مقالات

حين تتكلم البنادق

طرقتُ باب التاريخ مرةً أخرى.

لم أحمل هذه المرة سؤالًا عن معركةٍ انتصر فيها قوم، ولا عن مدينةٍ سقطت، ولا عن إمبراطوريةٍ زالت.

كنت أبحث عن سنةٍ من سنن الله، كلما قرأت التاريخ رأيت آثارها، ولم أرها تتخلف مرةً واحدة.

فتح الشيخ العتيق الباب، وكأنه كان ينتظرني.

ابتسم وقال:

أحسب أنك عدت لتسأل عن القلاع.

قلت:

بل جئت أسألك عما بقي بعد القلاع.

أريد أن أحدثك اليوم عن البنادق.

نظر إليّ طويلًا، ثم قال:

أخشى أنك ما زلت تنظر إلى الحديد.

تعال… فلعل التاريخ يعلمك أن تنظر إلى ما وراء الحديد.

دخلت معه إلى مكتبته الواسعة.

كانت الرفوف مزدحمة بالكتب، إلا رفًا واحدًا بقي خاليًا.

تقدمت نحوه، فإذا لوحة صغيرة كُتب عليها:

“أسباب القوة التي فرطت بها الأمم… فلم تستطع استردادها.”

وقفت مدهوشًا.

قلت:

وأين الكتب؟

تنهد الشيخ، وقال:

بحثت عنها طويلًا…

فلم أجدها.

قلت:

كيف؟

قال:

لأنني لم أرَ في حياتي أمةً فرطت طوعًا في أسباب عزتها، ثم استطاعت أن تستعيدها بالسهولة التي فقدتها بها.

قد تستعيد أرضًا.

وقد تعيد بناء مدينة.

وقد تعوض خسارةً في المال.

لكن أسباب القوة إذا ضاعت باختيار أصحابها، كان طريق العودة إليها طويلًا، وثمنه باهظًا.

ثم أغلق الرف، وقال:

احفظ هذا المشهد جيدًا…

فإن كثيرًا من صفحات التاريخ تبدأ من هنا.

وسرنا حتى وقفنا أمام بابٍ عظيم من خشبٍ قديم.

دفعه ببطء.

فصدر عنه صوتٌ يشبه أنين القرون.

دخلت خلفه.

فرأيت قاعةً هائلة، تمتد حتى يغيب آخرها عن البصر.

صفوفًا من الدبابات.

وطائراتٍ رابضة.

ومدافع صامتة.

وصناديق ذخيرة مغلقة.

لكن شيئًا واحدًا كان يغطيها جميعًا…

طبقة كثيفة من الغبار والصدأ.

مددت يدي إلى إحدى المدرعات، فلما مسحت الغبار عنها، بقي الصدأ عالقًا بأصابعي.

التفتُّ إليه، وسألته:

لمن كانت هذه؟

مرر يده على الحديد البارد، وقال:

كانت لأممٍ امتلكت من أسباب القوة ما حسبت أنه يكفي لحماية وجودها.

قلت:

فلماذا انتهى بها الأمر إلى هذا الصمت؟

ابتسم ابتسامةً حزينة، وقال:

لأنها ظنت أن امتلاك السلاح يغني عن امتلاك الإنسان.

ونسيت أن الحديد لا يحمل نفسه.

ولا يضغط زناده.

ولا يثبت ساعة الشدة.

فالذي يقاتل ليس السلاح…

بل القلب الذي يحمله، والعقل الذي يحسن توجيهه، والإيمان الذي يمنحه معنى.

ثم سكت.

وكان صمته أبلغ من حديث طويل.

وقال:

تعال…

فما رأيته هنا ليس إلا نصف الحكاية.

 

خرجنا من القاعة، وأغلق التاريخ بابها خلفه.

وسرنا في طرقاتٍ ضيقة، حتى خُيِّل إليَّ أننا خرجنا من عالمٍ إلى عالم.

لم يعد هناك بريق الحديد، ولا صفوف الآليات، ولا صمت المخازن.

بل سمعت صوت مطرقةٍ يضرب الحديد.

ورأيت شررًا يتطاير من ورشةٍ صغيرة، يكاد بابها لا يتسع لرجلين.

دخلنا.

فإذا بشيخٍ انحنى ظهره، يصلح بندقيةً قديمة.

وبجواره شابٌ ينفخ في النار، وآخر يصقل قطعةً من الحديد بيديه.

لم تكن هناك آلاتٌ ضخمة.

ولا خطوط إنتاج.

ولا شيء يدل على مصانع الدول.

مجرد أيدٍ متعبة…

وعيونٍ لا تعرف اليأس.

وقفت أنظر إليهم، ثم التفت إلى التاريخ وقلت:

أهذه الورشة تقف في مواجهة تلك الترسانة التي رأيناها؟

فضحك الشيخ، وقال:

لو كانت المعارك تُحسم بالحديد وحده، لما بقي لهذه الورشة أثر.

ثم اقترب من الشيخ الذي كان يصلح البندقية، وأخذها من يده.

رفعها أمامي وقال:

انظر…

هذه البندقية قد يراها بعض الناس قطعةً قديمة من الحديد.

وقد يقول آخرون: لقد تجاوزها الزمن.

لكن التاريخ لا يقيس الأشياء بأعمارها…

بل بما تحمله من معانٍ.

ثم أعادها إلى مكانها، وقال:

لقد رأيت في حياتي ترساناتٍ كاملةً أكلها الصدأ، لأنها فقدت الرجال الذين يعرفون لماذا يحملونها.

ورأيت بنادق متواضعة، صنعت بإمكاناتٍ يسيرة، لكنها بقيت حية؛ لأن وراءها رجالًا حملوا أرواحهم قبل أن يحملوا سلاحهم.

فالقضية، يا بني، ليست في قطعة الحديد…

بل في اليد التي تقبض عليها، وفي القلب الذي يوجهها.

ثم أخرج من جيبه مصحفًا صغيرًا، وفتحه على صفحةٍ أعرفها.

وقرأ:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾.

ثم أغلق المصحف، وسألني:

عند أي كلمة توقفت؟

قلت:

عند كلمة “قوة”.

ابتسم، وقال:

أما أنا، فتوقفت عند قوله:

﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.

ثم أردف:

لأن الله لم يكلف الأمة أن تملك كل أسباب القوة.

لكنه لم يرخص لها أن تفرط فيما تستطيع أن تعده.

فالفرق كبير بين من يعجز عن شيء، وبين من يتركه باختياره.

العجز ابتلاء…

أما التفريط فقرار.

ثم أعاد فتح المصحف، وأكمل الآية:

﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.

وسكت.

قلت:

ولماذا سكت؟

قال:

لأن كثيرًا من الناس يظنون أن غاية القوة هي القتال.

ولو تدبروا الآية، لعلموا أن أول مقاصدها هو الردع.

فالعدو إذا علم أن وراء الحق قوةً تحميه، أعاد حساباته قبل أن يعتدي.

ولهذا لم يجعل القرآن القوة نقيضًا للسلام.

بل جعلها حارسةً له.

ثم تلا بهدوء:

﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾.

ثم قال:

أرأيت؟

السلام الذي يحرسه ميزان قوة، يختلف عن سلامٍ يولد من العجز.

الأول اختيار.

والثاني اضطرار.

الأول يحفظ الكرامة.

والثاني يبقي صاحبه ينتظر متى يقرر الأقوى أن يغير شروطه.

ثم أخذني من يدي، وعاد إلى الخريطة الكبيرة المعلقة على الجدار.

لكنني هذه المرة لم أر حدود الدول…

بل رأيت آثارًا غائرة في أماكن كثيرة.

قال:

اقترب.

اقتربت.

فقال:

هذه ليست علامات على الخرائط…

هذه جروح في جسد التاريخ.

كل واحدة منها بدأت بالكلمة نفسها:

“تخلوا عن أسباب قوتكم… ثم ستنعمون بالأمن.”

ثم مضى الزمن…

وبقيت الجراح.

ثم وضع إصبعه على الخريطة، وقال:

لقد اختلفت أسماء البلدان.

واختلفت الرايات.

لكن القصة لم تختلف.

كل قوةٍ طامعة تبدأ بمحاولة انتزاع عناصر القوة من خصمها.

فإن عجزت عن أخذها بالقوة…

طلبتها بالمفاوضات.

فإن لم تنجح…

بحثت عن طريقٍ آخر.

ثم التفت إليَّ فجأة، وقال:

يا بني…

إذا كانت أسباب القوة لا قيمة لها كما يقال…

فلماذا كانت أول ما يطالب به الأقوياء من خصومهم؟

ولماذا لم أرَ في حياتي دولةً قويةً بدأت بنفسها، فتخلت عن عناصر قوتها، ثم دعت غيرها إلى أن يحذو حذوها؟

ظل السؤال معلقًا في الهواء…

لكنني شعرت أن التاريخ لم يكن ينتظر مني جوابًا.

لأنه كان يعلم…

أن الجواب يسكن السؤال نفسه.

 

لم يتكلم التاريخ بعد ذلك.

طوى الخريطة ببطء، وأعادها إلى مكانها.

ثم سار حتى بلغ رفًا في آخر المكتبة، لم يكن يشبه بقية الرفوف.

كانت كتبه قليلة…

لكن آثار الاستعمال بادية عليها، كأنها لا تغيب عن يده طويلًا.

مد يده إلى كتابٍ عتيق، ثم نفخ عن غلافه شيئًا من الغبار.

وكان عنوانه:

“حمراء الأسد”.

ناولني الكتاب، وقال:

اقرأ عنوانه أولًا…

ثم انظر إلى ما وراءه.

فتحت الصفحة الأولى.

ولم أجد وصفًا لمعركة.

ولا تعدادًا للقتلى.

ولا حديثًا عن الغنائم.

بل وجدت رجلًا يضمد جراحه، ثم ينهض.

ورجلًا فقد أخاه، ثم يحمل سلاحه.

ورجلًا لم يجف دمه بعد، لكنه يتهيأ للمسير.

رفعت رأسي متعجبًا.

قلت:

أهذه قصة حمراء الأسد؟

قال:

لا…

هذه قصة الإنسان الذي رفض أن تكون الهزيمة آخر صفحة في تاريخه.

ثم جلس إلى جواري، وقال:

لقد فهم كثير من الناس أُحد على أنها نهاية مشهد.

أما محمد ﷺ، فلم يرها إلا بداية امتحانٍ جديد.

كان يعلم أن الجراح تلتئم.

وأن السلاح يمكن أن يعوض.

لكن الشيء الذي إذا انكسر صعب جبره…

هو روح الأمة.

ولهذا لم ينتظر حتى تهدأ النفوس.

ولم يقل:

دعوا الناس ينسون ما جرى.

بل خرج في اليوم التالي مباشرة، بمن بقي معه من أصحابه.

خرج بالجراح نفسها.

وبالثياب نفسها.

وبالقلوب التي أنهكها الألم.

قلت:

ولماذا استعجل؟

قال:

لأنه لم يكن يطارد جيش قريش فقط…

كان يطارد الهزيمة قبل أن تستقر في النفوس.

ثم أغلق الكتاب، وقال:

تذكر يا بني…

قد يخسر الجيش جولةً، ثم ينتصر.

لكن إذا خسرت الأمة ثقتها بنفسها…

طال طريق العودة.

ولهذا لم يشأ القرآن أن يترك أُحد آخر صورة في ذاكرة المؤمنين.

بل أنزل بعد ذلك قوله تعالى:

﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾.

فأدركت أن القرآن لا يعالج نتائج المعارك فحسب…

بل يعالج آثارها في القلوب.

ثم ساد الصمت.

ولأول مرة شعرت أن الشيخ لا ينظر إليَّ…

بل ينظر عبر القرون.

ثم قال:

لقد رأيت أممًا خسرت مدنًا…

ثم استعادت مدنها.

ورأيت أممًا فقدت سلاحها…

ثم صنعت سلاحًا غيره.

ورأيت حضاراتٍ أحرقت كتبها…

ثم عادت فكتبت من جديد.

لكنني…

لم أرَ أمةً ماتت إرادتها…

ثم استطاعت أن تستعيد كل شيء.

عندها فهمت…

أن معركة الطغاة الكبرى لم تكن يومًا مع قطعة الحديد.

بل مع الإنسان الذي يحملها.

فإذا أقنعوه أن أسباب عزته عبءٌ عليه…

وأن وسائل حمايته هي سبب بلائه…

وأن طريق الأمن يبدأ بالتخلي عما أمر الله أن يعده…

فقد ربحوا المعركة قبل أن تبدأ.

ثم نهض التاريخ.

وأعاد كتاب “حمراء الأسد” إلى مكانه.

وأخذ البندقية القديمة التي رأيتها أول دخولي المكتبة.

تأملها قليلًا…

ثم أعادها إلى الرف.

قلت له:

يا شيخ…

أهذه كل الحكاية؟

ابتسم، وقال:

لقد ظننت طوال الرحلة أنني أحدثك عن البندقية.

وما كنت أحدثك إلا عن الإنسان.

وظننت أنني أحدثك عن الحديد.

وما كنت أحدثك إلا عن الإرادة.

ثم فتح باب المكتبة.

فهممت بالخروج.

وقبل أن أعبر العتبة، ناداني بصوتٍ هادئ:

يا بني…

احفظ عني كلمةً واحدة.

إن الأمم لا تُهزم حين يقل سلاحها…

ولا حين تكثر جراحها…

ولا حين يشتد حصارها…

بل تُهزم حين تفقد يقينها، وتقتنع أن أسباب عزتها أصبحت عبئًا عليها.

وعندها…

لا يحتاج عدوها أن ينتزع منها سلاحها…

لأنها ستضعه بيدها على الأرض.

خرجت من المكتبة…

لكنني حين التفت خلفي، رأيت البندقية ما تزال في مكانها.

وأدركت أخيرًا…

أنها لم تكن بطلة القصة.

بل كانت رمزًا لسنةٍ من سنن الله لا تتغير:

أن القوة في ذاتها ليست غاية، وإنما أمانة، وأن الأمة التي تحسن إعداد أسبابها، وتحسن استعمالها، وتحفظ بها حقها وقرارها، تكون قد امتثلت أمر ربها، قبل أن تمتثل لحسابات التاريخ.

✍️ د. وائل علي فرج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى