حرب الظلال الكبرى: كيف فاجأت إيران خصومها في معركة الردع بعد طوفان الأقصى؟”

إعداد
م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر
باحث وكاتب فلسطيني
مدير ومؤسس المركز العربي للبحوث والدراسات
التاريخ: –13 مارس- 2026
أحدث المستجدات السياسية والعسكرية
بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى
نقاط أساسية توضح طبيعة المرحلة الحالية من الصراع الإقليمي:
أولاً: الوضع العسكري الميداني
1️⃣ استمرار حالة الردع المتبادل .
• الولايات المتحدة عززت وجودها العسكري في المنطقة، خاصة عبر حاملات الطائرات والقواعد الجوية في الخليج والبحر الأحمر.
• إسرائيل رفعت مستوى الجاهزية الجوية والصاروخية تحسبًا لأي تصعيد مفاجئ.
2️⃣ إيران تعتمد استراتيجية الحرب غير المباشرة.
• طهران تحاول تفادي الحرب الشاملة المباشرة مع الولايات المتحدة.
• لكنها تستخدم أدوات الردع عبر:
o الصواريخ الباليستية
o الطائرات المسيّرة
o حلفائها الإقليميين.
3️⃣ استهداف القواعد الأمريكية
شهدت الفترة الأخيرة عمليات ضرب متبادلة أو تهديدات ضد قواعد أمريكية في المنطقة، خصوصًا في:
• العراق
• سوريا
• بعض قواعد الخليج.
لكن واشنطن تحاول احتواء التصعيد وعدم الانزلاق إلى حرب واسعة.
ثانياً: المفاجأة الإيرانية في القدرات العسكرية.
إيران بالفعل حاولت إظهار قدرات استراتيجية مفاجئة، ومن أبرزها:
• تطوير صواريخ بعيدة المدى ذات دقة أعلى.
• توسيع برنامج الطائرات المسيّرة الهجومية.
• الإعلان عن قواعد صاروخية تحت الأرض.
• تطوير أسلحة بحرية غير تقليدية مثل الدرونات البحرية.
الهدف من ذلك هو إرسال رسالة مفادها:
أن أي حرب شاملة مع إيران ستكون مكلفة جدًا للولايات المتحدة وإسرائيل.
ثالثاً: لماذا ترفض إيران وقف إطلاق النار؟
إيران ترى أن وقف إطلاق النار الآن قد يُفسَّر كضعف استراتيجي، ولذلك تعتمد ثلاث اعتبارات رئيسية:
1️⃣ الحفاظ على هيبة الردع.
القيادة الإيرانية تعتقد أن التراجع الآن سيشجع خصومها على مواصلة الضغط.
2️⃣ الرهان على حرب استنزاف طويلة.
إيران تعتمد على أن خصومها، خاصة الولايات المتحدة، لا يحبون الحروب الطويلة في الشرق الأوسط.
3️⃣ إعادة رسم ميزان القوة في المنطقة.
طهران تريد أن تخرج من هذه الأزمة برسالة واضحة:
أنها أصبحت قوة إقليمية لا يمكن كسرها بسهولة.
رابعاً: الحسابات الأمريكية والإسرائيلية.
الهدف الأمريكي والإسرائيلي لا يبدو حاليًا إسقاط النظام الإيراني مباشرة، بل:
• إضعاف قدراته العسكرية
• تقليص نفوذ إيران الإقليمي
• منعها من الوصول إلى السلاح النووي.
لكنهم يحاولون تحقيق ذلك دون الدخول في حرب شاملة مكلفة.
خامساً: إلى أين قد تتجه الحرب؟
هناك ثلاث مسارات محتملة خلال الأشهر القادمة:
1️⃣ احتواء التصعيد (السيناريو الأقرب)
استمرار الضربات المحدودة دون حرب إقليمية كبرى.
2️⃣ توسع إقليمي محدود.
إذا دخلت أطراف أخرى بشكل أكبر مثل:
• حزب الله
• الحوثيين
• أو بعض دول الخليج.
3️⃣ حرب إقليمية واسعة (السيناريو الأخطر)
وهو احتمال ما زال قائمًا لكنه أقل ترجيحًا، لأن كلفته ستكون ضخمة على الجميع.
