بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
*لا تبخسوا الناس أشياءهم… حين يكشف البخس ما في القلوب*
ثلاث كلمات فقط، لكنها تختصر جانبًا عظيمًا من أخلاق التعامل بين الناس:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
لا تبخسوا… الناس… أشياءهم.
ثلاث كلمات، لو تحولت من آية نقرؤها إلى خُلُق نعيشه، لتغيّر كثير من بيوتنا وعلاقاتنا وخلافاتنا.
﴿وَلَا تَبْخَسُوا﴾
البخس ليس مجرد أن تأخذ مال إنسان أو تسلبه حقًا ظاهرًا، بل هو أن تنقص الشيء من قدره، وتقلل من قيمته، وتعطي صاحبه أقل مما يستحق.
ولهذا قد يكون البخس في المال، وقد يكون في الجهد، والفضل، والموقف، والكرامة، والتقدير.
أن ترى الخير فلا تعترف به لأنك لا تحب صاحبه: بخس.
أن تنسب جهد إنسان إلى غيره: بخس.
أن تختزل سنوات من العطاء في خطأ واحد: بخس.
أن تقلل من شأن إنجاز لأنه صدر عمن تختلف معه: بخس.
فالبخس قد يقع باليد، وقد يقع بالكلمة، وقد يقع بالصمت حين يكون المقام مقام إنصاف واعتراف.
ولكن هناك معنى أعمق:
البخس لا يبدأ دائمًا من اليد أو اللسان… فقد يبدأ من القلب.
فقد تدفع إليه أمراض القلوب: الحسد، والكبر، والهوى، والخصومة.
ولعل الحسد من أخطرها؛ لأن الحاسد يثقل عليه أن يرى نعمة أو نجاحًا عند غيره، فيحاول أن يصغّرها في أعين الناس.
إن نجح إنسان قال: الظروف خدمته.
وإن أبدع قال: الأمر ليس بتلك الأهمية.
وإن أحسن قال: غيره أفضل منه.
وإن أثنى الناس عليه فتّش عن عيب يطفئ به نور فضله.
فالمشكلة ليست دائمًا في أن العمل صغير، بل قد تكون في قلب لا يحتمل أن يراه كبيرًا.
والحاسد إن عجز أن يسلبك إنجازك، حاول أن يسلبك قدره في أعين الناس.
وهنا يصبح البخس ترجمةً لما في القلب.
ولذلك من علامات الإنصاف أن تستطيع الاعتراف بفضل إنسان حتى وأنت تختلف معه؛ لأن الإنصاف لا يسأل أولًا: مَن صاحب العمل؟ بل يسأل: ما قيمة العمل؟
فلا تجعل ما في قلبك يغيّر حقيقة ما للناس.
ثم قال: ﴿النَّاسَ﴾
ولم يقل: المؤمنين.
ولا الأقربين.
ولا الذين تحبون.
قال:
﴿النَّاسَ﴾.
وهنا تتسع دائرة الإنصاف.
فلا تجعل محبتك لإنسان سببًا في أن تعطيه ما ليس له، ولا تجعل خصومتك مع آخر سببًا في أن تسلبه ما هو له.
وهذا ميزان قرآني عجيب:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
فالعدل الحقيقي لا يظهر فقط عندما تنصف من تحب؛ بل يظهر بصورة أوضح عندما تنصف من تختلف معه.
أن تقول عن خصمك: أخطأ هنا، لكنه أصاب هناك.
أن ترفض باطله دون أن تنكر حقه.
أن تختلف معه دون أن تمحو فضله.
ذلك هو الإنصاف.
فالحسد يريد منك أن تُصغِّر، والهوى يريد منك أن تميل، والخصومة تريد منك أن تجحد… أما التقوى فتأمرك أن تعدل.
ثم تأتي الكلمة الأوسع: ﴿أَشْيَاءَهُمْ﴾
لم يقل: أموالهم فقط.
ولم يقل: حقوقهم فقط.
بل قال:
﴿أَشْيَاءَهُمْ﴾.
وكأن التعبير يفتح الباب لكل ما للإنسان مما ينبغي ألا يُنقص من قدره:
جهده، ووقته، وفضله، وعطاؤه، وكرامته، وفكرته، وموقفه، وما أصاب فيه، وما قدّمه من خير.
فكم من إنسان لا يريد منك مالًا ولا منصبًا، وإنما يريد ألا يضيع جهده في عينيك، وأن يشعر أن ما يفعله مرئيٌّ ومقدَّر.
فلا تبخس زوجتك ما تبذله في بيتها وأسرتها بحجة أن ذلك واجب.
ولا تبخس زوجك سعيه وتعبه وتحمله للمسؤولية بحجة أنه واجب.
ولا تبخس ابنك محاولته لأنه لم يصل بعد إلى النتيجة التي تريدها.
ولا تجعل خطأ ابنتك مرةً يمحو ما فيها من خير.
ولا تبخس موظفًا أتقن عمله لأنك اعتدت إتقانه.
ولا معلّمًا أثره، ولا طبيبًا جهده، ولا عاملًا تعبه، ولا كبيرًا سنوات عطائه.
وأصعب من ذلك كله:
لا تبخس خصمك صوابه لأنك تختلف معه.
تخيّلوا لو تحولت هذه الآية إلى خُلُق يومي.
بيتٌ لا يشعر فيه أحد أن جهده غير مرئي.
وأبناءٌ لا يكبرون وهم شعرون أن آباءهم لا يرون إلا أخطاءهم.
وأزواجٌ لا يحوّل الخلاف بينهم سنوات العِشرة إلى صفحة سوداء.
ومدرسةٌ يُقدَّر فيها الطالب على محاولته، والمعلم على عطائه.
ومكان عمل لا تُسرق فيه الجهود ولا تُنسب الإنجازات إلى غير أصحابها.
ومجتمعٌ لا يجعل الاختلاف سببًا لإلغاء الإنسان.
كم سيقل الشعور بالظلم؟
وكم ستخف الخصومات؟
وكم ستكبر الثقة بين الناس؟
فكثير من الناس لا يؤلمهم فقط أن تؤخذ أموالهم، بل يؤلمهم أيضًا أن يُؤخذ قدرهم.
ومن هنا يبدأ السلام بين الناس.
فالسلام ليس فقط أن تصمت المدافع ويغيب السلاح؛ بل يبدأ قبل ذلك بكثير:
حين يتوقف الإنسان عن انتقاص الإنسان.
حين أعترف لك بما لك، وإن اختلفت معك فيما عليك.
وحين تحفظ لي حقي، وإن لم توافقني.
وحين لا تتحول الخصومة إلى ظلم، ولا المحبة إلى محاباة، ولا الحسد إلى بخس.
ختامًا…
ثلاث كلمات فقط:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
لا تجعلوا محبتكم تزيد الناس ما ليس لهم.
ولا تجعلوا خصومتكم تنقصهم ما هو لهم.
ولا تجعلوا حسدًا في القلب يصغّر عظيمًا، أو يجحد فضلًا، أو يمحو إحسانًا.
أعطوا الناس أشياءهم كما هي، لا كما يصورها الهوى في قلوبكم.
فلعل بعض السلام الذي نبحث عنه بعيدًا يبدأ من مكان قريب جدًا:
من الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان الذي أمامنا.
✍️ د. وائل علي فرج
Post Views: 58
أقرأ التالي
أغسطس 23, 2026
التحالف الوطني الفلسطيني المُوحد
أغسطس 23, 2026
وعود الله… ومفاتيحها في أيدينا
أغسطس 20, 2026
لقاء الحيّة-كوشنير.. عشر نقاط على الهامش
أغسطس 20, 2026
﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾… لماذا «لنا» وليس «علينا»؟
أغسطس 17, 2026
حين غابت العيون… قال ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾
أغسطس 8, 2026
كيف لا تكون من الذين لا يحبهم الله؟
أغسطس 6, 2026
حصر السلاح.. بين سدِّ الذرائع وترتيب الأولويات
أغسطس 5, 2026
حين تتكلم البنادق
أغسطس 1, 2026
حين يتكلم الزمن
يوليو 30, 2026
حين يعظم القرآن خطر الهوى
زر الذهاب إلى الأعلى