من الحرب على إيران إلى هندسة الفوضى الإقليمية: هل تدخل المنطقة طور “حرب الهويات”؟

المهندس اسماعيل الاشقر
أولًا: تمهيد تحليلي
في ظل التصعيد المتسارع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برز تصريح لافت لرئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، حذّر فيه من أن مآلات هذه الحرب قد تتجاوز الهدف المعلن (البرنامج النووي الإيراني)، لتصل إلى سيناريو أخطر يتمثل في إشعال صراعات بين الأتراك والأكراد والعرب والفرس.
هذا التصريح لا يمكن قراءته كخبرٍ استخباراتي مباشر، بل كـ إنذار استراتيجي عالي المستوى يعكس قراءة مؤسسية لمسار الحرب، وليس مجرد توصيف لواقع قائم.
ثانيًا: طبيعة الصراع – من المواجهة إلى التفكيك
1️⃣ المستوى الظاهر
• تحجيم البرنامج النووي الإيراني
• تقليص القدرات الصاروخية
• ردع النفوذ الإقليمي
2️⃣ المستوى العميق (غير المعلن)
• نقل الصراع من “دولة ضد دولة” إلى “مجتمعات ضد بعضها”
• تفكيك البيئة الإقليمية بدل حسمها عسكريًا
• تحويل الحرب إلى حالة استنزاف ممتد
وهنا ننتقل من مفهوم الحرب التقليدية إلى ما يمكن تسميته:
👉 “هندسة الفوضى الإقليمية”
ثالثًا: منطق الاستخبارات في قراءة المشهد
تصريحات مستوى جهاز الاستخبارات الوطنية التركية لا تُبنى على التخمين، بل على:
• تجميع مؤشرات متفرقة (عسكرية، سياسية، إعلامية)
• تحليل أنماط سابقة في إدارة الصراعات
• استشراف المسارات الأكثر احتمالًا
وبناءً عليه، فإن التحذير التركي يشير إلى:
👉 ليس وجود “خطة معلنة”
بل وجود مسار خطير يتشكل تدريجيًا
رابعًا: كيف يمكن أن تتحول الحرب إلى “حرب هويات”؟
إذا استمر التصعيد، فإن احتمالات التفكك قد تتخذ المسارات التالية:
1️⃣ تفجير التناقضات القومية
• الأكراد vs الدول المركزية
• العرب vs النفوذ الإيراني
• الأتراك vs التمدد الكردي
2️⃣ إعادة تفعيل الصراعات الطائفية
• سنّي/شيعي
• عربي/فارسي
3️⃣ الضغط على الداخل الإيراني
• تنوع قومي قابل للاشتعال في ظل الحرب
خامسًا: الأهداف الاستراتيجية المحتملة
يمكن قراءة سلوك الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن ثلاثة مستويات:
✔️ عسكريًا:
• ضرب البنية النووية والقدرات الردعية
✔️ إقليميًا:
• تقليص نفوذ إيران في بؤر التماس
✔️ استراتيجيًا:
• منع ظهور قوة إقليمية مهيمنة
• إبقاء المنطقة في حالة توازن هش قابل للإدارة
سادسًا: الموقف التركي – قراءة أمنية لا سياسية فقط
ترى تركيا أن هذا السيناريو يشكل تهديدًا مباشرًا لها:
• احتمال تصاعد النزعة الكردية المسلحة
• امتداد الفوضى إلى حدودها
• تفكك البيئة الإقليمية المحيطة
لذلك، فإن تصريح إبراهيم قالن يمثل:
👉 تحذيرًا استباقيًا
👉 ومحاولة لكسر المسار قبل اكتماله
سابعًا: التقدير الأقرب (Core Assessment)
إذا توسعت الحرب:
• لن تبقى مواجهة بين دول
• بل ستتحول تدريجيًا إلى:
🔴 حرب إقليمية متعددة الهويات
• قومية
• طائفية
• جيوسياسية
🔴 صراع طويل الأمد
• يصعب احتواؤه
• تتعدد جبهاته
• يتجاوز الفاعلين الرسميين
ثامنًا: مصفوفة المخاطر
المجال مستوى الخطر المآلات
عسكري مرتفع توسع الضربات الإقليمية
سياسي مرتفع انهيار توازنات دول
مجتمعي شديد الخطورة صراعات داخلية
استراتيجي حرج إعادة تشكيل المنطقة
تاسعًا: مؤشرات الإنذار المبكر
• تصاعد الخطاب القومي/العرقي في الإعلام
• تحركات غير اعتيادية للفواعل غير الدولتية
• توسع رقعة الاشتباك خارج إيران
• زيادة الاحتكاك التركي–الكردي
• اضطرابات داخلية في دول متعددة
🔴 الخلاصة الاستراتيجية
الخطر الحقيقي لا يكمن في الحرب نفسها، بل في ما بعدها.
فإذا فُتحت بوابة الصراع على مصراعيها، فإن المنطقة قد لا تتجه نحو حربٍ تقليدية تنتهي بتسوية، بل نحو تفكك طويل المدى يعيد إنتاج الصراعات بين شعوبها.
لم يكن التحذير التركي كشفًا لخطة مكتوبة، بل قراءة لمسارٍ يتشكل…
مسارٍ إذا لم يُكبح، فلن يُبقي الحرب بين إيران وخصومها،
بل سيحوّلها إلى حرب بين مكونات المنطقة نفسها.
وعندها…
لن يكون السؤال: من انتصر؟
بل: من بقي واقفًا أصلًا.






