهما من العمل العسكري المباشر إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة. لكن ذلك لا يعني انتهاء ظاهرة المقاومة المسلحة، بل يرجح انتقالها من نموذج السلطة التي تمتلك السلاح وتحكم الأرض إلى نموذج أكثر تعقيدًا يفصل بدرجات مختلفة بين العمل السياسي والسلاح.
أما فلسطينيًا، فإن الانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 قد تكون أهم انتخابات فلسطينية منذ عام 2006؛ لأنها تجري في ظل تراجع احتكار فتح وحماس للمشهد وظهور إمكانية بناء تحالف انتخابي واسع يضم حماس وتيار محمد دحلان وفصائل وشخصيات مستقلة. وقد أكدت لجنة الانتخابات أن مرحلة الترشح ستبدأ في 26 سبتمبر وتنتهي في 7 أكتوبر.
تقديري المركزي: إذا أجريت الانتخابات بصورة فعلية ولم تُعطّل، فإن النظام السياسي الفلسطيني مرشح للدخول في مرحلة التعددية الائتلافية بدل الثنائية التقليدية بين فتح وحماس.
ثانيًا: إيران وأمريكا وإسرائيل
بعد ستة أشهر من الحرب، لم تستطع الولايات المتحدة وإسرائيل فرض استسلام إيراني أو إسقاط النظام، بينما تعرضت إيران لضربات عسكرية واقتصادية مؤلمة. وتقول رويترز إن إيران لا تزال تحتفظ بقدرات صاروخية ومسيّرات، وإن الحرب أصبحت طويلة ومكلفة، مع تأثيرات داخل الولايات المتحدة وعلى الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، تحاول قطر وعُمان وباكستان إعادة فتح الباب أمام تسوية سياسية، خصوصًا حول مضيق هرمز، والعقوبات، والبرنامج النووي. لكن المواقف الأمريكية والإيرانية ما زالت متباعدة.
التقدير
السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس حربًا شاملة جديدة ولا سلامًا شاملًا، وإنما:
ردع متبادل + ضربات محدودة + تفاوض متقطع.
إيران خرجت أضعف عسكريًا واقتصاديًا، لكنها لم تخرج من معادلة الإقليم. بل إن فشل إسقاطها يجعل الدول العربية أكثر ميلًا إلى تنويع تحالفاتها وعدم الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية.
وهنا تكمن أهمية تركيا وباكستان والسعودية وقطر: قد يتشكل تدريجيًا وسط إقليمي جديد لا يريد الهيمنة الإيرانية، ولكنه لا يريد كذلك حربًا إسرائيلية–أمريكية مفتوحة في المنطقة.
ثالثًا: حزب الله ولبنان
حزب الله يواجه أصعب مرحلة في تاريخه الحديث.
فالضغط عليه يأتي من ثلاث اتجاهات:
1. إسرائيل عسكريًا.
2. الولايات المتحدة ودول أخرى سياسيًا.
3. الدولة اللبنانية داخليًا لإعادة احتكار السلاح والقرار الأمني.
لكن إسرائيل لا تزال تنفذ عمليات وضربات في لبنان، وهو ما يُضعف حجة نزع سلاح الحزب فورًا؛ لأن جزءًا من قاعدته الشعبية يرى أن الدولة اللبنانية غير قادرة وحدها على حماية الجنوب.
التقدير
الأرجح أن حزب الله سيقبل إعادة تنظيم دوره العسكري أكثر مما سيقبل نزع سلاح كامل وفوري.
وقد تظهر صيغة تقوم على:
• تقليل الوجود العسكري العلني.
• تسليم بعض المناطق للجيش اللبناني.
• تقليص ترسانة أو قدرات محددة.
• الاحتفاظ بقدرات ردع غير معلنة خلال مرحلة انتقالية.
ولذلك فإن مستقبل حزب الله سيكون أقرب إلى قوة سياسية–اجتماعية ذات قدرة عسكرية مقيدة، وليس اختفاء الحزب أو تحوله إلى حزب مدني خالص في المدى القريب.
رابعًا: غزة وحماس
هذه هي العقدة الأكثر حساسية.
حماس وافقت خلال الأشهر الأخيرة على ترتيبات تتضمن انتقالًا تدريجيًا في ملف السلاح ضمن خطة أوسع ترتبط بالانسحاب الإسرائيلي، والإعمار، والإدارة المدنية الفلسطينية والقوة الدولية. لكن إسرائيل تصر على أن نزع السلاح يجب أن يسبق الانسحاب والإعمار، وهو ما أبقى الاتفاق في مأزق تنفيذي.
والغارات الإسرائيلية ما زالت مستمرة رغم وقف إطلاق النار، مما يعمق الشك الفلسطيني في إمكانية تنفيذ معادلة «السلاح مقابل الانسحاب والإعمار».
تقديري
• حماس تتجه إلى أكبر تحول استراتيجي منذ تأسيسها.
المعادلة القديمة كانت:
• مقاومة + حكم غزة + قوة عسكرية مستقلة.
أما المعادلة التي تتشكل فقد تصبح:
• مقاومة سياسية وشعبية + مشاركة انتخابية + نفوذ داخل النظام.
• . الفلسطيني + ملف عسكري مضبوط أو مخزّن وفق ترتيبات وطنية.
وهذا التحول، إن اكتمل، لا يعني انتهاء حماس؛ بالعكس، قد يمنحها فرصة للخروج من حصار غزة إلى التأثير في النظام الفلسطيني كله.
خامسًا: الانتخابات الفلسطينية
الرئيس محمود عباس حدد 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 للانتخابات التشريعية، على أن تجرى الانتخابات الرئاسية لاحقًا في الربع الأول من 2027.
والأهم أن حماس لم تتجه إلى المقاطعة؛ بل أكد مسؤول العلاقات الوطنية حسام بدران أن الحركة حسمت قرار المشاركة وتتحرك لبناء أوسع تكتل ممكن، مع اتصالات بالجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والمبادرة الوطنية وتيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة محمد دحلان وشخصيات مستقلة.
هذا تطور استراتيجي.
لأن حماس لا تبحث، وفق هذا المسار، عن إعادة تجربة قائمة «التغيير والإصلاح» لعام 2006، بل عن شيء مختلف:
• كتلة وطنية عريضة تتجاوز حماس تنظيميًا.
سادسًا: هل يمكن قيام قائمة حماس–دحلان–الفصائل؟
نعم، الاحتمال قائم وبجدية، لكن قيام قائمة واحدة نهائية ليس محسومًا حتى الآن.
هناك بالفعل اتصالات بين حماس وتيار دحلان، لكن في المقابل جرى في مصر أيضًا حوار بين وفد فتح برئاسة حسين الشيخ وتيار دحلان حول توحيد البيت الفتحاوي.
وهذا يجعل محمد دحلان في موقع سياسي بالغ الأهمية.
أمامه عمليًا ثلاث خيارات:
• الخيار الأول: المصالحة مع فتح.
وعندها يعود تياره إلى الجسم الفتحاوي ويشارك في قائمة فتح موحدة.
• الخيار الثاني: قيادة تحالف مستقل.
يضم تياره وشخصيات مستقلة وبعض القوى المعارضة.
• الخيار الثالث، وهو الأكثر تأثيرًا انتخابيًا:
المشاركة في بناء ائتلاف وطني واسع تدعمه حماس والجبهة الشعبية والمبادرة وشخصيات فتحاوية مستقلة وقوى أخرى.
سابعًا: هل يستطيع محمد دحلان أن يرأس هذه القائمة؟
هنا يجب التفريق بين أمرين:
أن يكون الزعيم السياسي للتحالف
هذا ممكن جدًا.
دحلان يمتلك شبكة علاقات عربية ودولية، ونفوذًا داخل غزة وقطاعات من فتح، وعلاقات عمل وتفاهم مع حماس.
أن يكون المرشح الأول رسميًا على القائمة
هذا أكثر تعقيدًا.
فالترشح يخضع لشروط قانونية وانتخابية، كما أن وضع دحلان القانوني والسياسي وعلاقته الرسمية بفتح يمكن أن يثير نزاعات واعتراضات أمام لجنة الانتخابات والمحاكم.
ولذلك أرى أن الخيار الأكثر ذكاءً بالنسبة له ليس بالضرورة أن يضع اسمه رقم واحد.
قد يكون أكثر تأثيرًا إذا كان:
صانع التحالف وضامنه وليس رأس القائمة.
ومن الممكن اختيار شخصية وطنية توافقية لرئاسة القائمة، بينما يقف خلفها تحالف حماس–تيار دحلان–مستقلين–فصائل.
وهذه الصيغة ستكون أصعب على إسرائيل والولايات المتحدة مهاجمتها بوصفها «قائمة حماس».
ثامنًا: العامل الأخطر بالنسبة لأبو مازن وقيادة فتح
الخطر الحقيقي على فتح ليس حماس وحدها.
بل اجتماع أربعة عناصر:
• حماس + دحلان + جزء من الفصائل + شخصيات مستقلة ذات وزن اجتماعي.
إذا اجتمعت هذه القوى في قائمة واحدة، بينما دخلت فتح الانتخابات منقسمة أو ضعيفة، فقد يتكرر جزئيًا منطق انتخابات 2006 ولكن بصورة أوسع.
ولهذا فإن اللقاءات الحالية بين قيادة فتح وتيار دحلان ليست تفصيلًا.
إنها محاولة لمنع خروج الكتلة الدحلانية من البيت الفتحاوي والتحول إلى قوة ترجح كفة المعارضة.
تاسعًا: ماذا لو حصل تحالف حماس على كتلة كبيرة؟
لا يحتاج هذا التحالف إلى الحصول على 51% من الأصوات لكي يحدث انقلابًا سياسيًا.
إذا حصل مثلًا على كتلة برلمانية كبيرة تمنع فتح من الأغلبية، فسيتحول تشكيل الحكومة إلى عملية ائتلافية.
وعندها سيظهر لأول مرة احتمال:
حكومة فلسطينية ائتلافية حقيقية لا تسيطر عليها فتح منفردة ولا حماس منفردة.
وهذا يمكن أن يفتح الباب أمام:
• إعادة بناء منظمة التحرير.
• تغيير تركيبة السلطة الفلسطينية.
• حكومة وحدة وطنية أو حكومة كفاءات.
• إعادة ترتيب الأجهزة والمؤسسات.
• توافق جديد حول المقاومة والمفاوضات.
• انتقال سياسي في مرحلة ما بعد محمود عباس.
وهنا تصبح الانتخابات التشريعية مقدمة لمعركة أكبر بكثير: انتخابات الرئاسة ومن يخلف محمود عباس.
عاشرًا: أين مروان البرغوثي؟
مروان البرغوثي هو المتغير الذي يستطيع قلب معظم الحسابات.
إذا خرج من الأسر أو تمكن سياسيًا من خوض الانتخابات الرئاسية، فإنه قادر على جذب قطاع كبير من فتح والمستقلين وحتى ناخبين قريبين من حماس.
وبالتالي فإن التحالف الأقوى نظريًا في الساحة الفلسطينية ليس بالضرورة «حماس–دحلان»، وإنما يمكن أن يكون:
• تيار وطني إصلاحي واسع + حماس + شخصيات فتحاوية + فصائل + مستقلون، مع شخصية توافقية للرئاسة.
وهذا قد يعيد تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بالكامل.
الحادي عشر: مستقبل المقاومة المسلحة
لا أتوقع اختفاء المقاومة المسلحة.
لكنني أتوقع تغير وظيفتها وشكلها.
بعد الدمار الهائل في غزة، ستزداد صعوبة نموذج:
حركة مسلحة تحكم منطقة جغرافية وتبني جيشًا شبه نظامي داخلها.
وقد يتحول النموذج تدريجيًا إلى:
• مقاومة منخفضة الظهور + مقاومة شعبية + مقاومة سياسية وقانونية ودبلوماسية + قوة عسكرية احتياطية مرتبطة بتوافق وطني.
أما في الضفة الغربية، فاحتمال استمرار المقاومة المسلحة يبقى مرتفعًا إذا استمرت الاقتحامات والاستيطان والقتل؛ فقد شهدت جنين اليوم، 28 أغسطس، غارة جوية إسرائيلية قتلت ثلاثة فلسطينيين، في مؤشر إلى استمرار التوتر المسلح في شمال الضفة.
إذن مركز المقاومة قد ينتقل جزئيًا:
من غزة وحدها → إلى ساحة فلسطينية أوسع متعددة الأدوات.
الثاني عشر: السيناريوهات حتى مطلع 2027
السيناريو الأول – الأرجح: 45%
تجرى الانتخابات بعد صعوبات وتأخير محدود أو في موعد قريب منه، وتتشكل ثلاث كتل كبيرة:
فتح – تحالف تقوده/تدعمه حماس – قوائم مستقلة وإصلاحية.
لا يحقق أحد الأغلبية، فتبدأ مرحلة الائتلافات.
السيناريو الثاني: 30%
تنجح المصالحة بين فتح وتيار دحلان جزئيًا، فتدخل فتح الانتخابات أكثر تماسكًا، بينما تشكل حماس تحالفًا مع فصائل ومستقلين.
وتصبح المعركة ثنائية كبيرة من جديد، ولكن بتحالفات أوسع.
السيناريو الثالث: 25%
تتعطل الانتخابات نتيجة القدس، أو غزة أو إسرائيل أو الخلافات الداخلية، ويعود النظام الفلسطيني إلى أزمة الشرعية.
وهذا السيناريو سيكون الأخطر، لأنه قد يؤدي إلى تصاعد المعارضة الشعبية والمسلحة بدل استيعابها داخل النظام السياسي.
الخلاصة الاستراتيجية
التحول الأخطر الذي يجري اليوم ليس عسكريًا فقط.
إنه انتقال مركز الصراع الفلسطيني من:
من يحكم غزة؟
إلى:
من يمثل الشعب الفلسطيني في المرحلة القادمة؟
وحماس تبدو وكأنها تحاول الانتقال من استراتيجية السيطرة على غزة إلى استراتيجية الشراكة في قيادة النظام الفلسطيني.
ودحلان يدرك أن اللحظة الحالية قد تكون فرصته الأخيرة للعودة إلى قلب المعادلة الفلسطينية، ولهذا سيحاول إبقاء الباب مفتوحًا مع حماس ومع فتح في الوقت نفسه.
أما محمود عباس وقيادة فتح، فإن التحدي الأكبر أمامهما ليس فوز حماس منفردة، وإنما ظهور كتلة وطنية واسعة عابرة للفصائل تستطيع أخذ جزء من أصوات فتح، وأصوات حماس، والمستقلين والناخبين الساخطين في وقت واحد.
التقدير النهائي
أعتقد أن الأشهر الثلاثة المقبلة ستشهد محاولة تشكيل أكبر إعادة اصطفاف سياسي فلسطيني منذ عام 2006.
والمفتاح ليس في اسم رئيس القائمة بقدر ما هو في البرنامج.
إذا اتفقت حماس وتيار دحلان والجبهة الشعبية وقوى وشخصيات مستقلة على برنامج يقوم على:
إنهاء الانقسام – إعادة بناء منظمة التحرير – حكومة شراكة – حماية الحقوق الوطنية – إدارة ملف السلاح ضمن استراتيجية وطنية – إعادة إعمار غزة – انتخابات رئاسية – تداول السلطة
فإن هذه الكتلة تستطيع أن تصبح منافسًا حقيقيًا لفتح، وربما القوة الأكثر تأثيرًا في تشكيل النظام الفلسطيني القادم. أما إذا تحولت إلى مجرد تحالف ضد أبو مازن، فستظهر تناقضاتها سريعًا وقد تتفكك قبل الانتخابات أو بعدها.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست: من يرأس القائمة؟
بل:هل تستطيع القوى الفلسطينية المعارضة الانتقال من تقاطع المصالح إلى مشروع وطني مشترك قابل للحكم؟
هذا هو السؤال الذي سيحدد شكل القيادة الفلسطينية بعد 2026.