بسم الله الرحمن الرحيم
على رِسلكم، يا أهل اليمن الحبيب
أحبّتنا أهل اليمن، اعذرونا إن قصّرنا في معرفة آلامكم، أو تأخرنا في إدراك حجم ما تعانون؛ فقد شغلتنا جراحنا المتلاحقة، وضاقت بنا الأيام تحت وطأة القتل والحصار والتهجير. وما كان انشغالنا عنكم جفاءً، ولا صمتنا تجاه معاناتكم استخفافًا بوجعكم.
منذ طفولتنا عرفنا بلادكم باسم «اليمن السعيد»، وعرفنا فيكم أشقاء كرماء، يحملون لفلسطين المحبة، ويقفون مع شعبها في الشدائد. وحين اشتدّ التراجع العربي، واتّسعت دوائر التخلّي عن قضيتنا، ظلّت مواقف الشعب اليمني وتضامنه حاضرة في وجداننا، لا ننكرها ولا ننساها.
لقد تعرّض شعبنا في غزة لقتل ودمار يفوقان الوصف؛ ففقد عشرات الآلاف من أبنائه، وبينهم أعداد هائلة من الأطفال والنساء، ودُمّرت البيوت والمستشفيات والمدارس والجامعات ومقومات الحياة. وتدفّقت الأسلحة إلى الاحتلال، فيما كان أهلنا يواجهون الموت والجوع والنزوح، ويتمسكون بحقهم في الحياة والحرية والكرامة.
أراد الاحتلال أن يسحق إرادة غزة، وأن يجعل خرابها طريقًا إلى إخضاع أهلها، لكن أهل غزة، بما يحملونه من كرامة وإباء، ظلّوا متمسكين بدينهم ووطنهم وحقوقهم. وإننا لنرجو أن ينتهي الاحتلال، وأن ينال شعبنا حريته، مهما طال الطريق وعظمت التضحيات.
يا أهل اليمن الأعزاء، يا أهل الحكمة والإيمان والكرم، كيف ننسى من واسانا في محنتنا؟ وكيف نقبل أن تتحول جراحنا إلى سبب لتجاهل جراحكم؟ إن الوفاء يقتضي أن نسمعكم، وأن نتفهّم آلامكم، وأن نقول بوضوح: إن تضامن أي جهة مع فلسطين لا يمنحها حق ظلم اليمنيين، ولا يبرّر الاعتداء على حياتهم وحرياتهم وكرامتهم.
ومن هنا، فإن تقديرنا لكل موقف صادق يساند شعبنا لا يعني إقرارنا بكل سياسات أصحابه وممارساتهم. وموقفنا من الحوثيين، كما من غيرهم، ينبغي أن يقوم على ميزان العدل: نُقدّر الموقف الذي ينصر المظلوم، ونرفض القمع والاعتقال والتنكيل والتحريض المذهبي، أيًّا كان مرتكبه. فنصرة فلسطين لا تُسقط حقوق أهل اليمن، ودم الفلسطيني لا يجعل دم اليمني أقل حرمة.
ونرفض أن تُتخذ دعوى الانتساب إلى آل البيت أساسًا لاحتكار الحكم أو الانتقاص من حقوق الناس. فمحبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها محفوظ في قلوبنا، وهي لا تتعارض مع محبة صحابته وتوقيرهم، ولا تمنح أحدًا عصمةً أو تفويضًا لظلم الناس. كما نرفض الإساءة إلى الصحابة، وتكفير المسلمين، واستهداف العلماء والمخالفين بسبب معتقداتهم أو آرائهم.
ونحن نعتز بانتمائنا إلى أهل السنة والجماعة، ونرى في هذا الاعتزاز مسؤوليةً للتمسك بالعدل والرحمة وصون الدماء. ولا نحمل أبناء مذهبٍ بأكملهم مسؤولية أفعال جماعة سياسية أو مسلحة؛ فالناس يُحاسَبون على أعمالهم، ولا يجوز أن تصبح الهوية المذهبية ذريعة للعداء أو العقاب الجماعي.
أحبّتنا في اليمن، اعذرونا على ما فاتنا من فهم معاناتكم، وأعينونا على معرفتها كما عشتموها. إننا نتطلع إلى يمن موحّد، عزيز، آمن، يتساوى أبناؤه في الحقوق والواجبات، ويختارون مستقبلهم بعيدًا عن القهر والاستعلاء والتدخلات الخارجية.
سلامٌ على اليمن وأهله، ورحمةٌ لضحاياه، وشفاءٌ لجرحاه، وفرجٌ لمظلوميه. نسأل الله أن يجمع قلوبنا على الحق والعدل، وأن يجعل تضامننا وفاءً للإنسان المظلوم في فلسطين واليمن وفي كل مكان.
اخوكم
م إسماعيل الأشقر
ابن مخيم جباليا -غزة فلسطين
عضو المجلس التشريعي
ورئيس المركز العربي للبحوث والدراسات
التاريخ31-10-2026
Post Views: 32
أقرأ التالي
أغسطس 29, 2026
لا تبخسوا الناس أشياءهم… حين يكشف البخس ما في القلوب
أغسطس 26, 2026
سورة الأحزاب… حين يكون تكريم النبي ﷺ منهجًا للأمة
أغسطس 23, 2026
التحالف الوطني الفلسطيني المُوحد
أغسطس 23, 2026
وعود الله… ومفاتيحها في أيدينا
أغسطس 20, 2026
لقاء الحيّة-كوشنير.. عشر نقاط على الهامش
أغسطس 20, 2026
﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾… لماذا «لنا» وليس «علينا»؟
أغسطس 17, 2026
حين غابت العيون… قال ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾
أغسطس 8, 2026
كيف لا تكون من الذين لا يحبهم الله؟
أغسطس 6, 2026
حصر السلاح.. بين سدِّ الذرائع وترتيب الأولويات
أغسطس 5, 2026
حين تتكلم البنادق
زر الذهاب إلى الأعلى