الملف السياسي

العالم إلى أين؟ والتحالفات الجديدة ومستقبل الشرق الأوسط

م. اسماعيل الاشقر
باحث وكاتب فلسطيني
مدير ومؤسس المركز العربي للبحوث والدراسات
تركيا – السعودية – باكستان | أمريكا – إسرائيل – إيران | غزة وحماس | حزب الله | أوروبا – روسيا – الصين
أولًا: التقدير التنفيذي
يدخل العالم في النصف الثاني من عام 2026 مرحلة مختلفة عن النظام الذي ساد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. لم تعد الولايات المتحدة قادرة وحدها على فرض ترتيبات مستقرة في جميع المسارح، لكنها في الوقت ذاته لم تفقد موقعها كأقوى دولة عسكريًا وسياسيًا على المستوى العالمي.
الصورة الأقرب هي تشكل نظام متعدد المراكز والقوى، لكنه غير مستقر.
ففي الشرق الأوسط تظهر ثلاث تحولات كبرى متزامنة:
الأول: محاولة الولايات المتحدة وإسرائيل إعادة صياغة البيئة الأمنية بعد الحرب مع إيران، والضغط لإضعاف القدرات العسكرية للقوى المرتبطة بطهران، من غزة إلى لبنان والعراق واليمن.
الثاني: محاولة الدول الإقليمية الكبرى بناء قدر من الاستقلال الأمني عن واشنطن، وأبرز مظاهر ذلك توقيع تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس/آب 2026 «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي ينص على اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا. غير أن الاتفاق لم يحدد حتى الآن بصورة علنية حجم الالتزامات العسكرية العملية، ولا يتضمن بحسب المعلومات المنشورة مظلة ردع نووية باكستانية تلقائية. (Reuters)
الثالث: انتقال الصراع الدولي من نظام التحالفات الجامدة إلى تحالفات مرنة ومتداخلة؛ فقد تكون تركيا حليفًا لواشنطن في الناتو، وشريكًا للسعودية وباكستان، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات مع روسيا والصين وإيران.
وبالتالي فإن المرحلة القادمة لن تُقسم ببساطة إلى محور أمريكي ومحور صيني–روسي، وإنما ستظهر دول «وسطية» كبيرة تحاول التعامل مع الجميع مع الحفاظ على استقلال قرارها.
ثانيًا: التحالف التركي–السعودي–الباكستاني
يمثل اتفاق مكة في تقديري واحدًا من أهم التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة.
فالدول الثلاث تمتلك عناصر قوة متكاملة:
الدولة عنصر القوة الأساسي
تركيا جيش كبير، صناعة دفاعية متقدمة، موقع جغرافي بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا
السعودية الثقل المالي والطاقة والموقع العربي والإسلامي
باكستان القوة العسكرية والخبرة الاستراتيجية وامتلاك السلاح النووي
لكن الخطأ هو النظر إلى الاتفاق باعتباره فورًا «ناتو إسلاميًا».
فالأرجح أنه يبدأ بوصفه مظلة ردع وتنسيق أمني وعسكري، ثم يمكن أن يتطور تدريجيًا إلى تعاون في الدفاع الجوي والصناعات العسكرية والتدريب والاستخبارات والأمن البحري.
قيام هذا التحالف جاء في بيئة إقليمية شديدة التوتر، خصوصًا مع تعرض السعودية ودول خليجية لتهديدات وهجمات مرتبطة بالحرب الإيرانية، ومع نشر باكستان سابقًا آلاف الجنود وطائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي في السعودية خلال الأزمة. (Reuters)
الدلالة الأعمق
المغزى ليس أن السعودية وتركيا انفصلتا عن أمريكا.
بل إن الرسالة هي:
نحن حلفاء لواشنطن، ولكننا لن نضع أمننا بالكامل في يد واشنطن.
وهذا تحول مهم جدًا.
إذا نجح هذا المحور وابتعد عن الصراع المذهبي وعن التحول إلى محور موجه ضد إيران، فقد يصبح أساسًا لنظام إقليمي جديد.
أما إذا أصبح تحالفًا سنيًا في مواجهة إيران، فسيفتح المنطقة على سباق محاور خطير.
ولهذا ستكون الحكمة التركية والسعودية والباكستانية في إبقاء باب التفاهم مع طهران مفتوحًا عاملًا حاسمًا.
ثالثًا: تركيا — الدولة المرشحة للصعود الأكبر إقليميًا
تركيا تمتلك ميزة لا تتوافر لكثير من القوى الأخرى: قدرتها على الحركة في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.
فهي عضو في الناتو، ولديها علاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، لكنها تحتفظ أيضًا بعلاقات سياسية واقتصادية مع روسيا، وتتوسع اقتصاديًا مع الصين والخليج، وتملك شبكة علاقات واسعة في العالم الإسلامي.
وفي قمة الناتو في أنقرة في يوليو/تموز 2026 أصبحت تركيا أيضًا في قلب المناقشات المتعلقة بإعادة توزيع الأعباء العسكرية داخل الحلف. (Reuters)
لذلك أتوقع أن تحاول أنقرة خلال السنوات المقبلة التحول من:
قوة إقليمية مهمة
إلى:
قوة مركزية تربط أوروبا والشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى.
وإذا اقترن التحالف مع السعودية وباكستان باستثمارات سعودية وصناعات دفاعية تركية وقدرات عسكرية باكستانية، فإنه يمكن أن ينشأ مركز قوة إسلامي جديد دون الحاجة إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع الغرب أو الصين أو روسيا.
رابعًا: السعودية — من المظلة الأمريكية إلى تعدد المظلات
السعودية لا تريد قطع علاقتها بالولايات المتحدة.
لكن تجربة الحروب والأزمات الإقليمية دفعتها إلى اتباع سياسة مختلفة:
واشنطن للأمن والتكنولوجيا، الصين للاقتصاد والتجارة، روسيا في ملفات الطاقة، تركيا وباكستان لبناء قدرة إقليمية مستقلة.
وهذه سياسة يمكن وصفها بـ:
تنويع التحالفات بدل استبدال حليف بحليف.
وهذا هو النموذج الذي أتوقع أن تتبعه دول عربية أخرى.
كما أن الرياض لا تريد حربًا مفتوحة مع إيران؛ فقد ضغط ولي العهد السعودي باتجاه التفاوض وتجنب جولة أمريكية جديدة من الضربات، في الوقت الذي كانت فيه طهران تحذر دول الخليج من أن البنية التحتية للطاقة قد تدخل دائرة الرد إذا تعرضت إيران لهجمات أمريكية جديدة. (Reuters)
ولهذا فإن السعودية ستكون في المرحلة القادمة قوة موازنة أكثر من كونها رأس محور هجومي.
خامسًا: باكستان — عودة لاعب استراتيجي كبير
أهمية باكستان لا تكمن فقط في امتلاك السلاح النووي.
فهي ترتبط تاريخيًا بعلاقات وثيقة مع السعودية، وفي الوقت نفسه لها علاقة استراتيجية عميقة مع الصين، وتملك حدودًا طويلة مع إيران، وعلاقة مع تركيا.
وهذا يجعلها الدولة الوحيدة تقريبًا القادرة على التواصل في آن واحد مع:
السعودية، تركيا، الصين، إيران والولايات المتحدة.
لذلك قد تتحول إسلام آباد إلى حلقة وصل استراتيجية بين الشرق الأوسط وآسيا.
لكنني لا أعتقد أن باكستان ستضع سلاحها النووي بصورة تلقائية تحت مظلة التحالف الثلاثي؛ فذلك سيؤدي إلى تغيير جذري في ميزان القوى الدولي وسيستدعي ردود فعل أمريكية وإسرائيلية وإيرانية وهندية.
سادسًا: الولايات المتحدة — تراجع الهيمنة لا يعني سقوط القوة
من الخطأ الحديث عن «نهاية أمريكا».
الولايات المتحدة ما زالت تمتلك أكبر شبكة تحالفات وقواعد عسكرية وقدرات استخبارية ومالية وتكنولوجية في العالم.
لكن المشكلة الأمريكية مختلفة:
اتساع الالتزامات يفوق القدرة على إدارتها جميعًا بسهولة.
فواشنطن مطالبة في الوقت نفسه بمواجهة أو احتواء:
روسيا في أوروبا، الصين في المحيط الهادئ، إيران في الشرق الأوسط، حماية إسرائيل، أمن الخليج، كوريا الشمالية، والممرات البحرية العالمية.
وقد كشفت الحرب الطويلة مع إيران عن ضغط كبير على مخزونات بعض الذخائر الأمريكية بعيدة المدى، بينما تدفع واشنطن الأوروبيين إلى تحمل جزء أكبر من مسؤولية الدفاع عن قارتهم. (Reuters)
ومن هنا أتوقع تحول الاستراتيجية الأمريكية من:
السيطرة على كل التفاصيل
إلى:
إدارة توازنات القوى بواسطة حلفاء إقليميين.
سابعًا: إسرائيل — قوة عسكرية كبيرة أمام مأزق استراتيجي
إسرائيل ستبقى قوة عسكرية وتكنولوجية واستخبارية كبيرة.
لكن المشكلة التي تواجهها ليست عسكرية فقط.
فالسؤال هو:
هل تستطيع القوة العسكرية إنتاج نظام سياسي إقليمي مستقر؟
تجربة غزة ولبنان وإيران تشير إلى صعوبة ذلك.
فحتى الآن ما زالت هناك فجوات رئيسية في تنفيذ خريطة الطريق المتعلقة بغزة؛ إذ تطالب إسرائيل بنزع سلاح حماس أولًا، بينما تربط حماس الخطوات المتعلقة بالسلاح بتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية والانسحاب والترتيبات السياسية والأمنية. (Reuters)
لذلك أرى أن إسرائيل قد تحقق تفوقًا عسكريًا تكتيكيًا دون أن تستطيع بالضرورة تحويله إلى تسوية سياسية دائمة.
وهذا هو المأزق الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة.
ثامنًا: إيران — ضعفت لكنها لم تنته
إيران تعرضت لضربات وحرب استنزاف كبيرة.
لكن القول إن إيران خرجت من المعادلة الإقليمية غير دقيق.
فهي ما زالت تمتلك ثلاثة مصادر قوة رئيسية:
قدرات صاروخية وعسكرية، موقعها الجغرافي، وقدرتها على التأثير في ممرات الطاقة والتجارة.
وقد أثبت مضيق هرمز أن الجغرافيا نفسها سلاح استراتيجي؛ إذ يمر عبره جزء بالغ الأهمية من تجارة النفط والغاز العالمية، وأصبحت ترتيبات فتحه عنصرًا مركزيًا في المفاوضات الجارية عبر عُمان. (Reuters)
لكنني أعتقد أن النموذج الإيراني القديم القائم على بناء شبكة واسعة من القوى المسلحة الإقليمية سيواجه صعوبة أكبر.
وسيكون أمام طهران خياران:
العودة تدريجيًا إلى نموذج الدولة الإقليمية التي تفاوض من موقع القوة،
أو مواصلة استراتيجية الصراع المفتوح، بما يعني استمرار الاستنزاف العسكري والاقتصادي.
الأرجح أن الصراع داخل إيران نفسها بين أنصار التسوية وأنصار المواجهة سيزداد تأثيره في تحديد المسار.
تاسعًا: غزة وحماس — القضية الأكثر حساسية
مستقبل حماس لا يتحدد فقط بالسلاح.
السؤال الحقيقي هو:
ما شكل النظام الفلسطيني بعد الحرب؟
المفاوضات الحالية تدور حول قضايا مترابطة: الانسحاب الإسرائيلي، السلاح، إدارة غزة، الإعمار، الأمن ومستقبل الحركة السياسي.
ورغم إعلان الرئيس الأمريكي عن تقدم في ترتيبات نزع أو حصر السلاح، فإن تصريحات الأطراف المختلفة تظهر أن الاتفاق النهائي وآليات التنفيذ ما زالت موضع خلاف. كما استمرت الضربات الإسرائيلية في غزة رغم الحديث عن الاختراق السياسي. (Reuters)
وأرى أن مستقبل حماس أمام ثلاثة مسارات:
الأكثر احتمالًا: تحول تدريجي من نموذج «الحركة التي تدير الحكومة وتحمل السلاح في الوقت نفسه» إلى نموذج سياسي ومجتمعي ومقاوم ضمن ترتيب فلسطيني جديد.
الثاني: استمرار حالة وسطية؛ لا نزع كامل للسلاح ولا عودة كاملة للحكم، مع إدارة فلسطينية جديدة لغزة.
الثالث والأخطر: انهيار التفاهمات والعودة إلى حرب واسعة.
والمصلحة الفلسطينية العليا في تقديري تتطلب أن يصبح الهدف المركزي:
حماية الشعب الفلسطيني، منع التهجير، تثبيت الوجود على الأرض، إعادة إعمار غزة، إعادة بناء الوحدة الفلسطينية، مع الحفاظ على الحقوق الوطنية الفلسطينية.
لأن استمرار المجتمع الفلسطيني نفسه أصبح عنصرًا أساسيًا من عناصر الصراع.
عاشرًا: حزب الله ولبنان
حزب الله يواجه أحد أصعب التحولات في تاريخه.
فالمفاوضات الأمريكية بين لبنان وإسرائيل انتقلت إلى مناقشة دول يمكن أن تشارك في التحقق من ترتيبات نزع سلاح الحزب وربط ذلك بانسحابات إسرائيلية تدريجية من جنوب لبنان، بينما يرفض حزب الله التخلي عن سلاحه حتى الآن. (Reuters)
هذا يعني أن القضية لم تعد مجرد مواجهة إسرائيلية–حزب الله.
بل أصبحت:
مستقبل الدولة اللبنانية نفسها ومن يمتلك قرار الحرب والسلم.
أتوقع أن يتعرض حزب الله لضغط متزايد للانتقال من نموذج «جيش موازٍ للدولة» إلى صيغة جديدة يكون فيها نفوذه السياسي والاجتماعي أكبر من دوره العسكري المستقل.
لكن محاولة فرض ذلك بالقوة قد تعيد لبنان إلى عدم الاستقرار.
لذلك سيكون الحل الأكثر قابلية للاستمرار هو تسوية لبنانية داخلية متدرجة مرتبطة بانسحاب إسرائيلي وضمانات أمنية، وليس مجرد قرار خارجي بنزع السلاح.
الحادي عشر: روسيا
روسيا لم تسقط ولم تنتصر نهائيًا.
حرب أوكرانيا دخلت مرحلة طويلة من الاستنزاف، وما زالت موسكو قادرة على مواصلة الحرب، بينما تواصل أوروبا رفع إنفاقها العسكري ودعم كييف. وقد شهد أغسطس/آب استمرار الضربات الروسية والأوكرانية المتبادلة، بما في ذلك استهداف منشآت الطاقة الروسية. (Reuters)
لكن اضطراب الشرق الأوسط منح روسيا أيضًا فرصة اقتصادية؛ إذ زاد الطلب الآسيوي، بما فيه الصيني، على النفط الروسي مع اضطراب إمدادات الخليج. (Reuters)
روسيا ستبقى قوة عسكرية كبرى لكنها ستحتاج إلى سنوات لاستعادة كامل قدرتها الاقتصادية والعسكرية بعد حرب أوكرانيا.
ومشروعها الأساسي سيكون:
منع عودة العالم إلى هيمنة أمريكية منفردة.
الثاني عشر: الصين — الرابح الهادئ
الصين هي اللاعب الذي ينبغي مراقبته بعناية.
استراتيجيتها مختلفة عن الولايات المتحدة وروسيا.
فهي لا تريد في الوقت الحالي إدارة الشرق الأوسط عسكريًا.
تريد:
النفط، التجارة، الموانئ، الطرق البحرية، الاستثمارات والاستقرار.
وقد دعت بكين خلال أزمة إيران إلى التسوية والحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز، وأعلنت استعدادها للعمل مع الأطراف لاستعادة الاستقرار. (Reuters Connect)
وفي الوقت نفسه فإن التوتر حول تايوان مستمر؛ فقد أجرت تايوان في أغسطس/آب تدريبات عسكرية كبيرة وعززت تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة، فيما يستمر الضغط الصيني حول المضيق. (Reuters)
لذلك فإن أخطر صراع عالمي مستقبلي ليس في رأيي الشرق الأوسط.
بل:
الصراع الأمريكي–الصيني حول آسيا وتايوان والتكنولوجيا والاقتصاد.
إذا تحول هذا الصراع إلى مواجهة عسكرية، فسيتغير النظام العالمي كله.
أما إذا بقي تحت سقف المنافسة، فستواصل الصين صعودها التدريجي.
الثالث عشر: أوروبا
أوروبا بدأت تستوعب أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية لم يعد مضمونًا بالدرجة السابقة.
ولهذا ترفع دول الناتو الأوروبية إنفاقها الدفاعي بصورة كبيرة. ويتجه الحلف إلى هدف إنفاق 3.5% من الناتج على الدفاع العسكري الأساسي إضافة إلى 1.5% على مجالات دفاع وأمن أوسع، بينما بدأت بعض الدول بالفعل تتجاوز 3.5%. (Reuters)
الاتجاه الأوروبي خلال السنوات المقبلة سيكون نحو:
أوروبا أكثر تسلحًا، وأكثر استقلالًا عسكريًا، لكنها ستبقى مرتبطة بالناتو وأمريكا.
وفي الشرق الأوسط تفضل أوروبا عمومًا التسوية الدبلوماسية، وحرية الملاحة، ومنع اتساع الحرب، مع استمرار موقفها المتشدد تجاه البرنامج النووي والصاروخي الإيراني. (Avrupa Birliği Konsili)
الرابع عشر: ما شكل النظام الإقليمي الجديد؟
أرى أن الشرق الأوسط يتجه من نظام كان يقوم بدرجة كبيرة على:
أمريكا + إسرائيل + حلفاء عرب
في مواجهة:
إيران + محور حلفائها
إلى نظام أكثر تعقيدًا.
قد تظهر خلال السنوات المقبلة أربعة مراكز رئيسية:
المركز الأول:
الولايات المتحدة وإسرائيل وشبكة العلاقات الغربية.
المركز الثاني:
تركيا–السعودية–باكستان، مع إمكانية تعاون دول عربية وإسلامية أخرى معه دون الانضمام رسميًا إليه.
المركز الثالث:
إيران، ولكن بصورة أكثر اعتمادًا على الدولة الإيرانية نفسها وأقل قدرة على الاعتماد المطلق على الشبكات المسلحة الخارجية.
المركز الرابع:
الصين وروسيا باعتبارهما شريكين اقتصاديين وسياسيين وعسكريين بدرجات مختلفة للدول التي تريد موازنة النفوذ الأمريكي.
والأهم أن هذه المراكز لن تكون جدرانًا مغلقة.
السعودية يمكن أن تتحالف مع أمريكا وتتاجر مع الصين وتتعاون مع روسيا في النفط وتوقع اتفاق دفاع مع تركيا وباكستان.
تركيا يمكن أن تكون في الناتو وتتعاون مع روسيا والصين والسعودية وقطر وباكستان.
وهذا هو جوهر النظام الجديد.
الخامس عشر: العالم إلى أين؟
العالم لا يتجه في تقديري إلى «حرب عالمية ثالثة» حتمية.
لكنه يتجه إلى مرحلة أخطر من العقود الثلاثة الماضية تسمى:
التعددية القطبية المسلحة
أي وجود عدة مراكز قوة، وكل مركز يزيد تسلحه ويحاول تأمين موارده وممراته وتحالفاته.
ستصبح خمسة أشياء أكثر أهمية من السابق:
الطاقة، الممرات البحرية، الصناعات العسكرية، التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والتحالفات الإقليمية.
ومضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر والبحر الأسود ومضيق تايوان ستصبح نقاطًا مركزية في الصراع الدولي.
لقد أظهرت أزمة هرمز بالفعل كيف يمكن لممر بحري واحد أن يؤثر في أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي، الأمر الذي يدفع الدول إلى تنويع مصادر الطاقة وطرق الإمداد.
السادس عشر: السيناريوهات حتى 2030
هذه النسب تقدير تحليلي وليست تنبؤات يقينية:
السيناريو الاحتمال التقديري
تسويات تدريجية وبناء نظام توازن إقليمي جديد 40%
استمرار صراعات منخفضة ومتوسطة الحدة دون حرب شاملة 40%
انفجار إقليمي واسع جديد يشمل إيران والخليج وإسرائيل ولبنان واليمن 15%
تحول إحدى الأزمات الكبرى إلى مواجهة دولية أوسع 5%
وأرى أن السيناريوين الأول والثاني هما الأكثر ترجيحًا: لا سلام شامل، ولا حرب عالمية شاملة، بل سنوات من التفاوض تحت الضغط العسكري.
السابع عشر: الخلاصة الاستراتيجية
العالم الذي عرفناه بعد 1991 ينتهي تدريجيًا.
لكن العالم الجديد لم يتشكل بعد.
أمريكا تتراجع من موقع الهيمنة المنفردة إلى قيادة تحالفات.
الصين تصعد دون رغبة في خوض حروب كبيرة حاليًا.
روسيا تقاوم محاولات احتوائها وتعيد بناء مجال نفوذها بالقوة.
أوروبا تعود إلى التسلح.
إيران تقاتل لمنع إخراجها من معادلة الشرق الأوسط.
إسرائيل تسعى إلى تحويل تفوقها العسكري إلى نظام أمني إقليمي جديد، لكنها ما زالت تواجه المعضلة الفلسطينية.
تركيا والسعودية وباكستان تؤسسان نواة استقلال استراتيجي إقليمي جديد.
وغزة تبقى، رغم كل التحولات الدولية، مركز القضية التي لا يمكن بناء استقرار دائم في الشرق الأوسط من دون إيجاد حل سياسي عادل لها.
التقدير الأهم
أعتقد أن أهم تحول يجب مراقبته بعد 2026 ليس فقط الحرب الأمريكية–الإيرانية.
إنه:
هل يتحول تحالف تركيا–السعودية–باكستان من اتفاق دفاعي إلى مشروع استراتيجي إقليمي؟
إذا حدث ذلك، وانفتح المشروع على مصر وقطر ودول أخرى، ولم يُبنَ على أساس مذهبي أو صراع مع إيران، فقد نكون أمام بداية مركز قوة جديد في العالم الإسلامي يستطيع التوازن بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا.
أما إذا انقسم الشرق الأوسط مجددًا إلى محور سني ومحور شيعي ومحور إسرائيلي–أمريكي، فستدخل المنطقة دورة استنزاف جديدة.
لذلك فإن المعركة الحقيقية في السنوات المقبلة ليست فقط: من يملك السلاح الأقوى؟
بل:
من يستطيع بناء أوسع شبكة من العلاقات، ومن يملك الاقتصاد والتكنولوجيا والممرات التجارية، ومن يستطيع تحويل قوته العسكرية إلى استقرار سياسي؟
وهنا ستكون الكفة في النهاية لمن يجمع بين القوة والاقتصاد والدبلوماسية والشرعية السياسية، لا لمن يعتمد على القوة العسكرية وحدها.
وأرى أن هذا التقدير يستحق أن نطوره إلى ورقة سياسات كاملة بعنوان: «العالم بعد حرب إيران 2026: التحالف التركي–السعودي–الباكستاني وإعادة تشكيل الشرق الأوسط حتى 2030»، ونضيف إليها بصورة خاصة موقف حماس والحركة الإسلامية: أين تتموضع في النظام الجديد، وما الفرص والمخاطر أمام القضية الفلسطينية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى