الملف السياسي

كيف تغيّر الحرب على إيران شكل النظام الإقليمي؟

اعداد المهندس| اسماعيل الاشقر 

الملخص التنفيذي

حتى 14 مارس/آذار 2026، لم تعد المواجهة محصورة في إطار إسرائيل–إيران، بل باتت حربًا ذات طابع أمريكي–إيراني مباشر مع امتدادات إسرائيلية وخليجية وإقليمية

. الضربات الأمريكية على أهداف في جزيرة خرج، مقرونةً بتهديد البنية النفطية الإيرانية، تعني أن الحرب دخلت مرحلة الضغط على مراكز الثقل الاقتصادي لا العسكري فقط. وفي المقابل، تستخدم إيران تعطيل الطاقة والملاحة كأداة ردع وابتزاز استراتيجي، ما جعل مضيق هرمز مركز المعركة الفعلي، لا مجرد ممر بحري جانبي.

المعطيات الراهنة تشير إلى أن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط حجم النار، بل نوع التحول الذي قد تفرضه على النظام الإقليمي: إعادة تعريف الردع، إعادة ترتيب دور الخليج، تثبيت نمط الحروب المركبة، وربما الانتقال من مرحلة “احتواء إيران” إلى مرحلة “إعادة هندسة الإقليم على وقع الحرب الطويلة”. كما أن اضطراب الإمدادات النفطية بلغ مستوى وصفته وكالة الطاقة الدولية، عبر تغطية رويترز، بأنه أكبر تعطل إمدادات في تاريخ أسواق النفط، مع إغلاق فعلي واسع لهرمز وتدخل جماعي بالسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية.

أولًا: خريطة الفواعل الاستراتيجية

1) الولايات المتحدة

الولايات المتحدة انتقلت من موقع الدعم والردع إلى الانخراط العسكري المباشر، بدليل إعلانها قصف أهداف عسكرية في خرج، مع تعزيزات إضافية في المنطقة شملت 2,500 من مشاة البحرية والسفينة USS Tripoli وفق أسوشيتد برس. هدف واشنطن الظاهر هو حماية إسرائيل وردع إيران، لكن هدفها الأعمق يبدو الحفاظ على صدقية الهيبة الأمريكية في الخليج والممرات البحرية بعد أن أصبحت القواعد والشحن والطاقة تحت تهديد متصاعد.

2) إسرائيل

إسرائيل تدفع باتجاه توسيع بنك الأهداف وإدامة الضغط على البنية القيادية والعسكرية الإيرانية، مع تقارير عن اعتمادها على معلومات بشرية داخلية وشبكات إسناد استخباري في تنفيذ الاستهدافات داخل إيران. وهذا يعني أن تل أبيب لا تريد فقط ردع إيران، بل تسعى إلى إضعاف قدرتها على إعادة إنتاج القوة.

3) إيران

إيران تتحرك وفق منطق: إذا تعذر كسب الحرب عسكريًا، فلتُجعل الحرب غير قابلة للتحمل اقتصاديًا وسياسيًا. رويترز نقلت أن طهران فعّلت استراتيجية صاغها الحرس الثوري منذ سنوات تقوم على استخدام النفط وهرمز كسلاح، مع الاستناد إلى عقيدة “الفسيفساء” أو القيادة الموزعة لضمان استمرار الفعل القتالي حتى بعد الضربات الثقيلة على القيادة. كما أشارت رويترز إلى أن المرور عبر هرمز هبط بنحو 97% منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط 2026.

4) دول الخليج

دول الخليج ليست كتلة واحدة، لكنها مجتمعةً أصبحت في موقع الخاصرة الرخوة الاستراتيجية: قواعد أمريكية، منشآت طاقة، ممرات تصدير، ومجال جوي حرج. بعض صادرات الجوار تعطلت أو تقلصت بشدة، بينما نقلت رويترز أن النفط الإيراني واصل العبور في وقت تعطلت فيه إمدادات جيرانه بشكل أكبر، وهو ما يمنح طهران ورقة ضغط مركبة: الإضرار بالخصوم مع الإبقاء النسبي على تدفق نفطها حيث أمكن.

5) الاقتصاد العالمي والقوى الكبرى

الاقتصاد العالمي بات طرفًا غير مباشر في الحرب. فقد صعد خام برنت في 13 مارس/آذار إلى 103.14 دولارًا، وWTI إلى 98.71 دولارًا مع استمرار إغلاق هرمز، بينما تحدثت رويترز عن سحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية في استجابة دولية للأزمة. هذا يفسر قلق القوى الكبرى، لأن استمرار الحرب يهدد بنقل الشرق الأوسط من “بؤرة توتر” إلى مُنتِج صدمة ركودية عالمية.

ثانيًا: مصفوفة المخاطر

1) المخاطر السياسية

الخطر: توسع الحرب بما يفرض اصطفافات جديدة ويقيد هامش المناورة لدى العواصم العربية والخليجية.

المؤشر: الانتقال من خطاب “الاحتواء” إلى خطاب “الحسم” أو “تغيير السلوك بالقوة”.

التقدير: مرتفع؛ لأن الحرب لم تعد حدثًا تكتيكيًا، بل اختبارًا لقواعد الأمن الإقليمي. قصف خرج وتهديد البنية النفطية يشيران إلى أن الأطراف بدأت تستهدف أعصاب الدولة والاقتصاد لا أطراف المشهد فقط.

2) المخاطر العسكرية

الخطر: انتقال الحرب من الضربات المحدودة إلى حرب تعطيل شامل تشمل القواعد والسفن والبنية التحتية للطاقة.

المؤشر: هجمات على ناقلات، ضرب القواعد، توسيع الاستهداف إلى المنشآت النفطية.

التقدير: مرتفع جدًا؛ لأن الميدان يتوسع أفقيًا، ولأن طهران تبني استراتيجيتها على الاستنزاف واللامركزية، فيما تواصل واشنطن زيادة حضورها العسكري.

3) المخاطر الاقتصادية

الخطر: صدمة نفطية ممتدة، ارتفاع التأمين البحري، واختناق سلاسل الإمداد.

المؤشر: استمرار إغلاق هرمز، صعود الأسعار، وتدخل الاحتياطيات الاستراتيجية.

التقدير: شديد الارتفاع؛ لأن الأزمة الحالية وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ سوق النفط من حيث تعطل الإمدادات، مع فقدان يقارب 8 ملايين برميل يوميًا وفق تغطية رويترز.

4) المخاطر النووية

الخطر: انتقال الحرب إلى استهداف أكثر مباشرة للبنية النووية أو تحويل الملف النووي إلى ذريعة لتوسيع الحرب.

المؤشر: تزايد الربط السياسي بين الحرب الحالية ومنع القدرات النووية الإيرانية.

التقدير: متوسط إلى مرتفع؛ ليس بسبب دليل علني جديد على تحول نووي فوري، بل لأن دينامية الحرب نفسها تدفع نحو توسيع الأهداف إذا طال أمدها. هذا استنتاج تحليلي مبني على مسار التصعيد الحالي، لا على إعلان رسمي جديد.

ثالثًا: شجرة القرار حتى 2030

المسار الأول: احتواء خشن خلال 2026

يستمر التبادل العسكري عدة أسابيع أو أشهر، لكن من دون انهيار كامل لمنظومة الطاقة أو توسع بري واسع. في هذا المسار، تخرج واشنطن وتل أبيب بخطاب “تحقيق الأهداف الأساسية”، بينما تعلن إيران أنها صمدت وفرضت كلفة استراتيجية على خصومها. هذا المسار ينسجم مع تصاعد النقاش الأمريكي الداخلي حول إعلان النصر والخروج بدل الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة.

النتيجة حتى 2030: إقليم أكثر تسلحًا، ردع أكثر هشاشة، وحروب ظل أكثر كثافة.

المسار الثاني: حرب إقليمية واسعة 2026–2027

يُفتح هذا المسار إذا ضُربت منشآت نفطية مركزية بشكل واسع، أو استمر إغلاق هرمز، أو تحولت القواعد الخليجية والملاحة إلى أهداف يومية. عندها تصبح الحرب حرب أنظمة إمداد لا حرب جيوش فقط.

النتيجة حتى 2030: إعادة صياغة كاملة للأمن الخليجي، عسكرة أعلى للممرات، وتراجع النمو الإقليمي والدولي.

المسار الثالث: إعادة تموضع دون حسم 2027–2030

لا يسقط النظام الإيراني، ولا تُحسم المواجهة لمصلحة أمريكية–إسرائيلية نهائية، لكن تُفرَض قواعد اشتباك جديدة: رقابة أشد على الطاقة، هندسة أمنية جديدة في الخليج، وربما مسارات تفاوضية لاحقة حول النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي.

النتيجة حتى 2030: ليس “سلامًا”، بل توازن تعب؛ أي نظام إقليمي يعيش فوق صدوع مفتوحة لكنه يمنع الانفجار الشامل مؤقتًا. هذا السيناريو مرجح إذا تبيّن لجميع الأطراف أن كلفة الحسم أعلى من كلفة التجميد.

رابعًا: كيف تغيّر الحرب شكل النظام الإقليمي؟

الحرب الحالية تعيد تشكيل الشرق الأوسط في خمس اتجاهات رئيسية:

أولًا، مركزية الطاقة عادت بقوة؛ فبعد سنوات من الحديث عن تراجع أهمية النفط سياسيًا، أثبتت الحرب أن من يملك القدرة على تهديد الممرات ما زال يملك قدرة هائلة على الضغط العالمي.

ثانيًا، الردع لم يعد ثنائيًا؛ لم يعد يكفي أن تردع إسرائيل إيران أو العكس، لأن الوكلاء، القواعد، السفن، والممرات أصبحت كلها جزءًا من ساحة الردع.

ثالثًا، الخليج صار قلب المعادلة لا هامشها؛ ليس فقط كمموّل أو حليف، بل كساحة تتقاطع فيها القواعد والطاقة والاقتصاد والأمن البحري.

رابعًا، الحرب غير المتماثلة أثبتت فعاليتها الاستراتيجية؛ لأن الطرف الأضعف نسبيًا عسكريًا استطاع نقل مركز الثقل من السماء إلى السوق العالمية.

خامسًا، القضية الفلسطينية وغزة ستتأثران بنتيجة الحرب حتى لو لم تكونا ساحة المواجهة الرئيسية؛ فكل نظام إقليمي جديد سيحاول إعادة ترتيب ملف غزة ضمن هندسة ما بعد الحرب، سواء عبر التحجيم أو الاحتواء أو إعادة التموضع السياسي. هذا استنتاج تحليلي متسق مع طبيعة إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، وليس خبرًا معلنًا بذاته.

الخلاصة التقديرية

الترجيح الحالي، وفق المعطيات المتاحة حتى 14 مارس/آذار 2026، هو أن المنطقة تتجه إلى احتواء خشن مع استنزاف طويل، لا إلى حسم سريع. لكن هذا الترجيح يبقى هشًا؛ لأن أي ضربة كبيرة لمنشآت النفط أو البنية النووية أو الملاحة قد تدفع الشرق الأوسط من حرب إقليمية مضبوطة نسبيًا إلى نقطة تحول تاريخية تعيد تعريف النظام الإقليمي حتى 2030. وبعبارة أوضح: السؤال لم يعد فقط من يربح الجولة، بل أي شرق أوسط سيخرج من هذه الحرب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى