الملف السياسي

الحرب الكبرى على إيران: هل نحن أمام إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط؟”

إعداد المهندس|اسماعيل الاشقر 

خريطة الفواعل الدولية

• 3 سيناريوهات حتى نهاية 2026

• موقع غزة وحماس داخل هذه الحرب.

الحرب الكبرى على إيران: هل نحن أمام إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط؟

لم يعد المشهد القائم في مارس/آذار 2026 مجرد مواجهة ثنائية بين إسرائيل وإيران، بل تحول إلى حرب إقليمية متعددة الطبقات دخلت فيها الولايات المتحدة عمليًا كطرف مباشر، مع انتقال الصراع من ضربات محدودة إلى حملة أوسع تطال البنية العسكرية الإيرانية، وممرات الطاقة، وقواعد واشنطن وشركائها في الخليج. الضربات الأمريكية الأخيرة على أهداف في جزيرة خرج، وهي عقدة حيوية لصادرات النفط الإيرانية، تؤكد أن الحرب لم تعد محصورة في الردع المتبادل، بل دخلت طور الضغط على أعصاب الدولة الإيرانية اقتصاديًا وعسكريًا في آن واحد. في المقابل، ترد إيران عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، وعبر تعطيل الملاحة والطاقة، بما يحول الحرب من معركة جغرافية إلى معركة استنزاف إقليمي ودولي.

خريطة الفواعل الدولية والإقليمية

الولايات المتحدة تبدو معنية بثلاثة أهداف متزامنة:

• إضعاف القدرات العسكرية والنووية الإيرانية،

• حماية إسرائيل،

• ومنع انهيار هيبة الردع الأمريكي في الخليج

إسرائيل، من جهتها، تدفع باتجاه توسيع بنك الأهداف داخل إيران، مع حديث في تقارير غربية عن سعيها لضرب بنية الحرس الثوري وإرباك الداخل الإيراني، بل وتهيئة ظروف قد تفتح الباب لتحول سياسي داخلي، حتى لو كان هذا الهدف غير مضمون التحقق.

 أما إيران فتخوض الحرب بمنطق مختلف:

ليس الانتصار التقليدي، بل رفع كلفة الحرب على الخصوم إلى الحد الذي يجعل استمرارها مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا عالميًا

. لذلك توظف مزيجًا من الصواريخ، والمسيّرات، وتهديد الشحن والطاقة، وتفعيل حلفائها الإقليميين بدرجات متفاوتة.

أما دول الخليج، فهي في موقع شديد الحساسية: ليست راغبة في حرب شاملة، لكنها أيضًا لا تستطيع تجاهل استهداف القواعد أو المجال الجوي أو البنية النفطية.

لذلك تتحرك ضمن معادلة صعبة: دعم الحماية الأمريكية أمنيًا، مع السعي سياسيًا إلى احتواء الانفجار

. في الخلفية تقف قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين مترقبة، لأن أي إطالة للحرب تعني اهتزازًا في أسواق الطاقة والنقل والتأمين، وتالياً إعادة توزيع أوراق النفوذ الدولي. هذا ما يفسر تصاعد القلق الدولي بعد تحذيرات وكالة الطاقة الدولية من أن العالم يواجه أكبر اضطراب محتمل في الإمدادات النفطية على الإطلاق إذا استمرت الحرب بهذا النسق.

المنطق الاستراتيجي للحرب

الخطأ الشائع هو قراءة هذه الحرب باعتبارها سباقًا عسكريًا فقط. الأدق أنها صراع بين نموذجين في إدارة القوة:

نموذج أمريكي-إسرائيلي يعتمد الضربة الدقيقة، والتفوق الجوي، واستهداف العقد القيادية؛

ونموذج إيراني يعتمد اللامركزية، والمرونة، وتوزيع الكلفة على المسرح الإقليمي والاقتصاد العالمي.

. وتفيد تقارير حديثة بأن إيران فعّلت ما تصفه أدبياتها الدفاعية بمنطق “الفسيفساء” أو القيادة الموزعة، بما يسمح باستمرار الفعل العسكري حتى بعد ضربات قاسية على القيادة والبنية النظامية.

هذا يعني أن السؤال لم يعد: من يضرب أكثر؟ بل: من يستطيع الصمود أكثر، وتحويل الوقت إلى سلاح؟

اقتصاديًا، أصبح مضيق هرمز مركز الثقل الحقيقي في المعركة. فتعطل الحركة فيه بنسبة كبيرة، مع تهديد البنية النفطية من الجانبين، لا يضغط فقط على أسعار النفط، بل على التأمين، والشحن، وسلاسل الإمداد، والنمو العالمي. وإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تراهنان على إنهاك إيران عسكريًا، فإن طهران تراهن على أن العالم نفسه سيضغط لوقف الحرب عندما تصبح فاتورتها الاقتصادية غير محتملة. هنا تتضح عبقرية الحرب غير المتماثلة: الدولة الأضعف نسبيًا عسكريًا تحاول نقل المعركة إلى منطقة يضعف فيها خصمها سياسيًا واقتصاديًا.

السيناريوهات الثلاثة حتى نهاية 2026

1) سيناريو الاحتواء الخشن

يقوم هذا السيناريو على استمرار الضربات المتبادلة لأسابيع أو أشهر، لكن دون الانزلاق إلى انهيار شامل في أسواق الطاقة أو توسع بري واسع. في هذا المسار، تُستنزف إيران عسكريًا واقتصاديًا، لكنها لا تنهار، فيما تعلن واشنطن وتل أبيب لاحقًا تحقيق “أهداف كافية” وتنتقلان إلى وقف نار غير متوازن. مؤشرات هذا السيناريو ظهرت بالفعل في النقاش الأمريكي الداخلي، حيث بدأت أصوات قريبة من دوائر الحكم تدعو إلى إعلان النصر والخروج بدل التورط الطويل. هذا السيناريو هو الأقرب إذا بقيت الضربات تحت سقف عدم تدمير شامل للبنية النفطية أو النووية.

2) سيناريو الحرب الإقليمية الواسعة

يتحقق هذا إذا تعرضت منشآت النفط الإيرانية أو الخليجية لضربة نوعية كبيرة، أو إذا توسعت الهجمات على القواعد الأمريكية والدول الخليجية، أو إذا دخلت جبهات إضافية بوتيرة أعلى. حينها تنتقل المنطقة من “حرب ضغط” إلى حرب تعطيل شامل: طاقة، شحن، أسواق، وربما نزوح واضطراب داخلي في أكثر من ساحة. المعطيات الحالية — من استهداف خرج، إلى الحديث عن استهداف ناقلات وممرات بحرية، إلى توسيع نطاق الضربات — تجعل هذا السيناريو أقل ترجيحًا من الأول، لكنه أخطر بكثير إن وقع.

3) سيناريو إعادة التموضع دون حسم

في هذا المسار لا تنتصر واشنطن وتل أبيب نصرًا حاسمًا، ولا تنجح إيران في فرض تراجع واضح عليهما، فتتجه الحرب إلى تجميد نسبي يعقبه إعادة ترتيب للمشهد الإقليمي:

تشديد أمني في الخليج، إعادة تعريف أولويات الردع، وضغوط دولية لفتح مسار تفاوضي جديد حول النووي، والصواريخ، ووكلاء إيران. هذا السيناريو لا يعني السلام، بل يعني الانتقال من الحرب الساخنة إلى مرحلة ما بعد الحرب حيث تُعاد صياغة القواعد، وربما الحدود الوظيفية للقوة الإيرانية والإسرائيلية والأمريكية في المنطقة.

موقع غزة وحماس داخل هذه الحرب

غزة ليست مركز النار المباشر في هذه اللحظة، لكنها حاضرة في عمق المعادلة السياسية والرمزية.

فكلما اتسعت الحرب مع إيران، تراجع ملف غزة في أولويات العواصم الكبرى من زاوية الإغاثة والإعمار والضغط السياسي على إسرائيل، لكن غزة في الوقت نفسه تظل الشرارة المعنوية التي أعادت تعريف صورة إسرائيل وحدود الردع في المنطقة. بالنسبة إلى حماس، تحمل الحرب وجهين متناقضين: من جهة قد تستفيد من انشغال إسرائيل بجبهات أكبر، ومن جهة أخرى قد تجد نفسها أمام بيئة إقليمية تسعى لاحقًا إلى إعادة هندسة المشهد الفلسطيني تحت عنوان الاستقرار ومنع تعدد الجبهات. وبكلام آخر: الحرب على إيران قد لا تسقط غزة من الحساب، لكنها قد تسرّع محاولات تحجيمها سياسيًا وإداريًا بعد انتهاء الذروة العسكرية. هذا استنتاج تحليلي تدعمه طبيعة أولويات واشنطن وتل أبيب الحالية، وليس تصريحًا رسميًا مباشرًا.

الخلاصة

نحن، على الأرجح، لا نعيش مجرد جولة عسكرية عابرة، بل لحظة قد تعيد ترتيب هرم القوة في الشرق الأوسط.

السؤال لم يعد فقط: هل ستربح إسرائيل أو إيران؟ بل: أي نموذج إقليمي سيخرج من هذه الحرب؟ نموذج الهيمنة الجوية المدعومة أمريكيًا، أم نموذج الاستنزاف اللامركزي الذي يجعل الاقتصاد العالمي نفسه ساحة للقتال؟ وحتى نهاية 2026، يبقى السيناريو الأرجح هو احتواء خشن مع استنزاف طويل، لكن أي ضربة استراتيجية كبرى للطاقة أو النووي قد تدفع المنطقة إلى ما هو أبعد من الحرب الإقليمية: إلى إعادة رسم قواعد النظام الشرق أوسطي كله.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى