الملف السياسي

العالم بعد انفجار الشرق الأوسط: هل نحن أمام حرب إقليمية أم ولادة نظام دولي جديد؟

اعداد المهندس اسماعيل الاشقر 
ويتضمن:
• خريطة الفواعل الدولية
• 3 سيناريوهات حتى نهاية 2026
• موقع غزة وحماس داخل هذه المعادلة.
تحليل استراتيجي
العالم بعد انفجار الشرق الأوسط: هل نحن أمام حرب إقليمية أم ولادة نظام دولي جديد؟
تقدير موقف – 7 مارس/آذار 2026
لم يعد السؤال الدولي اليوم: هل توجد أزمة في الشرق الأوسط؟ بل: إلى أي مدى سيُعاد تشكيل ميزان القوة العالمي انطلاقًا من هذه الأزمة؟ فالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخلت أسبوعها الثاني مع ضربات متبادلة، واتساع جغرافي طال إيران وإسرائيل ولبنان والخليج، في وقتٍ ارتفعت فيه أسعار الطاقة، واضطربت الملاحة في مضيق هرمز، وتزايدت المؤشرات على أن المنطقة لم تعد تتحمل “حربًا محدودة” بالمعنى التقليدي.
المؤشر الأخطر ليس فقط حجم النار، بل طبيعة النظام الدولي الذي تكشفه الحرب: واشنطن تريد فرض استسلام سياسي واستراتيجي على طهران، وإسرائيل تسعى إلى إعادة هندسة البيئة الإقليمية لمصلحتها، بينما تحاول دول الخليج منع انتقال الحريق إلى عمقها الاقتصادي والأمني، وتتحرك تركيا دبلوماسيًا لوقف التدهور، في حين تبدو روسيا والصين أقل استعدادًا للانخراط المباشر، وأكثر ميلًا لإدارة المكاسب من بعيد بدل خوض المواجهة نيابة عن إيران.
أولًا: خريطة الفواعل الدولية
1) الولايات المتحدة
الهدف الأمريكي الظاهر هو كسر القدرة الإيرانية على تهديد إسرائيل والقواعد الأمريكية وخطوط الطاقة، لكن الخطاب الذي يطالب بـ“استسلام غير مشروط” وقيادة إيرانية “مقبولة” يوحي بأن واشنطن تجاوزت الردع إلى محاولة فرض إعادة ترتيب سياسي داخل إيران نفسها. هذا يرفع سقف الحرب ويجعل التسوية أصعب، لأن الطرف المقابل يقرأ المعركة بوصفها معركة بقاء للنظام لا مجرد نزاع حدودي أو نووي.
2) إسرائيل
إسرائيل ترى في هذه الحرب فرصة تاريخية لتصفية مصادر التهديد المتراكمة: البرنامج العسكري الإيراني، البنية الصاروخية، ووكلاء إيران في الإقليم، وخاصة حزب الله. لذلك فهي تدفع باتجاه توسيع نطاق الضربات وعدم الاكتفاء بجولة ردع قصيرة. هذا المنطق يجعلها أقل حماسًا لأي وقف نار مبكر لا يُنتج تغييرًا استراتيجيًا دائمًا.
3) إيران
إيران، رغم الضربات الكبيرة والخسائر البشرية والعسكرية، ما زالت تعتمد استراتيجية “توسيع كلفة الحرب” بدل حسمها عسكريًا. ضرب القواعد والممرات والطاقة والخليج ليس دليل قوة مطلقة، بل دليل على أن طهران تريد إفهام خصومها أن إسقاطها أو إخضاعها ستكون كلفته الإقليمية والعالمية مرتفعة جدًا. اعتذار الرئيس الإيراني لبعض دول الجوار مؤشر على أن طهران تريد إبقاء باب التهدئة مفتوحًا مع الخليج، لكنها لا تريد الظهور بمظهر المنكسر.
4) دول الخليج
الخليج هو ساحة الاختبار الأصعب: ليس طرفًا راغبًا في الحرب، لكنه يتحمل جزءًا كبيرًا من كلفتها. الضربات على أهداف خليجية، وتعطل الملاحة والطيران، وارتفاع المخاطر على البنية التحتية للطاقة، كلها تجعل أولوية العواصم الخليجية هي: منع الانزلاق إلى حرب شاملة، وحماية الداخل، والإبقاء على التحالف مع واشنطن دون التحول إلى منصة استنزاف مفتوحة.
5) تركيا
تركيا تحاول التموضع كفاعل إقليمي مانع للانفجار الشامل: أدانت الهجمات على إيران بوصفها انتهاكًا للقانون الدولي، وأعلنت أنها تتواصل مع جميع الأطراف لإعادة المسار الدبلوماسي، لكنها في الوقت نفسه رفعت مستوى التحوط العملي عبر تمديد إلغاءات الطيران إلى عدة دول في المنطقة. هذا يعني أن أنقرة تجمع بين خطاب الشرعية الدولية وحسابات الأمن الواقعي.
6) روسيا والصين
روسيا تدعو إلى وقف فوري للحرب، مع تقارير عن دعم استخباري روسي لإيران ضد الأصول الأمريكية، لكن الصورة العامة حتى الآن تشير إلى أن موسكو وبكين لم تدخلا المعركة كضامنين لإنقاذ إيران عسكريًا. وهذا يكشف حدود التحالفات الدولية حين تنتقل الأزمة من مستوى التنسيق السياسي إلى مستوى الحرب المباشرة.
ثانيًا: ثلاثة سيناريوهات حتى نهاية 2026
السيناريو الأول: احتواء عنيف ثم تسوية قسرية
يقوم هذا السيناريو على استمرار الضربات أسابيع إضافية، ثم الوصول إلى وقف نار غير معلن أو تفاهم خشن، بعد إنهاك متبادل وضغط اقتصادي عالمي. في هذا المسار لا تسقط إيران، ولا تنتصر بالكامل، لكن يتم تقليص قدرتها على الحركة الإقليمية، وتُفرض عليها ترتيبات ردع أشد. هذا السيناريو تدفع إليه كلفة النفط، وانهيار حركة الناقلات في هرمز، وتضرر الأعمال العالمية، لأن القوى الكبرى ستخشى أن تتحول الحرب إلى صدمة اقتصادية عالمية أوسع. وهو، في تقديري، السيناريو الأرجح حاليًا.
السيناريو الثاني: حرب إقليمية متعددة الجبهات
هنا تفشل جهود الاحتواء، وتتحول الحرب إلى مسرح واسع يشمل الخليج ولبنان والعراق وربما البحر الأحمر بصورة أعمق، مع توسيع متبادل للضربات على البنية التحتية والقواعد والممرات البحرية. هذا السيناريو يصبح أكثر احتمالًا إذا استمرت الهجمات على الخليج، أو دخل حزب الله على نحو أوسع، أو توسع الدعم الخارجي العسكري لإيران وخصومها. كلفته ستكون عالية جدًا على الطاقة والتجارة والطيران والنمو العالمي.
السيناريو الثالث: ولادة نظام ردع جديد دون حسم نهائي
في هذا السيناريو لا تنتهي الحرب بانتصار واضح، بل بإعادة تعريف قواعد اللعبة: إيران تبقى لكنها أضعف، وإسرائيل تبقى أقوى عسكريًا لكنها أكثر انكشافًا استراتيجيًا، والولايات المتحدة تثبت قدرتها على الضرب لكنها تعجز عن إنتاج استقرار سياسي مستدام. عندها نكون أمام شرق أوسط جديد: أقل يقينًا، أكثر عسكرة، وأكثر اعتمادًا على الردع المتبادل والضربات الوقائية والتحالفات المرنة. هذا ليس سلامًا، بل نظام اضطراب مُدار.
ثالثًا: موقع غزة وحماس داخل هذه المعادلة
غزة ليست خارج الحرب، حتى عندما لا تكون مركزها العسكري المباشر. فكلما اتسعت المواجهة مع إيران، نشأ ميل دولي وإقليمي إلى تأجيل الملف الفلسطيني إنسانيًا وسياسيًا، وتحويله إلى ملف ثانوي داخل أولويات الأمن الإقليمي والطاقة والممرات البحرية. وفي المقابل، كلما طال أمد الحرب الكبرى، ازداد خطر أن تُستخدم غزة كورقة ترتيب لاحقة: إدارة جديدة، ضغوط على حماس، ترتيبات أمنية وإعمار مشروط، ومحاولات فصل “المسألة الإنسانية” عن “المسألة السياسية”.
أما حماس، فموقعها في هذه اللحظة بالغ الحساسية. فهي ليست اللاعب الحاسم في الحرب الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية، لكنها أيضًا ليست هامشية. إذا انتهت الحرب باحتواء سريع، ستواجه الحركة ضغطًا مضاعفًا لإعادة تعريف دورها داخل غزة ضمن ترتيبات ما بعد الحرب. وإذا طال الاستنزاف الإقليمي، فقد تستفيد مؤقتًا من تشتت الخصوم، لكن بثمن إنساني وسياسي هائل على غزة نفسها. لذلك يمكن القول إن مستقبل حماس في 2026 لن يتحدد فقط بميزانها مع إسرائيل، بل أيضًا بشكل النظام الإقليمي الذي سيخرج من هذه الحرب.
الخلاصة الاستراتيجية
نحن، على الأرجح، لسنا أمام حرب عالمية ثالثة بالمعنى الكلاسيكي، لكننا بالتأكيد أمام لحظة تأسيسية في النظام الدولي:
قوة عسكرية هائلة من دون قدرة مضمونة على إنتاج الاستقرار، وردع متبادل من دون قواعد ثابتة، واقتصاد عالمي هشّ أمام صدمات الشرق الأوسط. وفي قلب هذا كله، تقف غزة بوصفها ليس فقط ة، بل مرآة أخلاقية وسياسية تكشف حدود القوة وحدود الشرعية وحدود النظام الدولي نفسه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى