بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
لم يبدأ سقوط الإنسان حين عصى، بل حين نسي العهد الذي بينه وبين ربه، ونسي حقيقة عدوه، وفتح قلبه لطريق يبدأ بخاطرة وينتهي بقيد.
ولهذا يذكّر الله بني آدم في سورة يس بالعهد الأول:
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
فالله لم يترك الإنسان في صراع الحياة بلا هداية، بل أقام عليه الحجة، وأرشده إلى طريقه، وحذره من عدوه قبل أن تبدأ المعركة.
ولم يقل سبحانه: ألم آمركم، بل قال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾؛ لأن العهد أعمق من الأمر، فهو تذكير بما فُطر عليه الإنسان، وما جاءه من بيان، وما ينبغي أن يبقى حاضرًا في وعيه: أن طريق الشيطان ليس طريقًا مجهول النهاية.
ثم بيّن الله حقيقة هذا العدو
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
فالشيطان من عالم الغيب، لا تراه الأبصار، لكنه ليس غيبًا مجهول الأثر؛ فعداوته ظاهرة في مداخله وآثاره: في تزيين الباطل، وتحسين المعصية، وإلقاء الشبهات، وصرف الإنسان عن ذكر الله.
فالشيطان لا يبدأ بإجبار الإنسان، وإنما يبدأ بإغوائه.
قال تعالى:
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾
فالوسوسة ليست سلطانًا قاهرًا، وإنما دعوة واختبار، والإنسان يملك أن يرفضها أو يستجيب لها.
لكن الخطر يبدأ حين تتكرر الاستجابة؛ فالخاطرة تتحول إلى رغبة، والرغبة إلى عادة، والعادة إلى طريق، ثم يصبح الطريق قيدًا.
وهنا نفهم قوله تعالى:
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾
ففي البداية يزيّن ويعد، ثم إذا وجد من الإنسان قبولًا متكررًا انتقل من الدعوة إلى الأمر؛ لأن الإنسان لم يعد يقاوم الفكرة الأولى، بل أصبح الهوى في داخله يمهد الطريق لها.
وهذه سنة من سنن الله في النفس البشرية:
أن الإنسان لا يفقد حريته دفعة واحدة، وإنما يتنازل عنها خطوة بعد خطوة.
ولهذا عبّر القرآن عن اتباع الشيطان بالعبادة:
﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾
فالعبادة ليست دائمًا سجودًا أو ركوعًا، بل قد تكون طاعة وانقيادًا لمن خالف أمر الله. فمن جعل هواه حاكمًا على الوحي، فقد نقل مركز القيادة في حياته من هداية الله إلى رغبات النفس.
وهنا تظهر خطورة الهوى؛ فالشيطان لا يحتاج دائمًا إلى أن يوسوس للإنسان إذا أصبح الهوى في داخله يؤدي المهمة.
فإذا اعتاد القلب مخالفة أمر الله، أصبح الباطل مألوفًا، وربما دافع الإنسان عنه وهو يظن أنه يدافع عن اختياره.
وهذه السنة لا تقف عند الأفراد، بل تمتد إلى الأمم والمجتمعات؛ فالسقوط الكبير يبدأ غالبًا بخطوات صغيرة تُستهان في بدايتها، ثم تتحول مع الزمن إلى ثقافة وسلوك، حتى يصبح المعروف غريبًا والمنكر مقبولًا.
وفي المقابل، فإن طريق الهداية يسير بالسنن نفسها؛ فكما تصنع المعصية المتكررة أسر الهوى، تصنع الطاعة المتكررة حياة القلب وقوة الإيمان.
ولهذا كان الذكر والاستقامة ومراقبة الله حصنًا يحفظ الإنسان؛ لأن الشيطان لا يملك القلوب، وإنما يبحث عن أبواب يدخل منها.
قال تعالى:
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾
فضعف الشيطان ليس في قلة محاولاته، بل في محدودية سلطانه؛ فهو يوسوس ولا يجبر، ويدعو ولا يملك الهداية أو الإضلال.
إن رسالة القرآن ليست أن يعيش الإنسان أسير الخوف من الشيطان، بل أن يعيش في قوة العبودية لله؛ لأن من لم يختَر أن يكون عبدًا لله، أصبح أسيرًا لشيء آخر: لهواه، أو شهوته، أو خوفه، أو رغباته.
فالحرية الحقيقية لست أن يتحرر الإنسان من كل قيد، وإنما أن يتحرر من كل عبودية سوى عبودية الله.
ويبقى عهد الله قائمًا:
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
✍️ د. وائل علي فرج
Post Views: 19
أقرأ التالي
يوليو 11, 2026
سنن الهداية والضلال… كيف تُكتب النهاية من أول خطوة؟
يوليو 9, 2026
الأسرى والأسيرات أمانة الأمة وأحرار العالم
يوليو 8, 2026
سورة السجدة… حين يعيد الوحي تعريف الإنسان
يوليو 6, 2026
سورة لقمان… سنة بناء الإنسان قبل قيام الأمم
يوليو 4, 2026
هندسة سورة الروم: حين تنقلب موازين القوة بين لحظة وأخرى
يوليو 4, 2026
كيف ابتلعت إسرائيل أعقد عملية خداع إستراتيجي؟
يوليو 1, 2026
العالم (الحر) والإنسانية المفقودة
يونيو 30, 2026
سنن التنزيل ..اسم سورة طه وعلاقته بالمضمون
يونيو 28, 2026
سنن التنزيل
يونيو 27, 2026
أتينا طائعين… طريق الرضوان
زر الذهاب إلى الأعلى