✅ الخلاصة الاستراتيجية
نحن أمام مرحلة يمكن وصفها بـ:
حرب كسر الإرادات وليس حرب الحسم السريع.
إيران تحاول إثبات قدرتها على الصمود والردع طويل المدى،
بينما تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل تقييد هذه القدرة دون إشعال حرب شاملة.
تحليل استراتيجي
“حرب الظلال الكبرى:
كيف فاجأت إيران خصومها في معركة الردع بعد طوفان الأقصى؟”
ويتضمن:
• خريطة الفواعل الدولية
• 3 سيناريوهات حتى نهاية 2027
• موقع غزة وحماس داخل هذه الحرب الإقليمية.
حرب الظلال الكبرى: كيف فاجأت إيران خصومها في معركة الردع بعد طوفان الأقصى؟
تمهيد
حتى 13 مارس/آذار 2026، لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد تبادل ضربات محدود، بل أصبحت حرب استنزاف إقليمية متعددة الجبهات
. فمنذ بدء الحرب الحالية في 28 فبراير/شباط 2026، توسعت العمليات لتشمل الداخل الإيراني، والجبهة اللبنانية، وقواعد ومصالح أميركية في الإقليم، مع هجمات إيرانية على دول خليجية واستمرار الضغط على الملاحة في مضيق هرمز.
كما أعلنت واشنطن أن عملياتها قد تستمر “أسابيع” وربما أكثر، بينما ربطت طهران أي وقف للنار بضمانات تمنع تكرار الهجمات، مع حديث عن تعويضات واعتراف بما تسميه “حقوقها المشروعة”.
اللافت هنا أن إيران لم تفاجئ خصومها فقط بحجم الصمود، بل بطبيعة الردع: لم تعتمد على التفوق الجوي، بل على تشتيت الميدان، وتوسيع ساحة الكلفة، وربط أمن إسرائيل والخليج والقواعد الأميركية بجبهة واحدة. وهذا هو جوهر حرب الظلال: أن تكسر وضوح الجبهة، وتفرض على الخصم حربًا مكلفة بلا نهاية حاسمة سريعة.
ويعزز هذا التقدير أن إيران وحلفاءها واصلوا الضربات رغم الخسائر الكبيرة، فيما أقرت تقارير حديثة بأن حلفاء طهران الإقليميين ما زالوا ناشطين، وإن بقدرات متراجعة نسبيًا.
أولًا: كيف فاجأت إيران خصومها؟
المفاجأة الإيرانية لم تكن في امتلاك “سلاح سري”، بل في البنية الاستراتيجية للردع.
فقد راهنت واشنطن وتل أبيب على أن الضربات المكثفة داخل إيران ستؤدي إما إلى شلل سريع، أو إلى قبول إيراني بوقف نار بشروط الخصم. لكن ما حدث هو العكس: إيران نقلت المواجهة من سؤال “من يضرب أكثر؟” إلى سؤال “من يحتمل الكلفة الأطول؟”. فالهجمات امتدت إلى الخليج، وأسهمت في إبقاء خام برنت فوق 100 دولار للبرميل، مع استمرار الضغط على الملاحة في هرمز، بينما استمرت الضربات المتزامنة من جبهات أخرى، خصوصًا لبنان والعراق.
كذلك، أظهرت الحرب أن الردع الإيراني لم يعد قائمًا فقط على المركز الإيراني، بل على شبكة موزعة
. فقد نفذ حزب الله أكبر رشقة له في هذا النزاع بالتزامن مع ضربات إيرانية، وصعّدت فصائل عراقية هجماتها على أهداف أميركية ومنشآت طاقة، بينما بقي الحوثيون عاملًا قابلًا لإعادة التفعيل.
هذا يعني أن إيران، حتى وهي تحت النار المباشرة، ما زالت قادرة على إنتاج “أثر إقليمي” يتجاوز حدودها الوطنية.
ومن زاوية أخرى، فاجأت إيران خصومها أيضًا برفضها السياسي لوقف إطلاق نار مجاني. فالمواقف المعلنة والمتسربة هذا الأسبوع تشير إلى أن طهران لا تريد مجرد تهدئة مؤقتة، بل تريد ضمانات بعدم تكرار الهجوم الأميركي أو الإسرائيلي، مع طرح مسألة التعويضات. هذا يعني أن إيران تنظر إلى وقف النار كجزء من إعادة تعريف قواعد الاشتباك، لا كاستراحة محارب.
ثانيًا: خريطة الفواعل الدولية
1) الولايات المتحدة
الولايات المتحدة هي قاطرة القوة النارية في هذه الحرب. فقد أعلن الرئيس ترامب في مطلع مارس أن العمليات قد تستمر من أربعة إلى خمسة أسابيع أو أكثر، وفي 13 مارس قالت AP إن القوات الأميركية ضربت أكثر من 6,000 هدف منذ بدء العملية، مع خسائر أميركية بشرية وحوادث إسقاط أو سقوط طائرات خلال المعركة. هذا يعني أن واشنطن انتقلت من سياسة “الاحتواء” إلى الانخراط العملياتي المباشر واسع النطاق.
2) إسرائيل)
إسرائيل ترى الحرب فرصة لضرب العقدة المركزية لمحور إيران، لا إيران وحدها. ولذلك وسّعت عملياتها أيضًا في لبنان، ولوّحت بحملة طويلة ضد حزب الله، في وقت تواصل فيه عملياتها داخل غزة. هدفها الاستراتيجي ليس مجرد الرد، بل إعادة هندسة البيئة الأمنية المحيطة بها عبر تقليص قدرات إيران ووكلائها في وقت واحد.
3) إيران
إيران تقاتل بعقيدة: منع الهزيمة السياسية، حتى لو تعذر النصر العسكري المباشر. وهي توظف العمق الجغرافي، والقدرة الصاروخية والمسيّرات، ووكلاءها الإقليميين، إضافة إلى ورقة الطاقة والممرات البحرية. كما أن قيادتها الجديدة شددت علنًا على مواصلة الرد وعدم التراجع.
4) حزب الله والفصائل العراقية
هذان الفاعلان يشكلان جسر التمديد الإقليمي للحرب. حزب الله فتح جبهة إسناد أكثر وضوحًا لإيران، رغم الضربات التي تلقاها سابقًا، بينما كثفت فصائل عراقية ضربات الطائرات المسيّرة والصواريخ على قواعد ومصالح أميركية. وجودهما يمنع حصر الحرب في الداخل الإيراني وحده.
5) دول الخليج
الخليج ليس مجرد متفرج؛ لقد أصبح ساحة ضغط. فقد استهدفت إيران بنى ومجالات في دول خليجية، مع استمرار التهديد للملاحة والطاقة، وهو ما رفع الأسعار وزاد هشاشة الإقليم. وفي الوقت نفسه، كانت دول خليجية جزءًا من ترتيبات سياسية وتمويلية تخص غزة قبل أن تتعطل بفعل الحرب.
6) روسيا
روسيا تتحرك كقوة داعية إلى وقف الهجمات والتفاوض، مستفيدة من الحرب لإظهار عجز الغرب عن ضبط الإقليم. موقف موسكو حتى الآن ليس دخولًا مباشرًا في الحرب، بل استثمار دبلوماسي وسياسي في الاستنزاف الأميركي-الإسرائيلي.
ثالثًا: ثلاثة سيناريوهات حتى نهاية 2027
السيناريو الأول: احتواء متدرج بلا حسم
تتواصل الضربات شهورًا، ثم يفرض الإرهاق العسكري والاقتصادي مسار تهدئة غير معلنة أو ناقصة، من دون تسوية نهائية. في هذا السيناريو لا تنهار إيران، ولا تحقق واشنطن وتل أبيب نصرًا استراتيجيًا مكتملًا، بل تنشأ قواعد اشتباك جديدة أكثر خشونة. هذا هو السيناريو الأقرب لأن الوقائع الحالية تشير إلى كلفة مرتفعة على الجميع، مع سعي متزايد إلى مخارج تفاوضية مشروطة.
السيناريو الثاني: اتساع إقليمي ثم تجميد
في هذا السيناريو تتعمق الحرب أكثر في لبنان والعراق والخليج، وربما تعود جبهة البحر الأحمر بقوة، قبل أن تتدخل وساطات إقليمية ودولية لفرض تجميد النزاع. خطورته أنه يضاعف الكلفة الإنسانية والاقتصادية، لكنه يظل دون حرب شاملة تُسقط أنظمة أو تعيد رسم الخرائط فورًا. المؤشرات الحالية من تصعيد حزب الله، وضربات العراق، والضغط على الخليج تجعل هذا السيناريو ممكنًا جدًا.
السيناريو الثالث: كسر محور إيران جزئيًا مع بقاء الدولة
هذا السيناريو يقوم على نجاح واشنطن وتل أبيب في إنهاك البنية العسكرية والوكلاء الإقليميين بدرجة كبيرة، من دون إسقاط النظام الإيراني. النتيجة هنا ستكون إيران أضعف، لكنها أكثر تشددًا وأشد ميلًا إلى الردع غير المتماثل. وهو سيناريو ممكن إذا استمرت الضربات طويلة وتراجعت فعالية الوكلاء، لكنه ليس مضمونًا لأن الحرب أظهرت حتى الآن أن الشبكة الإيرانية ما زالت قادرة على العمل رغم الضربات.
رابعًا: موقع غزة وحماس داخل هذه الحرب الإقليمية
غزة ليست خارج الحرب؛ بل هي العقدة المؤجلة داخلها. فقد كشفت رويترز أن المحادثات الخاصة بخطة ترامب لغزة، بما فيها ملف نزع سلاح حماس، تعطلت مع بدء الحرب على إيران في 28 فبراير، رغم نفي البيت الأبيض حصول توقف كامل. هذا يعني أن الحرب الإقليمية أعادت تجميد مشروع “اليوم التالي في غزة”، أو على الأقل أخّرته.
أما حماس، فموقعها أصبح أكثر تعقيدًا. من جهة، استمرار الحرب مع إيران يمنحها هامش بقاء؛ لأن الأولوية الأميركية-الإسرائيلية تتحول نحو الجبهة الإيرانية، ولأن ترتيبات ما بعد الحرب في غزة تتأجل. ومن جهة أخرى، فإن أي تسوية إقليمية لاحقة قد تعيد ملف غزة إلى الطاولة تحت عنوان: نزع السلاح، إعادة الإعمار، وترتيبات حكم جديدة. كما أن رويترز كانت قد ذكرت سابقًا أن حماس أبدت استعدادًا لمناقشة نزع السلاح داخل إطار فلسطيني أوسع، وأنها سعت للاحتفاظ بدور أمني/شرطي داخل إدارة جديدة لغزة.
بمعنى أدق:
الحرب الإقليمية منحت حماس وقتًا، لكنها لم تمنحها حلًا
فإذا انتهت الحرب باحتواء وتسوية، سيعود الضغط على الحركة بقوة ضمن مشروع سياسي-أمني جديد لغزة. وإذا طال الاستنزاف الإقليمي، فقد تستفيد حماس من تعطيل مشروع تصفيتها السياسية، لكن ضمن بيئة إنسانية أكثر قسوة وانهيارًا.
خلاصة الفصل
الدرس الأهم في هذه المرحلة هو أن إيران لم تفاجئ خصومها بتفوق عسكري كلاسيكي، بل بقدرتها على تحويل الضعف النسبي إلى ردع موزع. لقد أثبتت أن الحرب الحديثة في الشرق الأوسط لا تُحسم فقط بالطائرات والقنابل، بل أيضًا بالقدرة على تشتيت الجبهات، ورفع الكلفة الاقتصادية، وإبقاء الخصم داخل حرب مفتوحة بلا نهاية نظيفة.
أما غزة، ففي قلب هذه المعادلة، لا على هامشها. فكلما تمددت الحرب مع إيران، تأخر الحسم في غزة. وكلما اقتربت التسوية الإقليمية، عاد ملف غزة وحماس بوصفه الاستحقاق التالي: من يحكم؟ من ينزع السلاح؟ ومن يعيد تعريف معنى المقاومة والشرعية بعد طوفان الأقصى؟






