الحركة الإسلامية والحرب في المنطقة: بين أخطاء إيران وخطر المشروع الصهيوني

اعداد المهندس اسماعيل الاشقر
لم يقتصر التوتر بين إيران وعدد من القوى السنية في المنطقة على العراق وسوريا فقط، بل امتد كذلك إلى دول أخرى، من بينها تركيا واليمن. فقد عانت تركيا خلال سنوات طويلة من توترات سياسية وأمنية مرتبطة بالصراع الإقليمي، كما انتقلت آثار الصراع إلى اليمن عندما دعمت إيران حركة الحوثيين، في مواجهة الحكومة اليمنية وقوى سياسية سنية، وعلى رأسها حركة الإصلاح. وقد أدى هذا الصراع إلى حرب طويلة ومعقدة، شاركت فيها قوى إقليمية مختلفة، أبرزها السعودية والإمارات، وتسببت في مآسٍ إنسانية كبيرة للشعب اليمني.
هذه التطورات جعلت كثيرًا من المراقبين يرون أن إيران ارتكبت أخطاءً استراتيجية كبيرة في تعاملها مع المجتمعات السنية في العراق وسوريا واليمن، وهو ما ترك آثارًا سلبية عميقة في الوعي السياسي لشعوب المنطقة. وقد استغل خصوم إيران هذه الأخطاء بصورة واسعة، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض القوى الغربية، حيث جرى تضخيم الصراع المذهبي وتقديم إيران باعتبارها “العدو الأول” للعالم العربي.
وبالفعل، بدأت بعض الأنظمة العربية، خاصة في الخليج، في تبني خطاب سياسي يرى أن الخطر الإيراني هو الخطر الأكبر، بينما تراجع الحديث عن الخطر الإسرائيلي الذي ما زال يحتل فلسطين ويشكل تهديدًا استراتيجيًا للمنطقة. وفي هذا السياق، توسعت شبكة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وأصبحت بعض الدول العربية جزءًا من منظومة أمنية تقودها واشنطن بحجة مواجهة إيران.
لكن في المقابل، ظهرت معادلة أكثر تعقيدًا في الملف الفلسطيني، وخاصة فيما يتعلق بحركة المقاومة الإسلامية حماس. فحماس، باعتبارها واحدة من أكبر حركات المقاومة السنية في العالم الإسلامي، وجدت نفسها في وضع حساس: فهي من جهة تنتمي إلى البيئة السنية وإلى مدرسة الحركة الإسلامية، ومن جهة أخرى وجدت أن الداعم العسكري والسياسي الأبرز للمقاومة الفلسطينية خلال العقود الماضية كان إيران.
فخلال أكثر من ربع قرن، قدمت إيران – ومعها قوى ما يُعرف بمحور المقاومة – دعمًا ماليًا وعسكريًا وسياسيًا لحركات المقاومة الفلسطينية، وهو دعم ساهم في بناء قدرات المقاومة وتطويرها. وقد ظهر أثر ذلك بصورة واضحة في العمليات العسكرية الكبرى التي خاضتها المقاومة، والتي بلغت ذروتها في عملية طوفان الأقصى، التي شكلت صدمة استراتيجية لإسرائيل وأحدثت تحولًا كبيرًا في معادلة الصراع.
وقد ردت إسرائيل على هذه العملية بحرب واسعة على قطاع غزة، مدعومة دعمًا كاملًا من الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية. وقد شهدت هذه الحرب دمارًا هائلًا وخسائر إنسانية كبيرة في صفوف المدنيين، حيث قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم من النساء والأطفال، وتعرض القطاع لحصار شديد وأوضاع إنسانية قاسية.
في تلك اللحظة التاريخية، ناشدت المقاومة الفلسطينية الدول العربية والإسلامية التدخل لوقف الحرب أو تخفيف الحصار، لكن الاستجابة الرسمية ظلت محدودة، الأمر الذي عمّق شعورًا واسعًا في الشارع العربي بأن الشعوب تُترك وحدها في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية.
وفي المقابل، شاركت أطراف من محور المقاومة في دعم غزة سياسيًا وعسكريًا بدرجات مختلفة؛ فقد فتح حزب الله جبهة دعم في شمال فلسطين المحتلة، كما شاركت قوى أخرى مرتبطة بالمحور في عمليات ضغط عسكري وسياسي، في حين أعلن الحوثيون في اليمن دعمهم للمقاومة الفلسطينية وربطوا مواقفهم العسكرية بما يجري في غزة.
كل ذلك جعل المشهد أكثر تعقيدًا بالنسبة للحركة الإسلامية السنية عمومًا؛ فهي من جهة تنتقد السياسات الإيرانية في عدد من الدول العربية، لكنها من جهة أخرى لا تستطيع تجاهل حقيقة أن الدعم العسكري الأبرز للمقاومة الفلسطينية جاء من إيران ومحورها في وقت تراجعت فيه مواقف رسمية عربية كثيرة.
ولهذا أصبح السؤال المطروح اليوم داخل الفكر السياسي الإسلامي:
كيف يمكن الجمع بين رفض السياسات الطائفية أو الأخطاء الإقليمية لإيران، وبين رفض الاصطفاف مع المشروع الأمريكي–الصهيوني الذي يستهدف المنطقة وقضيتها المركزية فلسطين؟
إن الإجابة المتوازنة عن هذا السؤال تقتضي موقفًا مبدئيًا يقوم على عدة أسس:
• رفض العدوان الإسرائيلي على فلسطين باعتباره قضية مركزية للأمة.
• رفض تحويل الصراعات الإقليمية إلى صراعات مذهبية بين السنة والشيعة.
• نقد سياسات الدول – بما فيها إيران – عندما تضر بشعوب المنطقة.
• وفي الوقت نفسه رفض الاصطفاف مع المشاريع الدولية التي تسعى إلى تكريس الهيمنة الإسرائيلية والأمريكية على الشرق الأوسط.
بهذا المعنى، فإن التحدي الحقيقي أمام الحركة الإسلامية اليوم ليس اختيار محور ضد آخر، بل الحفاظ على بوصلة الأمة وقضيتها المركزية، مع نقد كل السياسات التي تساهم في تمزيق المنطقة أو إضعاف شعوبها.






