مقالات

سورة النحل…سنة سقوط البنيان من القواعد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

ليست كل الانهيارات تبدأ من ظاهر الأشياء، فقد يبقى البناء قائمًا في أعين الناس، بينما تكون أصوله قد فقدت قدرتها على حمله. ولهذا يكشف القرآن سنة من سنن الله في سقوط الأمم والكيانات؛ أن البنيان إذا فسد أساسه، جاء سقوطه من داخله.

قال تعالى:

﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

هذه الآية لا تقف عند خبر أمم مضت، بل تكشف قانونًا ربانيًا ممتدًا؛ أن الباطل قد يطول بقاؤه، وقد يبدو قويًا، لكنه يحمل في داخله أسباب فنائه.

قال تعالى:

﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.

فالمكر قد ينجح في بدايته، وقد يمنح صاحبه شعورًا بالقوة والسيطرة، لكن سنة الله أن الإمهال لا يعني الإهمال، وأن الباطل لا يُترك لأنه قوي، وإنما يُمهل حتى تظهر حقيقته، وتقوم الحجة، ثم يأتي الأخذ في الوقت الذي يقدره الله.

ثم يأتي التعبير القرآني الدقيق:

﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾.

لم يبدأ السقوط من الأعلى، بل من الأسفل؛ لأن الخلل إذا أصاب الأساس لم ينفع جمال البناء، ولا ارتفاع السقف، ولا قوة المظهر.

وهنا ينتقل القرآن من صورة البناء المحسوس إلى سنة تحكم حياة الأفراد والأمم؛ فالقواعد التي يقوم عليها أي مجتمع ليست حجارة، وإنما هي القيم والمعاني التي تحفظ وجوده: الإيمان، والعدل، والأمانة، وصيانة الفطرة.

فإذا فسدت الأصول، بقيت المظاهر فترة من الزمن، لكن البناء يكون قد فقد سر بقائه.

ولهذا قال سبحانه:

﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾.

فلم يكن سقوطهم بسبب قوة جاءت من الخارج فقط، بل لأن الله جعل أسباب انهيارهم في داخل بنيانهم؛ فالظلم يضعف صاحبه، والفساد يستهلك أهله، ومحاربة سنن الله في النفس والمجتمع تحمل في داخلها بذور النهاية.

وهذه هي الرسالة التي تؤكدها سورة النحل؛ فهي سورة تذكير بالنعم، ودعوة إلى إقامة الحياة على شكر المنعم والوفاء بعهده. فمن أعرض عن مصدر النعمة، وبدل الفطرة، وأقام حياته على المكر والظلم، فقد بدأ بهدم القواعد التي يقوم عليها بقاؤه.

إن أخطر ما يهدد الأمم ليس قلة ما تملك، وإنما فساد ما تقوم عليه؛ فقد تمتلك أسباب القوة المادية، لكنها إذا فقدت القيم التي تحفظ تماسكها، أصبح ظاهرها أقوى من حقيقتها.

وهكذا تعلمنا سورة النحل أن السقوط الكبير يسبقه غالبًا سقوط خفي في القواعد؛ فإذا انهار الأساس لم يستطع السقف أن يبقى، ولو ظن الناس أنه راسخ.

سنة السورة:

إن الله لا يهدم البنيان الباطل عبثًا، بل يجعل فساد قواعده سبب سقوطه؛ فكل بناء يعاند سنن الله يحمل في داخله بذور فنائه، حتى يأتي وقت يخر فيه السقف على أهله من حيث لا يشعرون.

✍️ د. وائل علي فرج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى