مقالات

سورة لقمان… سنة بناء الإنسان قبل قيام الأمم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

سنن التنزيل

*كيف تنهض الأمم؟*

سؤال شغل العقول قديمًا وحديثًا، فتعددت الإجابات؛ فمنهم من جعل النهضة في الاقتصاد، ومنهم من رآها في القوة العسكرية، ومنهم من علقها على السياسة أو التقنية أو وفرة الموارد.

لكن القرآن يبدأ من موضع آخر تمامًا.

فبعد أن كشفت سورة الروم سنن تداول الأمم، وصعودها وهبوطها، جاءت سورة لقمان لتجيب عن سؤالٍ أعمق: من هو الإنسان الذي يقيم الحضارة ويحفظها؟

وهنا تتجلى دقة ترتيب السورتين؛ فبعد بيان سنن التاريخ، يأتي بيان صناعة الإنسان الذي تجري تلك السنن على يديه.

تفتتح السورة بقوله تعالى:

﴿الم ۝ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾.

فالبداية ليست بالقوة، ولا بالسلطان، ولا بالعمران، وإنما بالوحي الذي يهب الإنسان الحكمة، ويقيم حياته على الميزان الصحيح.

ثم ينتقل السياق مباشرة إلى النموذج الذي اختاره الله ليكون عنوانًا للسورة:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾.

ولم يقل: آتيناه ملكًا، أو سلطانًا، أو مالًا.

وكأن القرآن يقرر أن الحكمة هي الأصل، وما عداها وسائل قد تنفع أو تضر بحسب من يتولى أمرها.

ثم تأتي وصايا لقمان لابنه، فتزداد الصورة وضوحًا.

فالسورة لا تبدأ ببناء الدولة، وإنما تبدأ ببناء الابن.

 

ولا تبدأ بإصلاح المؤسسات، وإنما بإصلاح القلب.

ولا تبدأ بالقوانين، وإنما بالعقيدة.

فأول الوصايا:

﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾.

ثم تتوالى بعد ذلك لبنات البناء: مراقبة الله، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر، والتواضع، وحسن الخلق، وضبط اللسان والسلوك.

إنه بناءٌ متدرج للإنسان من الداخل، قبل أن يُكلَّف بإصلاح الخارج.

وهنا تكشف السورة سنةً من أعظم سنن الله في العمران:

أن الحضارات لا تُبنى أولًا، وإنما يُبنى الإنسان، فإذا استقام الإنسان على التوحيد والحكمة، جاءت الحضارة ثمرةً لهذا البناء.

ولهذا تخطئ كثير من مشاريع الإصلاح حين تنشغل بتغيير الأنظمة والهياكل قبل أن تعيد بناء الإنسان. فالقرآن لا يهمل أسباب القوة، لكنه يضعها في موضعها الصحيح؛ فهي ثمار، وليست جذورًا. أما الجذر الذي تقوم عليه النهضة فهو الإنسان الموصول بالله، المهذب بالحكمة، المستقيم على منهجه.

ولعل من أبلغ ما في السورة أن هذا البناء يبدأ داخل البيت، في مجلس أبٍ يوصي ابنه.

وكأن القرآن يقرر أن أعظم الحضارات تبدأ من الأسرة، وأن أول لبنة في بناء الأمة ليست القصر ولا السوق، وإنما البيت الذي تُغرس فيه العقيدة، وتُربى فيه الحكمة، وتتشكل فيه الشخصية.

ثم تختم السورة بقوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ… وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا…﴾.

فبعد أن تبني الإنسان، تعيده إلى حقيقة عظيمة: أن علمه محدود، وأن نجاحه لا يكون إلا إذا بقي موصولًا بعلم الله وهدايته.

وهكذا تكشف سورة لقمان أن نهضة الأمم ليست قرارًا سياسيًا فحسب، ولا مشروعًا اقتصاديًا مجردًا، وإنما هي ثمرة مشروع يبدأ من بناء الإنسان على التوحيد والحكمة، ثم يمتد إلى الأسرة، فالمجتمع، فالأمة.

وبهذا تتكامل مع سورة الروم في بناء قرآني بديع؛ فالروم تكشف سنن حركة التاريخ، ولقمان تكشف صفات الإنسان الذي يصنع التاريخ بإذن الله.

سنة من سنن التنزيل

إذا أراد الله نهضة أمة، بدأ ببناء الإنسان؛ فإذا استقام القلب على التوحيد، واستنار العقل بالحكمة، واستقام السلوك على منهج الله، قامت الحضارة على أساسٍ ثابت. أما إذا قُدِّم بناء المؤسسات على بناء الإنسان، فقد خولفت سنة الله، وما خالف سنن الله لا يدوم.

✍️ د. وائل علي فرج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى