مقالات

سنن الهداية والضلال… كيف تُكتب النهاية من أول خطوة؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

من يتدبر القرآن يدرك أنه لا ينظر إلى الهداية والضلال على أنهما لحظة عابرة، بل مسار يبدأ بخطوة، ثم يتكرر حتى يصوغ القلب، ويصنع الشاكلة، ويقود إلى العاقبة. فالنهايات في القرآن ليست مفاجآت، وإنما ثمار طبيعية للبدايات.

ولهذا يكشف القرآن أن الانحراف لا يبدأ بسقوط مدوٍ، وإنما بميل يسير يستهين به صاحبه، ثم يكرر السير فيه حتى يصبح طريقًا. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]. ويقول سبحانه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: 110]. فالموقف الأول لا ينتهي عند لحظته، بل يفتح بابًا لما بعده، حتى يصبح القلب أقل استعدادًا لقبول الحق.

ثم تأتي مرحلة أخطر؛ فالأعمال لا تغادر صاحبها بانقضاء وقتها، وإنما تترك أثرًا يتراكم في قلبه. ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]. فالران ليس أثر ذنب واحد، بل حصيلة ما اعتاده الإنسان من كسب، كما أن الطاعات المتكررة تملأ القلب نورًا وثباتًا، حتى يغدو القلب أقرب إلى ما داوم عليه من خير أو شر.

وحين يستقر هذا الأثر في القلب، يتحول إلى شاكلة توجه الفكر والسلوك والاختيار، ولذلك قال سبحانه: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: 84]. فالشاكلة ليست قيدًا فُرض على الإنسان، وإنما هي الصورة التي صنعتها اختياراته المتكررة، ولهذا كانت العاقبة امتدادًا طبيعيًا للمسار الذي اختاره.

وهذه السنة لا تختص بالضلال، بل تجري في الهداية كذلك. فالاستقامة لا تولد دفعة واحدة، وإنما تبنى بطاعة بعد طاعة، حتى تصبح خلقًا ثابتًا. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30]. ولذلك لا يستصغر القرآن عملًا، لأن الذرات هي التي تصنع المصائر: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

ومن هنا نفهم سنن الله في واقع الناس؛ فالأفراد لا ينحرفون فجأة، كما لا يستقيمون فجأة، والأمم لا تنهار في يوم، ولا تنهض في يوم. إنها بدايات صغيرة، ثم تكرار، ثم تحول في القلوب، حتى يصبح ما كان استثناءً ثقافة، وما كان خيارًا عابرًا طريقًا تسير فيه الأجيال.

ومع ذلك، يبقى باب الرجوع مفتوحًا، لأن السنن لا تلغي الاختيار، بل تجري وفقه. فمن غيّر ما في نفسه، غيّر الله مساره، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. وهنا تتجلى رحمة الله؛ فكما أن الانحراف يبدأ بخطوة، فإن العودة إلى الله تبدأ بخطوة، وقد تكون خطوة صادقة تغير حياة الإنسان كلها

القاعدة السننية:

النهايات لا تُصنع في آخر الطريق، وإنما تُكتب من أول خطوة؛ فالبدايات تصنع الاتجاه، والتكرار يصنع القلب، والقلب يصنع الشاكلة، والشاكلة تصنع المصير.

ختامًا

لا يعلمنا القرآن كيف تنتهي الطرق فحسب، بل يعلمنا كيف تبدأ. ولذلك فإن أخطر ما يواجه الإنسان ليس السقوط الكبير، بل الاستهانة بالبدايات، كما أن أعظم أبواب الهداية قد تبدأ بطاعة صغيرة يباركها الله حتى تصبح طريق نجاة.

﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: 90].

✍️ د. وائل علي فرج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى