م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر
باحث وكاتب فلسطيني
مدير ومؤسس المركز العربي للبحوث والدراسات
تقدير موقف سياسي محدث
اليمن، مضيق هرمز، باب المندب، السعودية، أمريكا، إيران، حماس، إسرائيل وغزة
الخلاصة التنفيذية
المنطقة لم تعد أمام أزمات منفصلة، بل أمام حرب مترابطة على ثلاثة ممرات استراتيجية: مضيق هرمز، باب المندب، وقناة السويس. تعطل هرمز دفع السعودية إلى الاعتماد بصورة أكبر على خط أنابيب الشرق–الغرب وميناء ينبع والبحر الأحمر؛ فجاء التصعيد الحوثي ليستهدف هذا البديل، ثم أدى هجوم المسيّرة على سفينتي غاز في ميناء دمياط المصري إلى رفع المخاوف من انتقال التهديد إلى قناة السويس نفسها. (reuters.com)
المشهد الأقرب ليس سلامًا شاملًا ولا حربًا تقليدية محسومة، بل تصعيد عسكري مضبوط جزئيًا، بالتوازي مع مفاوضات وضغوط سياسية. واشنطن تضرب إيران وحلفاءها، لكنها تبقي قنوات الوساطة مفتوحة؛ وإيران تستخدم الممرات البحرية وحلفاءها لرفع كلفة الحرب؛ والسعودية تنتقل تدريجيًا من الحياد الحذر إلى الدفاع العسكري النشط عن منشآتها وممراتها النفطية. (AP News)
أما غزة، فقد انتقلت المفاوضات من قضية وقف إطلاق النار وحدها إلى مستقبل سلاح حماس، وانسحاب إسرائيل، ومن يحكم القطاع. إعلان الرئيس الأمريكي عن اتفاق لنزع السلاح لا يعني أن الاتفاق أصبح نهائيًا؛ فحماس وصفته بأنه مسودة مشروطة بالانسحاب الإسرائيلي، بينما أبدت إسرائيل اعتراضات على صيغته وطالبت بنزع شامل للسلاح قبل التقدم في المسار السياسي. (reuters.com)
أولًا: اليمن وباب المندب
أعلنت جماعة الحوثي في 20 يوليو فرض حصار بحري على السعودية، ثم استهدفت منشآت نفطية في جيزان وينبع ومواقع مرتبطة بنقل النفط من شرق المملكة إلى البحر الأحمر. وتكتسب ينبع أهمية استثنائية لأنها منفذ رئيسي لتصدير النفط السعودي بعيدًا عن مضيق هرمز. (reuters.com)
الأخطر أن تقييمات سعودية وإقليمية أفادت بأن بعض الهجمات الأخيرة على السعودية نُفذت من الأراضي العراقية، بتنسيق بين الحوثيين وفصائل عراقية وتحت إشراف الحرس الثوري الإيراني. هذا يعني أن اليمن لم يعد الجبهة الوحيدة للضغط على السعودية؛ فالعراق يمكن أن يتحول إلى منصة موازية لإطلاق المسيّرات والصواريخ باتجاه الخليج. إيران والحوثيون والعراق لم يؤكدوا هذه الرواية رسميًا، لذلك تبقى تقييمًا أمنيًا إقليميًا وليست حقيقة متفقًا عليها بين جميع الأطراف. (reuters.com)
السعودية ردت بغارات على مواقع حوثية، وشاركت مع الولايات المتحدة في ضرب مواقع لفصائل موالية لإيران داخل العراق. كما بدأت مشاورات لتأسيس تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر، إلا أن تركيبته ومهمته النهائية لم تُحسما بعد. (reuters.com)
ورغم التهديدات، مرّت 25 سفينة تجارية عبر باب المندب يوم الخميس، بينها ناقلات نفط كبيرة، ما يشير إلى أن المضيق لم يُغلق فعليًا. لكنه يعمل في ظل مخاطر مرتفعة، وتأمين بحري أكثر تكلفة، واحتمال تعرض السفن للاستهداف أو تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح. (reuters.com)
ثانيًا: مضيق هرمز والصراع الأمريكي–الإيراني
حركة الملاحة في هرمز ما زالت شديدة الانخفاض؛ فقد عبرت ناقلتان فقط يوم الخميس، وكلتاهما دخلتا المضيق من دون حمولة، مع احتمال وجود سفن تتحرك وهي تغلق أجهزة التتبع. هذا يؤكد أن هرمز ما زال عمليًا في حالة شبه شلل، رغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية. (reuters.com)
إيران رفضت مقترحًا عُمانيًا لإدارة إقليمية مشتركة للمضيق، وأصرت على أن تكون الإدارة محصورة بين إيران وعُمان وفق مناطق السيطرة البحرية، مع تمسك طهران بالسيطرة على مسار الدخول وجزء من مسار الخروج. هذا الموقف يقلل فرص التوصل سريعًا إلى صيغة تضمن حرية الملاحة بإشراف خليجي أو دولي أوسع. (reuters.com)
عسكريًا، تبادلت إيران والولايات المتحدة ضربات جديدة، واستهدفت واشنطن مواقع للحرس الثوري، بينما اتسعت الهجمات الإيرانية أو المنسوبة إلى حلفائها لتشمل مواقع أمريكية ودولًا عربية ومنشآت نفطية سعودية. لذلك فإن الحديث عن مفاوضات لا يعني وجود هدنة مستقرة، بل مفاوضات تجري تحت النار. (reuters.com)
ثالثًا: السعودية بين الاحتواء والمواجهة
التحول الأساسي في الموقف السعودي هو أن المملكة لم تعد قادرة على الفصل بين حرب إيران وأمنها الداخلي. فتعطل هرمز يضغط على صادراتها الشرقية، واستهداف ينبع وجيزان يهدد البديل الغربي، واضطراب باب المندب وقناة السويس يهدد وصول النفط إلى أوروبا والأسواق العالمية. (reuters.com)
ومع ذلك، لا يبدو أن الرياض ترغب بسهولة في العودة إلى حرب يمنية مفتوحة وطويلة. الأرجح أنها ستبدأ بتوسيع الدفاع الجوي والبحري، وشن ضربات محددة، وتحريك القوات اليمنية المتحالفة معها، والضغط لتشكيل تحالف دولي، قبل اتخاذ قرار بعملية برية واسعة. التقارير عن التحضير لهجوم سعودي كبير ما زالت في نطاق التسريبات والتقديرات، وليست إعلانًا سعوديًا رسميًا نهائيًا. (The Guardian)
رابعًا: غزة وحماس وإسرائيل
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن محادثات القاهرة أفضت إلى اتفاق مرحلي لنزع سلاح حماس والفصائل الأخرى. لكن المعطيات المنشورة تكشف وجود فجوة كبيرة بين الأطراف: مصادر قريبة من حماس تحدثت عن وضع السلاح الثقيل تحت سيطرة إدارة فلسطينية، وليس تسليمه لإسرائيل، كما أكد غازي حمد أن حماس لن تتخذ خطوة في موضوع السلاح قبل انسحاب القوات الإسرائيلية. (reuters.com)
في المقابل، تطالب إسرائيل بإخراج السلاح من غزة وتفكيك البنية العسكرية والأنفاق ومرافق التصنيع، وقد اعترض مسؤول إسرائيلي على الوثيقة ذات البنود الخمسة عشر باعتبارها غير كافية. ولذلك فالإعلان الأمريكي يمثل اختراقًا تفاوضيًا أوليًا، وليس اتفاقًا مكتملًا قابلًا للتنفيذ فورًا. (reuters.com)
الخطة الأمريكية تشمل إدارة فلسطينية مدنية جديدة، وانسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا، وزيادة المساعدات، ونشر قوة دولية للاستقرار. لكن الأسئلة الأساسية لم تُحسم: من يضمن الانسحاب؟ من يستلم السلاح؟ ما مصير السلاح الفردي؟ وهل تبدأ إسرائيل الانسحاب قبل نزع السلاح أم بعده؟ (reuters.com)
ميدانيًا، استمرت الغارات الإسرائيلية، وقُتل ستة فلسطينيين على الأقل، بينهم طفلان، في هجمات يوم الخميس. وهذا يؤكد أن وقف إطلاق النار القائم ما زال هشًا، وأن إسرائيل تستخدم الضغط العسكري بالتوازي مع التفاوض السياسي. (reuters.com)
خامسًا: العلاقة بين جبهة إيران وملف غزة
تقديري أن واشنطن تحاول إغلاق ملف غزة سياسيًا وأمنيًا حتى تتفرغ لمواجهة إيران وضبط الممرات البحرية. لذلك أصبح ملف سلاح حماس جزءًا من هندسة إقليمية أوسع، وليس مجرد بند فلسطيني–إسرائيلي منفصل.
وفي المقابل، تحاول إيران وحلفاؤها إثبات أن الضغط عليها سيؤدي إلى اضطراب هرمز والبحر الأحمر والعراق والسعودية وربما قناة السويس. لكنها تستخدم ورقة غزة سياسيًا وإعلاميًا، بينما تتركز عملياتها العسكرية الحالية بصورة أكبر على حماية نفوذها ورفع كلفة الحرب الأمريكية عليها.
لهذا فإن المراهنة على أن اتساع الحرب بين إيران وأمريكا سيؤدي تلقائيًا إلى انفراج في غزة مراهنة شديدة الخطورة. التطورات الراهنة تشير إلى أن الحرب الإقليمية تُستعمل لزيادة الضغط على حماس للقبول بترتيبات السلاح والحكم، أكثر مما تُستعمل لإجبار إسرائيل فورًا على الانسحاب الكامل.
السيناريوهات المقبلة
السيناريو الأكثر ترجيحًا: استمرار الضربات المتبادلة بصورة محدودة، مع بقاء هرمز شبه معطل وباب المندب مفتوحًا جزئيًا، ومواصلة مفاوضات غزة من دون تنفيذ سريع لمسألة السلاح.
السيناريو الثاني: صفقة إقليمية مؤقتة تشمل ضمانات للملاحة في هرمز، ووقف الهجمات الحوثية على السعودية، وبدء انسحاب إسرائيلي جزئي من غزة مقابل تجميد أو تخزين السلاح الثقيل تحت إشراف فلسطيني ودولي.
السيناريو الأخطر: بدء هجوم سعودي واسع في اليمن، وإغلاق فعلي لباب المندب، واتساع الهجمات إلى قناة السويس والمنشآت النفطية الخليجية، بما يحول المواجهة الأمريكية–الإيرانية إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.
التقدير النهائي
نحن أمام مرحلة إعادة تشكيل أمني للشرق الأوسط تحت النار. الولايات المتحدة تريد حماية الممرات البحرية ونزع سلاح حماس وتقليص النفوذ الإيراني. إيران تريد الاحتفاظ بنفوذها وبقدرتها على تعطيل الطاقة والملاحة. السعودية تريد حماية منشآتها من دون الغرق مجددًا في حرب يمنية طويلة. وإسرائيل تسعى إلى تحويل اتفاق غزة إلى نزع كامل لسلاح المقاومة مع الاحتفاظ بحرية التدخل العسكري.
وعليه، فإن الأسابيع المقبلة ستتحدد بثلاثة اختبارات: هل تقبل إسرائيل الانسحاب المتزامن مع ترتيبات السلاح؟ هل يوقف الحوثيون استهداف السعودية وباب المندب؟ وهل تقبل إيران بضمانات فعلية لفتح هرمز؟ فشل أي واحد من هذه المسارات قد يعيد المنطقة سريعًا إلى دائرة الحرب الواسعة.
Post Views: 27
أقرأ التالي
أغسطس 1, 2026
موافقة حماس على ترتيبات تتعلق بالسلاح الثقيل في قطاع غزة
يوليو 27, 2026
تقدير موقف إقليمي ومحلي جديد
يوليو 15, 2026
تقدير موقف استراتيجي.. خطاب نيكولاي ملادينوف بشأن مستقبل قطاع غزة
يوليو 13, 2026
تقدير موقف مختصر لأبرز المستجدات الدولية حتى 13 يوليو/تموز 2026:
يوليو 6, 2026
النظام الدولي يتجه نحو مرحلة تتسم بارتفاع مستوى التنافس بين القوى الكبرى مع استمرار إدارة الأزمات
يوليو 1, 2026
العالم يتجه الى عالم مضطرب متعدد الاقطاب
يونيو 22, 2026
هل بدأ التغيير داخل القاعدة الجمهورية الأميركية تجاه إسرائيل؟
يونيو 17, 2026
تقدير موقف سياسي: الشرق الأوسط .. تهدئة مؤقتة لا تسوية نهائية
يونيو 8, 2026
هل انتهت الحرب؟
يونيو 6, 2026
دراسة عبرية: تراجع صورة إسرائيل بات تهديداً للأمن القومي
زر الذهاب إلى الأعلى