مقالات

سورة الواقعة… حين يعيد الله الموازين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه .

مفتاح السورة

ليست الواقعة مجرد اسم من أسماء يوم القيامة، بل إعلان عن الحقيقة التي لا سبيل إلى ردها، واليقين الذي لا يملك أحد إنكاره.

﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ۝ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾

فالدنيا دار تختلط فيها الموازين، وتكثر فيها الدعاوى، ويغتر الناس بما يرون، أما يوم الواقعة فهو اليوم الذي تسقط فيه الأوهام، ولا يبقى إلا الحق.

سنة السورة

تكشف سورة الواقعة سنةً ربانيةً عظيمة:

أن الله يعيد كل شيء إلى ميزانه الحق، فلا يبقى ميزانٌ صنعه الناس، وإنما يبقى الميزان الذي وضعه الله.

ومن هنا يبدأ البناء العجيب للسورة.

فأول ما تهزه السورة ليس الإنسان، بل الكون كله؛ فإذا الأرض تبدلت، والجبال بُسَّت، والنظام الذي ألفته الأبصار قد انقلب، ليعلم الإنسان أن الذي يغيِّر نظام الكون قادر على أن يعيد حساب الإنسان.

ثم تعيد السورة ترتيب البشرية كلها، فلا تذكر غنيًا ولا فقيرًا، ولا ملكًا ولا سوقة، ولا مشهورًا ولا مغمورًا، وإنما تختصر الخلق في ثلاثة أصناف:

﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ… وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ… وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾

إنها الموازين التي تزول، والميزان الذي يبقى.

فكم من اسمٍ ملأ الدنيا ضجيجًا، ثم لم يكن له عند الله وزن، وكم من عبدٍ خفيٍّ رفعه الله بإيمانه وعمله، فكان من السابقين.

ولهذا لا يكون السبق في ميزان القرآن إلى منصب، ولا إلى ثروة، ولا إلى شهرة، وإنما إلى الإيمان والطاعة والإحسان.

ثم تعرض السورة جزاء كل فريق، ليظهر أن المصير ليس إلا ثمرة ذلك الميزان؛ فمن استقام على ميزان الله وجد الكرامة المقيمة، ومن أعرض عنه وجد عاقبة اختياره.

ولئلا يظن الإنسان أن البعث أمر بعيد، تنتقل السورة إلى آيات يشهدها كل يوم؛ في زرعه، ومائه، وناره، لتقيم البرهان على أن من أجرى سنن الحياة، قادر على إعادتها بعد الموت.

ثم تبلغ السورة ذروة خطابها عند لحظة الاحتضار.

فالإنسان الذي ظن يومًا أنه يملك أسباب القوة، يعجز أن يرد روحه إذا بلغت الحلقوم.

وهنا يسقط آخر أوهام السيطرة، ويظهر أن الملك كله لله.

في واقعنا

تعيش البشرية اليوم أسيرة موازين صنعتها بيدها؛ فترفع من تشاء بالمال أو الإعلام أو النفوذ، وتخفض من تشاء، حتى يظن الناس أن هذه هي الموازين الحقيقية.

فتأتي سورة الواقعة لتعلن أن هذه كلها موازين مؤقتة، وأن الميزان الذي لا يختل هو ميزان الله.

ومن عاش بهذا الميزان لم تغره شهرة، ولم يفتنه سلطان، ولم يكسره حرمان؛ لأنه يعلم أن القيمة عند الله ليست بما يملكه الإنسان، وإنما بما يحمله من إيمان، وما يقدمه من عمل.

*ختاماً:*

ليست سورة الواقعة حديثًا عن يوم القيامة فحسب، بل هي دعوة إلى أن يعيش المؤمن من اليوم بميزان الآخرة.

فمن عرف أن الواقعة آتية لا محالة، لم ينشغل بما يفنى، بل سابق إلى ما يبقى، وعاش يزن نفسه بميزان الله قبل أن توزن أعماله بين يديه.

﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾

فإذا استقرت الموازين في القلب، كان أول ثمراتها تعظيم الرب الذي بيده ملكوت كل شيء.

✍️ د. وائل علي فرج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى