مقالات

حين يتكلم الزمن

بسم الله الرحمن الرحيم
*سنن التاريخ*
*حين يتكلم الزمن*
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
حين تضج الدنيا بالأحداث، يكثر المتحدثون.
هذا يعلل الهزيمة بالمؤامرة.
وذاك يردها إلى ضعف الإمكانات.
وثالث يعلقها على سوء القيادة.
ثم تمضي السنوات…
ويسكت الجميع.
ولا يبقى إلا شاهد واحد…
الزمن
بحثت عنه طويلًا.
لا لأسأله: كم مضى من السنين؟
بل لأسأله سؤالًا واحدًا:
لماذا تتكرر النهايات، مع أن الوجوه تتغير؟
وجدته جالسًا بين أطلال حضارات، كأنها تعرفه ويعرفها.
سلمت عليه.
فرد السلام، ثم طال صمته.
حتى قال:
لقد تعلمت أن أكثر الناس يبدؤون القراءة من الصفحة الأخيرة.
قلت:
يا زمن…
لقد اتهمك الناس كثيرًا.
إذا ضعفت أمة، قالوا: فسد الزمان.
فهل كنت أنت سبب ما جرى؟
ابتسم، وقال:
لقد جئت تسأل الشخص الخطأ.
تعجبت.
قال:
أنا لا أصنع أمة… ولا أهدم حضارة.
أنا شاهد.
ثم نهض، وقال:
تعال…
وسرنا حتى وقفنا أمام مدينة شامخة، تعلوها الأسوار، وتزدان بالقصور.
قلت:
ما أجملها!
قال:
لا تنظر إليها الآن…
ارجع خمسين سنة.
فرجعت.
فلم أر سورًا مهدومًا…
ولا جيشًا غازيًا…
رأيت أول ظلم سكت عنه الناس.
ورأيت أول تنازع قيل: سيزول.
ورأيت أول تنازل قيل: لن يغير شيئًا.
فقال الزمن:
لقد جئت يوم سقط السور…
أما أنا فقد كنت هنا يوم سقط أول ضمير.
ثم طوى الصفحة.
وقال:
أدخلوا الشاهد التالي.
فرأيت قومًا لا يكاد يسمع بهم أحد.
قبائل متفرقة…
تتنازعها القوى الكبرى.
ثم قال:
انتظر.
ولم تمض سنوات كثيرة في عمر الأمم، حتى رأيت الوجوه نفسها تحمل رسالة من السماء.
فإذا بالقبائل أمة.
وإذا بالأتباع قادة.
وإذا بمن كانوا يتوزعون ولاءهم بين الإمبراطوريات، يصبحون هم أصحاب الرسالة التي تهدي الأمم.
قلت:
أأنت الذي غيّرتهم؟
قال:
لا…
لقد غيّروا ما بأنفسهم، فجرت عليهم سنة الله.
ثم أغلق الصفحة.
وقال:
أدخلوا الشاهد الأخير.
فرأيت أمة كانت تملأ الدنيا قوة.
ثم رأيت الوهن يدب في أطرافها.
قلت:
أهذا يوم هزيمتها؟
قال:
لا…
هذا يوم بدايتها.
ثم أشار بعيدًا.
فدخل العدو.
فقلت:
إذن هو الذي أسقطها؟
فهز رأسه، وقال:
لقد جنى الثمرة…
لكنه لم يزرع البذرة.
ثم التفت إليّ، وقال:
أتدري ما أكثر سؤال يطرحه الناس علي؟
قلت:
ما هو؟
قال:
يسألونني: متى سقطت هذه الأمة؟
ثم ابتسم.
وقال:
ولو أحسنوا السؤال لقالوا: متى بدأت تسقط؟
وسكت.
ثم أخرج مصحفًا
وقال:
كل ما رأيته بعيني…
وجدت هذا الكتاب قد أخبركم به قبل أن أراه.
ثم تلا:
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾
ثم أغلق المصحف، ووضعه في يدي.
وقال:
إذا أردت أن تقرأ الماضي… فاقرأه بهذا.
وإذا أردت أن تعرف المستقبل… فلا تحفظ أسماء الأمم، بل احفظ السنن، فإنها لا تتبدل.
ثم مضى…
ناديت:
يا زمن…
إلى أين؟
فقال، دون أن يلتفت:
لن تحتاج أن تبحث عني بعد اليوم…
فكلما قرأت هذا الكتاب، ستسمع شهادتي بين صفحاته.
وغاب.
وبقي المصحف في يدي.
فعلمت أن الزمن لم يتركني مع كتاب التاريخ…
بل تركني مع مفتاحه.
ختامًا…
التاريخ لا يعيد نفسه…
ولكن سنن الله تعيد آثارها كلما عادت أسبابها.
فمن قرأ التاريخ بعين الحوادث، حفظ أخبار الأمم.
ومن قرأه بعين السنن، عرف كيف تنهض الأمم، وكيف تسقط.
وهناك فقط…
يفهم المؤمن أن القرآن لم ينزل ليقص علينا الماضي، وإنما ليعلمنا كيف نقرأ الماضي، ونبصر الحاضر، ونستعد للمستقبل.
✍️ د. وائل علي فرج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى