م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر
باحث وكاتب فلسطيني
مدير ومؤسس المركز العربي للبحوث والدراسات
أما آن لشعب غزة أن يلتقط أنفاسه؟ أما آن لهذا الشعب الأسطوري العجيب، الذي صمد وصبر أمام واحدة من أعتى الآلات العسكرية الصهيونية المدعومة غربيًا، أن ينال لحظة من الأمن والهدوء بعد كل ما تعرض له من قتل وتجويع وتهجير وتدمير؟
لقد عاش أهل غزة حربًا غير مسبوقة، استُهدفت فيها البيوت والمستشفيات والمدارس والجامعات ودور العبادة، وقُتل الأطفال والنساء والشيوخ، وأُحرِق الأخضر واليابس، وأُلقيت على القطاع كميات هائلة من المتفجرات تعادل، وفق بعض التقديرات، القوة التدميرية لعدد من القنابل الذرية. ولم يعد خافيًا على العالم حجم الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، حتى أصبح عدد من قادة الاحتلال مطلوبين للمساءلة أمام مؤسسات العدالة الدولية.
لقد آن لهذا الإجرام أن يتوقف، وآن أن تُسحب من الاحتلال الذرائع التي يستخدمها لمواصلة قتل المدنيين وتدمير ما تبقى من قطاع غزة. ومن هنا تدرك قيادة حركة حماس أنها لا تتعامل مع خصم عادي يحترم القوانين والعهود، بل مع احتلال أثبت مرارًا أنه يستهدف المدنيين والأطفال، وينقض الاتفاقات، ويتخذ من كل حادثة ذريعة لتوسيع عدوانه وتحقيق أهدافه السياسية والعسكرية.
ولهذا فإن الموقف من ورقة «مجلس السلام» يجب ألا يُقرأ من زاوية القبول أو الرفض المجردين، وإنما من زاوية الموازنة الدقيقة بين المحافظة على الحقوق والثوابت الوطنية، وبين وقف نزيف الدم وحماية الشعب ومنحه فرصة لالتقاط أنفاسه وإعادة بناء حياته.
لقد قدم شعب غزة كل ما يمكن لشعب أن يقدمه من تضحيات، وصبر على الحصار والجوع والنزوح وفقدان الأبناء والمنازل، ولم يعد من المقبول أن تبقى غزة ساحة حرب مفتوحة بلا أفق أو نهاية. إن إيواء النازحين، وعلاج الجرحى، وإدخال الغذاء والدواء، وفتح المعابر، وإعادة تشغيل المستشفيات والمدارس، وبدء إعادة الإعمار، تمثل اليوم أولوية وطنية وإنسانية لا تقل أهمية عن أي هدف سياسي أو عسكري.
إن المقاومة وُجدت لحماية الشعب والدفاع عنه، ولم يوجد الشعب ليكون وقودًا دائمًا للحرب. فالشعب هو الحاضنة والغاية، والمحافظة على وجوده وصموده وقدرته على البقاء فوق أرضه يجب أن تتقدم جميع الحسابات والمصالح.
ومع ذلك، فإن السعي إلى وقف العدوان لا يعني القبول بالاستسلام، كما أن المرونة السياسية لا تعني التفريط بالحقوق. ومن هنا تضع حماس مجموعة من الخطوط الحمراء التي ينبغي ألا تتحول ورقة «مجلس السلام» إلى وسيلة لتجاوزها أو تصفيتها.
في مقدمة هذه الخطوط رفض تحويل ملف السلاح إلى عملية إذلال للمقاومة أو تقديمه بوصفه استسلامًا للاحتلال. فهناك فرق جوهري بين تسليم السلاح للاحتلال أو لقوة أجنبية، وبين التوصل إلى ترتيبات فلسطينية ووطنية مؤقتة لضبط استخدامه أو تخزينه خلال مرحلة انتقالية مرتبطة بوقف الحرب والانسحاب وإعادة الإعمار.
ولا يجوز مطالبة المقاومة بتنفيذ التزاماتها مقدمًا، بينما يبقى الاحتلال داخل قطاع غزة، ويواصل الغارات والاغتيالات والتوغلات. وأي ترتيبات متعلقة بالسلاح يجب أن تكون متزامنة مع انسحاب إسرائيلي واضح وكامل ومحدد زمنيًا، وبضمانات تحول دون عودة الاحتلال إلى القطاع أو إعادة احتلاله تحت ذرائع جديدة.
كما أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون دائمًا وشاملًا وملزمًا، لا مجرد هدنة مؤقتة يستغلها الاحتلال لإعادة ترتيب قواته ثم استئناف الحرب. فلا معنى لأي اتفاق لا يوقف الغارات والاغتيالات والقصف والتوغلات، ولا يضع آلية واضحة لمراقبة الخروقات ومحاسبة الطرف الذي ينتهك التزاماته.
وترفض حماس أن تتحول أي قوة دولية تدخل قطاع غزة إلى جيش احتلال جديد، أو أن تكون مهمتها ملاحقة المقاومين واقتحام البيوت ومصادرة السلاح وحماية الحدود الإسرائيلية فقط. إن وظيفة أي قوة دولية مقبولة ينبغي أن تقتصر على مراقبة وقف إطلاق النار، والفصل بين الأطراف، وضمان انسحاب الاحتلال، وتأمين دخول المساعدات وبدء إعادة الإعمار.
ولا ترفض حماس من حيث المبدأ تسليم الإدارة المدنية إلى لجنة فلسطينية من الكفاءات والمستقلين، لأن بقاء الحركة في الحكم ليس غاية في ذاته. لكن الخط الأحمر هو أن تتحول هذه اللجنة إلى أداة في يد الاحتلال أو إلى غطاء لوصاية دولية دائمة على غزة. ويجب أن تكون اللجنة فلسطينية الهوية والتكوين، محددة الصلاحيات والمدة، مسؤولة عن الخدمات والإعمار، لا عن ملاحقة المقاومة أو اجتثاث الموظفين والمؤسسات.
كما لا يجوز استخدام الغذاء والدواء والمأوى وإعادة الإعمار أوراقًا للابتزاز السياسي. فإعادة بناء البيوت والمستشفيات والمدارس حق إنساني لأهل غزة، وليست جائزة تقدم لهم مقابل تنازلهم عن حقوقهم أو قبولهم بشروط الاحتلال. ويجب أن تبدأ عملية الإعمار بالتوازي مع وقف العدوان والانسحاب، لا أن تُؤجَّل إلى ما بعد تنفيذ جميع المطالب الإسرائيلية.
ويظل رفض التهجير من أهم الخطوط الحمراء. فلا قبول بأي خطة تدفع أهل غزة إلى مغادرة أرضهم، أو تجمعهم في مناطق مغلقة تحت مسميات إنسانية، أو تحول النزوح المؤقت إلى تهجير دائم. غزة أرض فلسطينية، وأهلها أصحابها، ولا يملك الاحتلال أو أي جهة دولية حق إعادة تشكيلها جغرافيًا أو ديموغرافيًا.
كذلك لا يجوز فصل قضية غزة عن القضية الفلسطينية، أو تحويلها إلى ملف إنساني وإغاثي مجرد. فقضية غزة جزء من قضية شعب يسعى إلى الحرية وتقرير المصير، ويتمسك بالقدس وحق العودة وإقامة دولته المستقلة. وأي تسوية تتجاهل هذه الحقوق لن تحقق سلامًا دائمًا، وإنما ستؤجل الانفجار إلى مرحلة أخرى.
إن الحكمة السياسية في هذه المرحلة تقتضي الجمع بين الثبات والمرونة: الثبات على الحقوق الوطنية، والمرونة في الوسائل والآليات التي تحمي الشعب وتوقف الحرب. فلا تنازل عن الأرض والكرامة والحقوق، وفي الوقت نفسه لا يجوز ترك شعب غزة وحيدًا أمام آلة القتل والتجويع والتدمير.
لقد قدم هذا الشعب ما يكفي من الدماء والتضحيات، وحان الوقت لأن ينال فرصة للحياة، وأن يعود النازحون إلى مناطقهم، وأن تُداوى جراح الأطفال، وأن تعود المدارس والمستشفيات، وأن يبدأ الناس بإعمار ما هدمه الاحتلال.
ومن هنا نقول لأخينا أبي أسامة، د. خليل الحية قائد السفينة: سِرْ على بركة الله، مستعينًا بالله، متوكلًا عليه، واضعًا مصلحة شعبنا وحمايته فوق كل اعتبار. سر بين الثوابت ومتطلبات المرحلة، ولا تجعل مرونة السياسة بابًا للتفريط، ولا تجعل صلابة الموقف سببًا لاستمرار استنزاف الشعب.
نسأل الله أن يسدد خطاك، وأن يلهمك وإخوانك الرشد والصواب، وأن يؤيدكم بنصره، وأن يكتب لشعبنا الصابر ولمقاومتنا فرجًا قريبًا، وأن يوقف نزيف الدم، ويحفظ غزة وأهلها، ويعيد النازحين إلى ديارهم، ويرد كيد المعتدين.
فالمعادلة التي يجب أن تحكم المرحلة واضحة: لا استسلام لإرادة الاحتلال، ولا تنازل عن الحقوق الوطنية، ولا ترك لشعب غزة يواجه القتل والجوع والتشريد بلا نهاية.
وما ذلك على الله بعزيز.
Post Views: 30
أقرأ التالي
أغسطس 1, 2026
مرحلة إعادة تشكيل أمني للشرق الأوسط تحت النار حتى فجر الجمعة 31 يوليو/تموز 2026
يوليو 27, 2026
تقدير موقف إقليمي ومحلي جديد
يوليو 15, 2026
تقدير موقف استراتيجي.. خطاب نيكولاي ملادينوف بشأن مستقبل قطاع غزة
يوليو 13, 2026
تقدير موقف مختصر لأبرز المستجدات الدولية حتى 13 يوليو/تموز 2026:
يوليو 6, 2026
النظام الدولي يتجه نحو مرحلة تتسم بارتفاع مستوى التنافس بين القوى الكبرى مع استمرار إدارة الأزمات
يوليو 1, 2026
العالم يتجه الى عالم مضطرب متعدد الاقطاب
يونيو 22, 2026
هل بدأ التغيير داخل القاعدة الجمهورية الأميركية تجاه إسرائيل؟
يونيو 17, 2026
تقدير موقف سياسي: الشرق الأوسط .. تهدئة مؤقتة لا تسوية نهائية
يونيو 8, 2026
هل انتهت الحرب؟
يونيو 6, 2026
دراسة عبرية: تراجع صورة إسرائيل بات تهديداً للأمن القومي
زر الذهاب إلى الأعلى