مقالات

سورة السجدة… حين يعيد الوحي تعريف الإنسان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

من أنا؟

لعلَّه السؤال الأكبر الذي شغل الإنسان منذ وُجد على الأرض. فمنه تتفرع بقية الأسئلة: لماذا أعيش؟ وإلى أين أمضي؟ وما حقيقة هذا الكون؟ وما مصدر الحق الذي أزن به الأشياء؟

وتأتي سورة السجدة لتجيب عن هذه الأسئلة من منبعها الصحيح؛ فهي لا تبدأ بالإنسان، بل تبدأ بالوحي، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعرف نفسه حق المعرفة حتى يعرف أولًا مَن خلقه.

قال تعالى:

﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

وكأن السورة تقرر منذ لحظتها الأولى سُنَّة كبرى: أن الحقيقة لا تُبنى على إدراك الإنسان المحدود، ولا على التجارب المتقلبة، بل على الوحي المنزل من رب العالمين. فالعقول تُدرك، لكنها لا تستغني عن هداية الوحي، والتجارب تُفيد، لكنها لا تملك أن تُنشئ الحقيقة من نفسها.

ولعل هذا هو وجه المناسبة البديع مع سورة لقمان؛ فبعد أن عرضت لقمان منهج تربية الإنسان بالحكمة، جاءت السجدة لتبين من أين تستمد تلك الحكمة نورها، وأن أصل الهداية هو الوحي الذي لا ريب فيه.

ومن هذا الأصل تنتقل السورة مباشرة إلى إعادة تعريف الإنسان نفسه.

قال تعالى:

﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ۝ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ۝ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.

إنها ليست مجرد قصة خلق، بل إعلان عن سُنَّة الاستخلاف في الإنسان؛ فهو مخلوق من طين، لكنه ليس أسير الطين، وقد نُفخت فيه الروح، لكنه ليس روحًا مجردة تعيش خارج سنن الأرض. إنه مخلوق جمع الله فيه الأرض والسماء، والمادة والمعنى، ليكون أهلًا لحمل الأمانة.

ومن هنا يبدأ الانحراف كلما اختزل الإنسان نفسه في أحد جانبيه؛ فمن لا يرى إلا الطين، يحول الإنسان إلى مادة تُقاس وتُستهلك، ومن يتجاهل حقيقة الطين يهرب من سنن الله في الكون. أما القرآن فيبني إنسانًا يعيش على الأرض، وقلبه معلق بالسماء.

ولذلك لم تكتف السورة بذكر أصل الإنسان، بل ذكرت ما أُعطي من أدوات الهداية: السمع، والأبصار، والأفئدة، ثم أعقبت ذلك بقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.

وهنا تتجلى سُنَّة قرآنية دقيقة؛ فالمشكلة ليست في قلة الأدوات، وإنما في طريقة توجيهها. فقد يمتلك الإنسان أعظم وسائل المعرفة، ثم يضل إذا انفصلت هذه الوسائل عن هداية الوحي.

ولعل هذا من أبرز مشاهد عصرنا؛ فقد بلغت الإنسانية مبلغًا عظيمًا في اكتشاف أسرار المادة، لكنها لا تزال تتخبط في الإجابة عن سؤال المعنى، فتزداد قدرةً على التحكم في العالم، بينما يزداد الإنسان حيرة في فهم نفسه.

ثم تكشف السورة أصل هذا الاضطراب كله.

﴿بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.

فليست القضية مجرد إنكار ليوم القيامة، وإنما انقطاع الصلة بالغيب الذي يمنح الحياة معناها. وإذا غاب اليوم الآخر من ميزان الإنسان، تغيرت أولوياته، واختلت موازينه، وأصبح يحاكم كل شيء بمنفعة عاجلة، ولو خسر الحقيقة الكبرى.

ولهذا فإن الحضارات التي تجعل الدنيا غايتها القصوى قد تحقق إنجازات مادية عظيمة، لكنها تبقى معرضة لأزمات المعنى والغاية؛ لأن القرآن يقرر أن اكتمال الإنسان لا يكون بالمادة وحدها، بل بالإيمان الذي يربطه بربه ومصيره.

وفي مقابل هذا النموذج، تعرض السورة صورة الإنسان الذي استجاب للوحي.

﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.

فالسجود هنا ليس مجرد حركة ؤديها الجسد، وإنما ثمرة المعرفة الصحيحة. فمن عرف ربه، وعرف نفسه، وعرف مصيره، لم يجد أصدق من السجود ترجمةً لهذه المعرفة.

ومن هنا تتجلى سُنَّة أخرى: أن الاستكبار يبدأ في القلب قبل أن يظهر في السلوك؛ فهو ليس رفضًا لأمر من الأوامر فحسب، بل توهم أن الإنسان قادر على أن يجعل نفسه المرجع الأعلى للحقيقة، بينما المؤمن يوقن أن الحق فوقه، فيخضع له طائعًا.

ثم تنتقل السورة إلى ميزان التاريخ ومآلات الطريقين.

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾.

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾.

إنه ليس مجرد خبر عن الجزاء، بل بيان لسُنَّة ثابتة: أن الطريق الذي يختاره الإنسان اليوم هو الذي يصوغ مصيره غدًا. فالبدايات الصغيرة تتحول مع الزمن إلى نهايات عظيمة، والاستجابة الأولى للحق ليست موقفًا عابرًا، بل بذرة تنمو حتى تبلغ غايتها.

ثم تذكِّر السورة بقصة موسى عليه السلام، لتقرر أن الهداية ليست حادثة منفصلة في التاريخ، وإنما سنة ماضية؛ يبعث الله بها رسله، وينزل بها كتبه، ويبتلي بها عباده، فيتميز أهل الصبر واليقين ممن يتبعون الأهواء.

وهكذا يتحرك التاريخ في القرآن وفق سنن الله، لا وفق المصادفات، ولا وفق القوة المجردة، بل وفق قوانين ربانية لا تتخلف.

ثم تعود السورة في ختامها إلى القضية التي بدأت بها.

﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾.

لقد افتتحت السورة بالوحي الذي يفتح للإنسان باب الإيمان اختيارًا، وخُتمت بيوم تُكشف فيه الحقيقة كاملة، فلا يبقى مجال لاختيار جديد.

إنها سُنَّة انغلاق باب الاختيار؛ فالإيمان إنما تكون قيمته قبل انكشاف الغيب، أما إذا صار الغيب شهادة، فقد انتهى زمن الامتحان.

ختامًا…

ليست سورة السجدة دعوة إلى السجود بوصفه حركةً يؤديها الجسد، وإنما دعوة إلى أن يعود الإنسان إلى مكانه الصحيح في هذا الوجود.

فمن عرف أن الحقيقة من عند الله، وعرف أنه خُلق من طين ونُفخ فيه من روح، وعرف أن له موعدًا يقف فيه بين يدي ربه، استقام وعيه قبل أن تستقيم جوارحه.

وحينها لا يكون السجود مجرد انحناء لله، بل يكون استقامةً للعقل، وطمأنينةً للقلب، واعترافًا بأن الحق المطلق فوق الإنسان، وأن كرامته الحقيقية ليست في استغنائه عن ربه، بل في خضوعه له.

وهذا هو الإنسان الذي جاءت سورة السجدة لتبنيه.

✍️ د. وائل علي فرج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى