الخلاصة التنفيذية
تشهد المنطقة انتقالًا خطيرًا من حروب الجبهات المنفصلة إلى صراع إقليمي مترابط على الممرات البحرية والطاقة والقواعد الأمريكية والعمق الإسرائيلي. إيران وحلفاؤها لا يملكون حتى الآن قدرة حسم عسكري مباشر ضد الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، لكنهم أصبحوا قادرين على رفع تكلفة الحرب، وتهديد الملاحة والطاقة، واستنزاف المنظومات الدفاعية، وإرباك الحسابات الأمريكية والخليجية.
أما احتمال «انقلاب السحر على الاحتلال» فهو قائم، لكن الأرجح ألا يأتي على صورة هزيمة عسكرية إسرائيلية مفاجئة، بل على صورة تراكم متدرج يجمع بين:
• الاستنزاف العسكري والاقتصادي.
• اتساع العزلة الدولية.
• تراجع الشعور بالأمن داخل الاحتلال.
• الانقسام السياسي والاجتماعي.
• تضخم تكلفة الحماية الأمريكية.
• فشل إسرائيل في تحويل تفوقها العسكري إلى استقرار سياسي دائم.
بعبارة مركزة: الاحتلال ما يزال متفوقًا في القوة النارية، لكنه يواجه صعوبة متزايدة في إنتاج نصر سياسي مستقر.
أولًا: اليمن وأنصار الله
حقق أنصار الله تطورًا استراتيجيًا كبيرًا بالسيطرة على جزيرة ميون بريم والتقدم إلى منطقة ذباب المطلة على مضيق باب المندب، بعد السيطرة على ميناء المخا. وهذا يمنحهم نفوذًا أكبر على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، خصوصًا مع تعطل جانب كبير من حركة الملاحة في مضيق هرمز. كما تعرض خط أنابيب النفط السعودي شرق–غرب لهجوم أدى إلى إغلاقه مؤقتًا. رويترز، أسوشيتد برس
طلبت السعودية مساعدة عسكرية أمريكية لمواجهة التقدم الحوثي، لكن إدارة الرئيس ترامب امتنعت، حتى الآن، عن تنفيذ ضربات أمريكية مباشرة جديدة، واكتفت بعرض المعلومات الاستخبارية والمساعدة في تحديد الأهداف. رويترز
التقدير: تحولت اليمن من جبهة إسناد لغزة إلى ورقة إقليمية تتصل بأمن السعودية والخليج والتجارة العالمية. وإذا تمكن أنصار الله من تثبيت وجودهم حول باب المندب، فسيتحولون إلى قوة يصعب تجاوزها في أي تسوية إقليمية.
لكن هذا التقدم قد يدفع إلى:
• هجوم يمني–سعودي مضاد.
• زيادة الغارات الجوية.
• محاولة حصار المناطق الجديدة.
• تدخل استخباري ولوجستي أمريكي أوسع.
ثانيًا: إيران والمواجهة مع الولايات المتحدة
دخلت الحرب الأمريكية–الإيرانية شهرها السابع، وانتقلت من تبادل الضربات المحدودة إلى استهداف السفن والمنشآت النفطية والقواعد العسكرية. فقد استهدفت الولايات المتحدة ناقلات نفط إيرانية، وردت إيران بمهاجمة سفن ومواقع أمريكية في الخليج والأردن والعراق والكويت والبحرين. كما تراجعت الملاحة عبر هرمز بصورة حادة. رويترز، رويترز
إيران تدرك أنها لا تستطيع الانتصار على الولايات المتحدة في حرب تقليدية مفتوحة، ولذلك تعتمد استراتيجية تقوم على:
• توزيع المواجهة على ساحات متعددة.
• استهداف المصالح والقواعد الأمريكية.
• الضغط على الملاحة والطاقة.
• استخدام الموقع الجغرافي حول هرمز.
• توظيف حلفائها في اليمن والعراق ولبنان.
• إطالة أمد الحرب حتى تصبح كلفتها الداخلية مرتفعة على الإدارة الأمريكية.
التقدير: قدرة إيران على الصمود وعلى إغلاق أو تعطيل الممرات أهم، حاليًا، من قدرتها على تحقيق انتصار عسكري مباشر. لكنها تخاطر بأن يؤدي تصعيد كبير أو سقوط قتلى أمريكيين بأعداد كبيرة إلى ضربة أمريكية واسعة للبنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية.
ثالثًا: الخليج العربي
وجدت دول الخليج نفسها بين ثلاثة أخطار:
1. الحرب الأمريكية–الإيرانية.
2. تهديد المنشآت النفطية والقواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها.
3. صعود نفوذ أنصار الله حول باب المندب.
أدى اضطراب هرمز وباب المندب واستهداف خط الأنابيب السعودي إلى صعود أسعار النفط فوق مئة دولار، بينما حذرت وكالة الطاقة الدولية من تراجع كبير في الإمدادات العالمية وتضرر صادرات الخليج. رويترز
التقدير: دول الخليج لا تريد انتصارًا إيرانيًا، لكنها لا تريد أيضًا حربًا أمريكية طويلة تدور فوق أراضيها ومياهها. ولذلك ستتجه تدريجيًا نحو:
• فتح قنوات تفاوض غير معلنة مع إيران.
• الضغط على واشنطن لوقف التصعيد.
• تعزيز الدفاعات الجوية والبحرية.
• إعادة تقييم وجود القواعد الأمريكية وحدود الاستفادة منها.
• محاولة التوصل إلى تفاهم سعودي–حوثي جديد.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: الوجود العسكري الأمريكي الذي كان يُنظر إليه بوصفه مصدر حماية قد يتحول، أثناء الحرب، إلى سبب لتعريض دول الخليج للرد الإيراني.
رابعًا: لبنان وحزب الله
رغم تفاهم وقف إطلاق النار في يونيو/حزيران، ما تزال إسرائيل تنفذ عمليات هدم وتفجير في جنوب لبنان، فيما بقي أكثر من 300 ألف شخص في حالة نزوح، وتعطلت المفاوضات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي وسلاح حزب الله. أسوشيتد برس
الاحتلال يحاول فرض معادلة تقول: لا انسحاب كامل قبل نزع سلاح حزب الله. أما حزب الله فيرفض تسليم سلاحه في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات وعدم وجود ضمانات حقيقية.
التقدير: حزب الله يواجه أصعب معادلة منذ تأسيسه:
• المحافظة على قوة الردع.
• تجنب حرب شاملة جديدة تستنزف لبنان.
• رفض نزع السلاح تحت الضغط الإسرائيلي.
• التعامل مع ضغوط داخلية ودولية متزايدة.
• إعادة بناء قدراته وقيادته بعد الخسائر.
احتمال الحرب الشاملة ليس هو السيناريو الأرجح فورًا، لكن استمرار الاحتلال في الهدم والتمركز داخل الجنوب قد يعيد حزب الله إلى عمليات محسوبة، بما يؤدي إلى دورة تصعيد جديدة.
خامسًا: غزة وحماس
ما يزال اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2025 هشًا. ووفق الأمم المتحدة، قُتل أكثر من 1,300 فلسطيني منذ إعلان الاتفاق، مع استمرار الغارات وتقييد دخول مواد الإيواء والإعمار، بينما يحتاج نحو 1.98 مليون إنسان إلى مساعدات سكنية، وتبقى البنية الصحية والمائية في وضع شديد الخطورة. مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية
وفي تطور ميداني، أعلنت كتائب القسام استشهاد محمد عبد السلام اليازوري، قائد لواء خان يونس وعضو المجلس العسكري الأعلى، في استهداف إسرائيلي. رويترز
التقدير: الاحتلال يواصل سياسة الاغتيال والاستهداف لمنع حماس من إعادة بناء قيادتها العسكرية، لكنه لم ينجح في إنتاج بديل سياسي فلسطيني قادر على إدارة غزة وقبول الشروط الإسرائيلية.
التحديات الرئيسية أمام حماس هي:
• المحافظة على بنيتها التنظيمية بعد خسارة قادة بارزين.
• إدارة العلاقة بين السلاح والسياسة.
• التعامل مع ملف الأسرى والإعمار والإدارة المدنية.
• منع تحويل وقف إطلاق النار إلى حصار دائم.
• صياغة مشروع وطني مشترك بدل بقاء غزة منفصلة سياسيًا عن الضفة.
سادسًا: الضفة الغربية والقدس
تتزايد عمليات الاعتقال والاقتحام وهجمات المستوطنين. ووفق تقرير أممي، قُتل منذ بداية 2026 عشرات الفلسطينيين، وأصيب نحو 1,900، وهُجّر أكثر من 2,500 فلسطيني بسبب هجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بها. كما اعتُقل أكثر من مئة فلسطيني خلال أسبوع واحد في سبتمبر/أيلول. الأمم المتحدة، الجزيرة
في المقابل، بدأت الضغوط الدولية على الاستيطان تتزايد؛ فقد فرضت بريطانيا وفرنسا وكندا إجراءات ضد منتجات المستوطنات، كما تعرض نتنياهو لضغط أمريكي لتفكيك بعض البؤر الاستيطانية غير المرخصة. رويترز، رويترز
التقدير: الضفة مرشحة لأن تكون الجبهة الأخطر على الاحتلال؛ لأنها تجمع بين المقاومة الشعبية والمسلحة، وتصاعد الاستيطان، وضعف السلطة، والتدهور الاقتصادي، وغياب الأفق السياسي. وإذا اندلعت انتفاضة واسعة ومتزامنة في مدن الضفة ومخيماتها والقدس، فستفرض على الاحتلال توزيع قواته على جبهة داخلية طويلة يصعب ضبطها.
سابعًا: الولايات المتحدة
تريد إدارة ترامب تحقيق عدة أهداف متعارضة:
• منع إيران من فرض السيطرة على هرمز.
• حماية إسرائيل والقواعد الأمريكية.
• منع انهيار صادرات النفط الخليجية.
• تفادي حرب برية أو تدخل عسكري طويل.
• تخفيف ارتفاع أسعار الوقود قبل الانتخابات النصفية.
• منع توسع أنصار الله من دون التورط في حرب يمنية جديدة.
رفض ترامب حتى الآن طلب الضربات المباشرة ضد أنصار الله يعكس إدراكًا بأن فتح جبهة أمريكية جديدة قد يوسع الحرب بدل احتوائها.
التقدير: الولايات المتحدة لا تزال المظلة الأساسية للاحتلال، لكنها بدأت تواجه معضلة واضحة: كلما توسعت لحماية إسرائيل والممرات والقواعد، ازدادت الأهداف المعرضة للضرب، وارتفعت التكلفة الاقتصادية والسياسية الداخلية.
ثامنًا: وضع الاحتلال الإسرائيلي
يمتلك الاحتلال تفوقًا عسكريًا واستخباريًا ودعمًا أمريكيًا كبيرًا، لكنه يواجه خمس أزمات متراكمة:
1. تعدد الجبهات من غزة والضفة ولبنان إلى اليمن وإيران.
2. استنزاف المنظومات الدفاعية والقوات الاحتياطية.
3. ارتفاع الأعباء الاقتصادية وكلفة الحرب.
4. اتساع العزلة الدولية بسبب غزة والاستيطان.
5. الانقسام الداخلي حول القيادة والحرب ومستقبل التسوية.
نجاح الاحتلال في اغتيال القادة وإلحاق أضرار كبيرة بخصومه لا يعني أنه نجح في تحقيق أهداف سياسية دائمة. فالاغتيالات قد تُضعف القيادة مرحليًا، لكنها لم تُنهِ حماس أو حزب الله أو أنصار الله، ولم تُنهِ القضية الفلسطينية.
هل ينقلب السحر على الاحتلال؟
نعم، الاحتمال موجود، لكن بشروط. والارتداد المحتمل له ثلاثة مستويات:
1. ارتداد اقتصادي
إذا استمر تعطيل هرمز وباب المندب وارتفاع أسعار الطاقة، فسيتضرر الاقتصاد العالمي والاقتصاد الإسرائيلي، وستزداد الضغوط الأمريكية لإنهاء الحرب.
2. ارتداد سياسي ودبلوماسي
كلما استمرت الاعتداءات في غزة والضفة ولبنان، زادت العقوبات والمقاطعة والاعترافات الدولية بفلسطين، وأصبح الاحتلال عبئًا سياسيًا أكبر على حلفائه.
3. ارتداد أمني واستراتيجي
تعدد الجبهات يمنع الاحتلال من تركيز قوته في مكان واحد. وإذا تزامنت اضطرابات الضفة مع تجدد جبهة لبنان وتصعيد يمني وإيراني، فسيدخل الاحتلال في استنزاف مركب لا يستطيع حسمه بالغارات وحدها.
لكن الانقلاب الكامل لن يتحقق تلقائيًا؛ لأنه قد يفشل بسبب:
• غياب استراتيجية موحدة بين أطراف المقاومة.
• الانقسام الفلسطيني.
• قدرة الولايات المتحدة على تعويض الخسائر الإسرائيلية.
• تفاوت مصالح إيران وحلفائها.
• الخسائر الإنسانية الهائلة التي قد يسببها التصعيد المفتوح.
• احتمال تحويل دول الخليج من موقف الحذر إلى المشاركة في مواجهة إيران وحلفائها.
السيناريوهات خلال الأشهر المقبلة
السيناريو الاحتمال المضمون
استنزاف مضبوط ومفاوضات متقطعة 45% استمرار الضربات المحدودة مع وساطات لمنع الحرب الشاملة
توسع التصعيد وفرض تسوية 35% ارتفاع كلفة الطاقة والملاحة يدفع واشنطن إلى صفقة إقليمية
انفجار إقليمي شامل 20% ضربات واسعة على إيران ولبنان واليمن والقواعد الأمريكية ومرافق الخليج
التقدير النهائي
نحن أمام بداية تحول في ميزان الكلفة، وليس انقلابًا مكتملًا في ميزان القوة. يستطيع الاحتلال التدمير والاغتيال، لكنه لا يستطيع بسهولة إعادة المنطقة إلى ما قبل طوفان الأقصى أو فرض الاستسلام على جميع الجبهات.
إذا استمرت وحدة الضغط من فلسطين ولبنان واليمن وإيران، بالتوازي مع تحرك سياسي وقانوني دولي، فقد ينقلب التفوق العسكري الإسرائيلي إلى عبء استراتيجي طويل. أما إذا بقيت الجبهات متفرقة، واستمر الانقسام الفلسطيني، فقد يستوعب الاحتلال الضغوط ويستعيد المبادرة.
العامل الحاسم ليس عدد الصواريخ وحده، بل القدرة على تحويل الصمود والمقاومة والضغط الدولي إلى مشروع سياسي فلسطيني موحد، يحاصر الاحتلال أخلاقيًا وقانونيًا واقتصاديًا، ويمنعه من تحويل قوته العسكرية إلى مكاسب سياسية دائمة.
مع خالص التحية والتقدير
رئيس المركز العربي للبحوث والدراسات
م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر
إسطنبول – السبت 12 سبتمبر/أيلول 2026
Post Views: 67
أقرأ التالي
سبتمبر 7, 2026
تصريحات جي دي فانس حول «نهاية الزمان» وأبعادها السياسية والاستراتيجية
سبتمبر 5, 2026
تركيا واحتمال الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون
سبتمبر 2, 2026
من مأزق التنفيذ إلى إدارة الجمود: إلى أين تتجه خارطة ملادينوف في غزة؟
أغسطس 29, 2026
فلسطين والإقليم أمام مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى
أغسطس 20, 2026
حماس والانتخابات الفلسطينية في ظل احتمال قانون يمنع الأحزاب ذات الأجنحة المسلحة
أغسطس 17, 2026
تقدير موقف | مستقبل الولايات المتحدة وإسرائيل والشرق الأوسط بعد «العاصفة الأمريكية
أغسطس 13, 2026
حماس … والانتخابات التشريعية الثالثة
أغسطس 8, 2026
العالم إلى أين؟ والتحالفات الجديدة ومستقبل الشرق الأوسط
أغسطس 5, 2026
بين الثوابت وضرورة إنقاذ غزة.. الخطوط الحمراء لحماس تجاه ورقة «مجلس السلام»
أغسطس 1, 2026
موافقة حماس على ترتيبات تتعلق بالسلاح الثقيل في قطاع غزة
زر الذهاب إلى الأعلى