الملف السياسي

الحلقة الأولى ..الحركة الإسلامية والموقف من الحرب الإيرانية من جهة، والحرب الصهيونية–الأمريكية من الجهة الأخرى

اعداد المهندس اسماعيل الاشقر 

لا شك أن الثورة الإسلامية في إيران جاءت في سياق تاريخي اتسم بالظلم والاستبداد والاضطهاد الذي عاشه الشعب الإيراني في عهد الشاه. وقد دفع ذلك قطاعات واسعة من الإيرانيين إلى الثورة على ذلك النظام، حتى سقط حكم الشاه، وقامت الجمهورية الإسلامية، لتتحول إيران آنذاك إلى موضع اهتمام واسع لدى كثير من المستضعفين في العالم، الذين رأوا فيها نموذجًا لتحرر شعب من الهيمنة والظلم.

وفي ذلك الوقت، لم يكن عدد من الأنظمة العربية مرتاحًا لقيام ثورة شعبية ناجحة في جواره، خاصة ثورة رفعت شعارات الاستقلال والكرامة ومواجهة التبعية. ومن هنا، تحركت قوى من الحركة الإسلامية في الوطن العربي نحو إيران، وباركت لقيادتها الجديدة، ممثلة آنذاك بالإمام الخميني، على اعتبار أن ما جرى قد يشكل بداية مشروع نهضوي إسلامي جامع.

لكن مع مرور الوقت، بدأت قطاعات واسعة من الحركة الإسلامية السنية تراجع موقفها من الثورة الإيرانية، إذ رأت أن الممارسة السياسية للنظام الجديد لا تتجه نحو مشروع إسلامي جامع للأمة، بل تميل أكثر فأكثر إلى تكريس مشروع ذي طابع مذهبي، يغلب فيه الانتصار للهوية الشيعية السياسية على حساب وحدة الأمة الإسلامية. وهنا تعقد المشهد بصورة كبيرة، ووجدت الأنظمة العربية، وخاصة بعض دول الخليج، في هذا التحول فرصة لتوظيف المخاوف المذهبية في صراعها مع إيران، فدعمت العراق في حربه الطويلة ضدها، وهي الحرب التي استمرت ثماني سنوات واستنزفت الطرفين وأثقلت المنطقة كلها.

ومع تطور الأحداث، ازداد التباعد بين قطاعات كبيرة من الحركة الإسلامية السنية وبين النظام الإيراني. فلم تعد إيران، في نظر كثير من هؤلاء، تمثل النموذج الإسلامي المأمول، بل بدت دولة تتحرك وفق مصالحها القومية ومشروعها الإقليمي، ولو كان ذلك على حساب شعوب مسلمة أخرى. وتعزز هذا الانطباع بصورة أكبر مع موقف إيران الداعم للنظام السوري، رغم ما ارتكبه هذا النظام من مجازر وقمع واسع بحق الشعب السوري، ولا سيما في البيئات السنية، وفي مدن وبلدات دفعت أثمانًا باهظة من الدم والتهجير والتدمير.

كما امتد هذا الشعور بالخذلان والعداء إلى الساحة العراقية، حيث رأى كثير من أهل السنة أن النفوذ الإيراني هناك كان جزءًا من منظومة عنف وتهميش وإقصاء، سواء عبر الميليشيات الطائفية أو من خلال البنية السياسية التي نشأت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. وبذلك ترسخت لدى شريحة واسعة من أبناء الحركة الإسلامية قناعة بأن إيران لا تتحرك باعتبارها نصيرًا لقضايا الأمة جميعًا، بل باعتبارها رأس مشروع إقليمي خاص، يستخدم شعارات المقاومة حينًا، ويوظف الطائفية حينًا آخر، بحسب مقتضيات المصلحة.

ومع ذلك، فإن هذا كله لا يعني أن الحركة الإسلامية يمكن أن تقف اليوم في الخندق الأمريكي–الصهيوني ضد إيران. فالمعركة مع المشروع الصهيوني تبقى، في الوعي الإسلامي والسياسي، معركة مركزية تتعلق بفلسطين، وبالهيمنة على المنطقة، وبمشروع اقتلاع الأمة من هويتها وحقوقها. ومن الخطأ الأخلاقي والسياسي أن تتحول الخصومة مع سياسات إيران إلى مبرر للاصطفاف مع الاحتلال الإسرائيلي أو مع القوة الأمريكية التي وفرت له الغطاء والدعم والسلاح لعقود طويلة.

لذلك فإن الموقف المتزن للحركة الإسلامية ينبغي أن يقوم على قاعدة واضحة: رفض العدوان الصهيوني–الأمريكي على إيران، دون تبرئة السياسات الإيرانية من أخطائها الكبرى في سوريا والعراق وغيرهما. فليس مطلوبًا من الأمة أن تختار بين مشروعين كلاهما ألحق بها الأذى، ولكن المطلوب أن تنحاز إلى الحق والعدل، وأن ترفض الاحتلال والعدوان، وفي الوقت نفسه ترفض الطائفية والاستبداد وتوظيف الدين في مشاريع الهيمنة.

إن الحركة الإسلامية، وهي تقرأ هذا المشهد المعقد، مطالبة بأن تتمسك ببوصلة الأمة لا ببوصلة المحاور، وأن تميز بين رفض العدوان الخارجي ورفض الانحراف الداخلي، وبين نصرة فلسطين ومنح صكوك البراءة لأي نظام. فالموقف الصحيح ليس أن نكون مع إيران على إطلاقها، ولا أن نكون مع أعدائها على إطلاقهم، بل أن نكون مع الحق حيث كان، ومع شعوب الأمة حيثما ظُلِمت، وضد كل مشروع يستبيح الدماء ويعمق الانقسام ويخدم بقاء الهيمنة الصهيونية والأجنبية على المنطقة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى