الملف السياسي

موافقة حماس على ترتيبات تتعلق بالسلاح الثقيل في قطاع غزة

اعداد م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر
باحث وكاتب فلسطيني
مدير ومؤسس المركز العربي للبحوث والدراسات
أولًا: الخلاصة التنفيذية
ما وافقت عليه حركة حماس، بحسب النص المنشور والتصريحات الصادرة عن القيادي في الحركة غازي حمد، ليس تسليمًا فوريًا وغير مشروط للسلاح لإسرائيل، وإنما قبول إطار تدريجي لتعطيل السلاح الثقيل وتخزينه تحت إشراف «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، وربط ذلك بوقف العمليات الإسرائيلية، ودخول اللجنة إلى القطاع، وانتشار قوة الاستقرار الدولية، وانسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل. وينص الاتفاق على عدم تسليم السلاح إلى إسرائيل أو إلى أي جهة غير فلسطينية. (reuters. لكن من الخطأ أيضًا التقليل من خطورة الاتفاق واعتباره مجرد «تخزين مؤقت للسلاح الثقيل»؛ فالنص الكامل يتحدث عن تعطيل وتخزين الأسلحة الثقيلة، ومواقع التصنيع العسكري، ومخازن السلاح، والأنفاق، ثم حصر السيطرة على السلاح في اللجنة الفلسطينية com)
الانتقالية، وتعطيل سلاح التشكيلات المسلحة وفق جدول زمني. وبذلك فإن الاتفاق، إذا نُفّذ كاملًا، يعني عمليًا إنهاء القدرة العسكرية المستقلة لحماس وبقية الفصائل داخل قطاع غزة. (AP News)
وعليه، فإن التقدير الأقرب هو أن حماس قبلت تسوية اضطرارية مؤلمة تحت ضغط الاستنزاف العسكري والإنساني والسياسي، بهدف وقف الحرب وإجبار إسرائيل على الانسحاب وإعادة فتح باب الإعمار، لكنها دخلت في مسار بالغ الخطورة قد يتحول من «تخزين فلسطيني مشروط للسلاح» إلى نزع كامل للسلاح دون تحقيق انسحاب حقيقي أو دولة فلسطينية.
ثانيًا: ماذا وافقت عليه حماس فعليًا؟
تتضمن خريطة الطريق العناصر الأساسية التالية:
1. توقف إسرائيل عملياتها العسكرية وتنفذ التزاماتها السابقة، في مقابل توقف حماس والفصائل عن العمليات العسكرية.
2. تتولى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» الإدارة المدنية والأمنية للقطاع، من دون تدخل حماس أو الفصائل في أعمالها.
3. يبدأ تدريجيًا تعطيل وتخزين السلاح الثقيل، ومواقع التصنيع، ومخازن الأسلحة والأنفاق، بعد دخول اللجنة وانتشار قوة الاستقرار الدولية.
4. ترتبط كل مرحلة من مراحل معالجة السلاح بمرحلة مقابلة من الانسحاب الإسرائيلي.
5. لا يُسلَّم السلاح إلى إسرائيل أو إلى جهة أجنبية، وإنما يوضع تحت سلطة اللجنة الفلسطينية.
6. تصبح اللجنة، في نهاية العملية، الجهة الوحيدة التي تملك أو تخزن أو تسيطر على السلاح في قطاع غزة.
7. لا يجري دمج أفراد التشكيلات العسكرية المسلحة في الشرطة والأجهزة الأمنية الجديدة، وفق الصيغة المنشورة.
ويؤكد غازي حمد أن حماس تعتبر الاتفاق «صعبًا ومؤلمًا»، وأنها لن تبدأ تسليم السلاح للتخزين إلا بعد توقف الهجمات الإسرائيلية، وانسحاب القوات إلى المواقع المتفق عليها، وزيادة دخول المساعدات والبضائع. (reuters.com)
ثالثًا: لماذا وافقت حماس؟
1. وقف الاستنزاف وحماية ما تبقى من قطاع غزة
يبدو أن قيادة الحركة وصلت إلى قناعة بأن استمرار الوضع الحالي يعني مزيدًا من الخسائر البشرية والتدمير والتهجير، دون وجود ضمانة بأن التطورات الإقليمية ستؤدي إلى تغيير ميزان القوى لصالح غزة. ومن ثم أصبح وقف الحرب، وإدخال المساعدات، وبدء الإعمار، أولوية ضاغطة لا يمكن تجاهلها.
2. تحويل صيغة «نزع السلاح» إلى «تخزين فلسطيني»
حاولت حماس، على ما يبدو، تخفيف المطلب الأميركي الإسرائيلي من خلال رفض تسليم السلاح للاحتلال أو لقوات دولية، ووضعه بدلًا من ذلك تحت سلطة لجنة فلسطينية. وهذا يمنح الحركة إمكانية القول إن السلاح لم يُسلَّم للعدو، بل انتقل إلى جهة فلسطينية ضمن ترتيب وطني.
غير أن هذا التعديل لا يغير النتيجة الاستراتيجية النهائية إذا أصبحت اللجنة هي الجهة الوحيدة التي تسيطر على السلاح، وتم تفكيك البنية العسكرية والأنفاق ومواقع التصنيع.
3. ربط السلاح بالانسحاب الإسرائيلي
تحاول حماس منع تكرار تجربة تقديم تنازل أساسي مقابل وعود غير مضمونة، ولذلك تصر على التزامن والتدرج: خطوة فلسطينية في ملف السلاح مقابل خطوة إسرائيلية في الانسحاب. وهذا هو جوهر الصراع الحالي حول ترتيب التنفيذ.
4. فتح طريق لإدارة فلسطينية وإعادة الإعمار
ترى الحركة أن استمرار سيطرتها المباشرة على الحكم في غزة بات يُستخدم ذريعةً لمنع الإعمار واستمرار الحصار والهجمات. ولذلك قبلت نقل الإدارة المدنية إلى لجنة فلسطينية مستقلة، مع ضمان حقوق الموظفين واستمرار المؤسسات والخدمات.
رابعًا: العقدة الأخطر: مَن يبدأ أولًا؟
هذه هي نقطة الانفجار الأساسية في الاتفاق.
حماس تقول إن إسرائيل يجب أن توقف الهجمات وتنسحب أولًا إلى المواقع المتفق عليها، ثم يبدأ تخزين السلاح. في المقابل، يقول مصدر سياسي إسرائيلي إنه لن يحدث أي انسحاب من «الخط الأصفر» قبل نزع حقيقي لسلاح حماس. (reuters.com)
أما خريطة الطريق فتعتمد صيغة التنفيذ المتبادل والمتدرج، بحيث يرتبط تعطيل السلاح بانسحاب إسرائيلي على مراحل وتخضع الخطوات للتحقق الدولي. (AP News)
الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال إن إسرائيل «سعيدة جدًا» بالاتفاق وإنها ساعدت في بلورته، لكنه أقر بأن العملية معقدة وقد تمر بصعود وهبوط. وحتى مساء 31 يوليو/تموز، لا يكفي هذا التصريح وحده لضمان أن الحكومة الإسرائيلية ستلتزم بالتفسير الذي تطرحه حماس بشأن ترتيب الخطوات. (reuters.com)
وبالتالي، فإن الخطر الأكبر هو أن تنفذ حماس خطوة يصعب التراجع عنها في ملف السلاح، ثم تتوقف إسرائيل عن الانسحاب بحجة عدم اكتمال عملية نزع السلاح أو عدم اقتناعها بآليات التحقق.
خامسًا: المكاسب المحتملة لحماس وغزة
يمكن للاتفاق، إذا نُفّذ بصورة متوازنة ومضمونة، أن يحقق:
• وقفًا فعليًا للقتل والاغتيالات والعمليات العسكرية الإسرائيلية.
• انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا ثم كاملًا من قطاع غزة.
• إدخال المساعدات وفتح المعابر وبدء إعادة الإعمار.
• منع التهجير الجماعي والحفاظ على الوجود الفلسطيني في القطاع.
• انتقال الإدارة إلى هيئة فلسطينية بدل الإدارة العسكرية الإسرائيلية.
• الحفاظ على السلاح داخل إطار فلسطيني وعدم تسليمه للاحتلال.
• فتح مسار سياسي نحو تقرير المصير والدولة الفلسطينية.
لكن النص يتحدث عن «تهيئة الظروف لمسار ذي مصداقية» نحو الدولة الفلسطينية، ولا يقدم ضمانة واضحة أو موعدًا ملزمًا لإقامة الدولة. وهذا ضعف جوهري؛ لأن التخلي عن القدرة العسكرية إجراء ملموس ونهائي، بينما المقابل السياسي ما زال عامًا وقابلًا للتأويل. (AP News)
سادسًا: المخاطر الاستراتيجية
1. عدم التكافؤ بين الالتزامات
تفكيك الأنفاق ومواقع التصنيع وتخزين السلاح إجراءات يصعب عكسها، بينما الانسحاب الإسرائيلي يمكن تعطيله أو تجميده أو إعادة القوات بعد وقوع حادث أمني.
2. تحويل الاتفاق إلى نزع سلاح شامل
الخطاب الإعلامي يركز على «السلاح الثقيل»، لكن المواد الأخرى تتناول سلاح التشكيلات المسلحة وحصر جميع الأسلحة في سلطة واحدة. لذلك قد تبدأ العملية بالسلاح الثقيل وتنتهي بتجريد المقاومة من كامل قدرتها العسكرية المنظمة.
3. غياب ضمانة ملزمة للدولة الفلسطينية
الاتفاق يربط العملية بمسار نحو تقرير المصير والدولة، لكنه لا ينص بوضوح على إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود وجدول زمني وضمانات تنفيذية.
4. استبعاد المقاتلين من الأجهزة الجديدة
منع دمج أفراد التشكيلات العسكرية في الشرطة والأمن قد يؤدي إلى وجود آلاف المقاتلين بلا إطار وظيفي أو أمني، وهو ما يفتح الباب للاضطراب الداخلي، أو الملاحقة، أو التصفية السياسية والأمنية.
5. احتمال وقوع انقسام داخل حماس والفصائل
قد ترى القيادة السياسية أن الاتفاق ضرورة لإنقاذ غزة، بينما تنظر إليه قطاعات عسكرية وتنظيمية باعتباره تفريطًا بنتائج عقود من بناء المقاومة. وإذا لم يسبق التنفيذ توافق تنظيمي ووطني واسع، فقد تظهر انشقاقات أو مجموعات ترفض الالتزام.
6. استخدام الإعمار أداة للضغط السياسي
ربط أموال الإعمار بالتقدم في نزع السلاح يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل والجهات المانحة أداة ضغط مستمرة، بحيث يصبح الغذاء والسكن والإعمار مقابل كل خطوة إضافية في ملف السلاح.
7. استغلال إسرائيل لأي حادث أمني
يمكن لإسرائيل أن تعتبر أي إطلاق نار أو وجود سلاح غير مسجل خرقًا، ثم توقف الانسحاب أو تعود إلى العمليات العسكرية، حتى لو كان الحادث خارج سيطرة حماس.
سابعًا: السيناريوهات المتوقعة
السيناريو الأول: التنفيذ المتبادل والمتدرج
توقف إسرائيل عملياتها، وتبدأ الانسحاب، وتدخل اللجنة الفلسطينية، ثم توضع الأسلحة الثقيلة في مخازن فلسطينية مراقبة. ويتقدم الانسحاب بالتوازي مع معالجة ملف السلاح.
هذا هو السيناريو الأفضل لغزة، لكنه يحتاج إلى ضمانات أميركية ودولية مكتوبة وآلية تحقق لا تستطيع إسرائيل تعطيلها منفردة.
السيناريو الثاني: تنفيذ فلسطيني مقابل انسحاب إسرائيلي محدود
تقدم حماس خطوات أولية، مثل تسليم مواقع أو تعطيل بعض الأسلحة والأنفاق، بينما تنفذ إسرائيل انسحابًا جزئيًا ثم تتوقف وتطالب بالمزيد.
هذا هو السيناريو الأخطر والأقرب إذا لم تكن مراحل التنفيذ متزامنة ومحددة بالمكان والزمان.
السيناريو الثالث: تجميد الاتفاق
يستمر الخلاف حول مَن يبدأ أولًا، فلا تنفذ حماس عملية تخزين السلاح، ولا تنسحب إسرائيل، وتظل خريطة الطريق إعلانًا سياسيًا دون تطبيق فعلي، مع استمرار الاغتيالات والضربات المحدودة.
السيناريو الرابع: انهيار الاتفاق واستئناف الحرب الواسعة
قد تؤدي معارضة اليمين الإسرائيلي، أو رفض فصائل فلسطينية، أو وقوع عملية عسكرية، إلى انهيار الاتفاق واستخدام إسرائيل ذلك مبررًا لشن حرب جديدة تحت عنوان «نزع سلاح حماس بالقوة».
ثامنًا: التقدير الراجح
الأرجح أن الاتفاق دخل مرحلة اختبار التنفيذ وليس مرحلة الحسم النهائي. فحماس قدمت قبولًا سياسيًا مشروطًا، والولايات المتحدة أعلنت التوصل إلى تفاهم، لكن الفجوة بين الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي بشأن ترتيب الخطوات ما تزال كبيرة.
قبول حماس لا يبدو استسلامًا مباشرًا، بل محاولة للخروج من الحرب عبر تسوية تحفظ فلسطينيةَ الجهة التي تتولى السلاح، وتربط تعطيله بانسحاب الاحتلال. إلا أن النص، في مآله النهائي، يتجاوز تسليم السلاح الثقيل إلى إنهاء استقلالية البنية العسكرية للفصائل.
لذلك يمكن وصف القرار بأنه:
قرار اضطراري مفهوم من زاوية حماية الشعب ووقف الحرب، لكنه شديد الخطورة من زاوية مستقبل المقاومة، ولا يصبح مقبولًا سياسيًا واستراتيجيًا إلا إذا سبقه انسحاب إسرائيلي مثبت، وضمان دولي ملزم، وتوافق وطني فلسطيني، ومسار واضح نحو دولة فلسطينية كاملة السيادة.

 

تاسعًا: ما الذي ينبغي أن تتمسك به حماس والفصائل؟
ينبغي عدم تنفيذ أي خطوة غير قابلة للرجوع في ملف السلاح قبل:
1. صدور قبول إسرائيلي رسمي ومكتوب بجميع مواد الاتفاق، لا الاكتفاء بتصريحات أميركية.
2. وقف كامل للاغتيالات والقصف والعمليات البرية، مع آلية محاسبة على الخروقات.
3. تحديد خرائط الانسحاب ومراحله ومواعيده بدقة.
4. تنفيذ كل خطوة في ملف السلاح بالتزامن الفعلي مع انسحاب إسرائيلي مقابل، وليس بناءً على وعود مستقبلية.
5. تحديد المقصود بالسلاح الثقيل ومفهوم «التعطيل والتخزين»، ومن يملك مفاتيح المخازن وقرار التصرف فيها.
6. ضمان عدم تسليم قوائم المقاتلين أو المعلومات العسكرية للاحتلال.
7. ضمان حقوق الموظفين والمقاتلين السابقين وعدم ملاحقتهم أو استبعادهم اجتماعيًا وسياسيًا.
8. تشكيل مرجعية وطنية تضم مختلف القوى الفلسطينية لمراقبة التنفيذ، حتى لا تتحمل حماس وحدها مسؤولية قرار تاريخي يخص الشعب الفلسطيني كله.
9. ربط نهاية العملية باعتراف عملي بالدولة الفلسطينية وانسحاب كامل، لا بمجرد وعد بمسار سياسي مفتوح.
الخلاصة النهائية
القول إن «حماس سلّمت السلاح الثقيل» غير صحيح حتى الآن. الصحيح أنها وافقت من حيث المبدأ على خريطة طريق مشروطة لتخزين وتعطيل السلاح تحت سلطة فلسطينية انتقالية، بالتزامن مع وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي.
لكن الاتفاق يحمل تحولًا استراتيجيًا بالغًا؛ فإذا نُفذ كاملًا دون ضمانات حقيقية، فقد يؤدي إلى نزع قدرة المقاومة بينما تبقى إسرائيل قادرة على العودة إلى غزة والتحكم في المعابر والحدود.
لذلك فإن الحكم على القرار لا يكون من عنوان «تسليم السلاح»، بل من الإجابة عن السؤال الحاسم:
هل سيؤدي السلاح المخزن إلى انسحاب إسرائيلي كامل ودولة فلسطينية وسيادة وطنية، أم سيؤدي إلى غزة منزوعة السلاح تحت رقابة دولية وإسرائيلية دائمة؟
وعلى ضوء التجربة مع الاحتلال، يجب أن يكون الأصل: الانسحاب والضمانات والتنفيذ المتزامن أولًا، ثم معالجة السلاح ضمن قرار وطني فلسطيني شامل، وليس تقديم السلاح مقابل وعود قابلة للنقض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى