مقالات

﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾… لماذا «لنا» وليس «علينا»؟

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾… لماذا «لنا» وليس «علينا»؟

قال تعالى:

﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾

[التوبة: 51].

تأملوا:

لم يقل: ما كتب الله علينا.

وإنما قال:

﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾.

والمقام مقام حديث عن مصائب قد يخافها الإنسان!

وهنا تفتح كلمة ﴿لَنَا﴾ بابًا عظيمًا لفهم الابتلاء.

فليس كل ما يؤلمك شرًّا لك، وليس كل ما تفقده خسارة، وليس كل باب أُغلق في وجهك كان فتحه خيرًا لك.

قد تأتي الشدة فتكشف لك حقيقةً كنت غافلًا عنها.

وقد تفقد شيئًا فتحفظ به شيئًا أعظم.

وقد تمر بمحنة فتعرف فيها صديقك من عدوك، والصادق من المتلوّن.

وقد تُغلق أمامك أبواب، فيفتح الله لك بابًا لم تكن تراه.

ولهذا قيل

لا تلعنوا الشدائد؛ فقد علمتكم ما لم تكونوا تعلمون.

وقيل:

جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ

وَإِنْ كَانَتْ تُغَصِّصُنِي بِرِيقِي

وَمَا شُكْرِي لَهَا حَمْدًا وَلَكِنْ

عَرَفْتُ بِهَا عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي

فالشدائد تكشف.

تكشف الناس، وتكشف الدنيا، وقد تكشف للإنسان نفسه.

والقرآن يضع لنا قاعدة أوسع:

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[البقرة: 216].

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ هنا موضع الطمأنينة.

فأنت ترى المصيبة في لحظتها، والله يعلم ما وراءها.

ترى ما أُخذ منك، ولا ترى دائمًا ما صُرف عنك.

ترى الباب الذي أُغلق، ولا تعلم أي باب سيُفتح.

ولهذا لم تتوقف الآية عند:

﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾،

بل جاءت بعدها مباشرة:

﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾.

وكأن هذه هي الإجابة عن خوف القلب:

الذي كتب هو مولانا.

ثم:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

فليست القضية أن تعرف ماذا سيحدث لك، وإنما أن تعرف مَن مولاك حين يحدث.

ختامًا

قد تأتيك الشدة في صورة «عليك»، ثم تكشف الأيام أن في طياتها شيئًا كان «لك».

علمتك، أو ردتك إلى الله، أو كشفت لك حقيقة، أو صرفت عنك شرًا، أو رفعتك بالصبر، أو أعادت ترتيب حياتك.

فلا نحكم على أقدار الله من أول مشهد.

يكفينا أن نستقر عند قوله:

﴿لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾.

قد لا تعرف الآن أين الخير فيما أصابك، لكنك تعرف مَن مولاك.

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

✍️ د. وائل علي فرج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى