بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
كل إنسان يخاف أن يخسر مالًا…
أو يفقد صحة…
أو يودع عزيزًا.
لكن القرآن يلفت أنظارنا إلى خسارة أعظم من ذلك كله.
أن يفقد الإنسان محبة الله.
ولهذا، كما فتح القرآن أمامنا قائمةً قال في أهلها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾، فتح أيضًا قائمةً أخرى قال في أهلها:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾.
ولو كان الله قد كتب فيها أسماءً، لكانت قصة أناس مضوا.
لكنه كتب صفات، لتبقى الرسالة موجهة إلى كل إنسان، وحتى لا يقول أحد: هذا لا يعنيني.
فالسؤال ليس:
من هم الذين لا يحبهم الله؟
بل:
هل فيَّ شيء من صفاتهم؟
وهنا تتجلى سنة قرآنية عظيمة:
كما أن لمحبة الله طريقًا، فإن للحرمان من محبته طريقًا أيضًا.
ولو تأملت هذه الآيات، لوجدت أن القرآن لا يحدثنا عن سقوط مفاجئ، وإنما عن رحلة هبوط تبدأ بخطوة صغيرة، ثم تنتهي حيث لم يكن الإنسان يتخيل.
في البداية، توقعت أن يبدأ القرآن بالكفر…
لكنه بدأ بشيء آخر.
بدأ بالاعتداء.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
وكأن القرآن يعلمنا أن كل انهيار كبير يبدأ يوم يعتاد الإنسان تجاوز الحدود.
حدود الله…
وحدود الحقوق…
وحدود الأخلاق.
فالذي يستهين بالحدود الصغيرة، لا يلبث أن يتجاوز الحدود الكبيرة.
ثم يأتي الظلم.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
والظلم لا يبدأ دائمًا بسفك الدماء، بل قد يبدأ بكلمة، أو موقف، أو حكم جائر، أو حق ضائع.
وما أكثر ما تهدمت البيوت، وتفرقت القلوب، وسقطت الأمم، لأن الظلم أصبح أمرًا مألوفًا.
ثم تأتي الخيانة.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.
خيانة الأمانة.
وخيانة العهد.
وخيانة الكلمة
فالخيانة لا تهدم العلاقة بين الناس فحسب، بل تهدم الثقة التي تقوم عليها الحياة.
ثم يقف القرآن عند مرض خفي، لكنه كان سبب أول معصية عُصي الله بها.
الكبر.
كنت أظن أن أول ذنب حرم صاحبه من رحمة الله كان ذنبًا عظيمًا في نظر الناس.
لكن القرآن يكشف شيئًا آخر.
إنه الكبر.
﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
ولهذا قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.
فما دخل الكبر قلبًا إلا أفسد رؤيته، ومنع صاحبه من الاعتراف بخطئه، أو قبول الحق، أو التواضع للناس.
ثم يذكر القرآن البطر.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
وليس المقصود الفرح الذي يحبه الله، وإنما فرح الغرور، حين ينسى الإنسان أن النعمة من الله، فيتكبر بها على خلق الله.
ثم يصل القرآن إلى نهاية الطريق.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
عندها تتضح الصورة.
لم يبدأ الإنسان مفسدًا…
بل انتهى إلى الإفساد.
بدأ باعتداء.
ثم ظلم.
ثم خيانة.
ثم كبر
ثم بطر.
حتى أصبح وجوده ضررًا على من حوله.
وهنا فهمت لماذا لم يبدأ القرآن بالنتائج، وإنما بدأ بالبدايات.
لأن الله يريد أن ينقذ الإنسان قبل أن يصل إلى النهاية.
فكل فساد عظيم بدأ يومًا بخطوة ظن صاحبها أنها صغيرة.
وهنا يقف المؤمن مع نفسه وقفة صدق.
فالقرآن لم يذكر هذه الصفات لنفتش عنها في الناس.
بل لنفتش عنها في قلوبنا.
فرب اعتداء في كلمة.
ورب ظلم في حكم.
ورب خيانة في أمانة.
ورب كبر في قلب.
ورب فساد ظنه صاحبه إصلاحًا.
ولهذا لم يغلق القرآن الباب.
بل أبقاه مفتوحًا.
فكما أن الله لم يكتب أسماءً في قائمة من يحبهم، لم يكتب أسماءً في قائمة من لا يحبهم.
وإنما كتب صفات.
حتى يستطيع كل إنسان أن يغادر هذه القائمة قبل أن يغادر الدنيا.
واليوم…
وأنت تطوي هذه الصفحة…
اسأل نفسك السؤال الذي يريده القرآن:
ليس:
كم عرفت من هذه الصفات؟
بل:
هل بقي في قلبي شيء منها؟
فإن وجدت شيئًا، فلا تيأس.
بل احمد الله أنه كشفه لك قبل أن تلقاه.
فإن الطريق الذي يبدأ باعتداء صغير، قد ينتهي بإفساد كبير.
كما أن الطريق الذي يبدأ بتوبة صادقة، قد ينتهي بمحبة الله.
وهكذا يتركك القرآن بين قائمتين…
إحداهما تبدأ بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾.
والأخرى تبدأ بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾.
ولم يجعل بينهما نسبًا، ولا لونًا، ولا اسمًا…
وإنما جعل بينهما صفات.
فاختر كل يوم، بعملك وأخلاقك، في أي القائمتين تكتب اسمك.
فليس أخطر ما في هذه الآيات أنها تخبرك بمن لا يحبهم الله…
بل أنها تمنحك الفرصة، قبل فوات الأوان، ألا تكون واحدًا منهم.
Post Views: 8
أقرأ التالي
أغسطس 1, 2026
حين يتكلم الزمن
يوليو 30, 2026
حين يعظم القرآن خطر الهوى
يوليو 28, 2026
حين يعظم القرآن خطر النفاق
يوليو 23, 2026
سورة النحل…سنة سقوط البنيان من القواعد
يوليو 21, 2026
الإنسان في القرآن… سنة الانتقال من الضعف إلى الاستخلاف
يوليو 20, 2026
إلى أبي أسامة.. كلمة محبة وثبات ومسؤولية
يوليو 18, 2026
سورة الواقعة… حين يعيد الله الموازين
يوليو 12, 2026
العهد المنسي… من وسوسة الشيطان إلى عبودية الهوى
يوليو 12, 2026
الهجرة الطوعية وإفراغ غزة، مشروع صهيوني خبيث لكسر ثبات الغزيين
يوليو 11, 2026
سنن الهداية والضلال… كيف تُكتب النهاية من أول خطوة؟
زر الذهاب إلى الأعلى