الملف السياسي

توظيف الدين وأزمة الشرعية بعد 7 أكتوبر من التعبئة اللاهوتية إلى التخدير الاستراتيجي

 

م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر

باحث في القضايا السياسية والاستراتيجية

أولًا: ملخص تنفيذي

تكشف التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر عن تحوّل نوعي في طبيعة الصراع في فلسطين والمنطقة، حيث لم يعد الصدام مقتصرًا على البعد العسكري–الأمني، بل بات صراعًا مركبًا على الشرعية، الوعي، وتوظيف الدين.

تُظهر الولايات المتحدة نزوعًا متزايدًا إلى عسكرة الخطاب الديني بوصفه أداة تعبئة، بينما تواجه إسرائيل أزمة قيادة ومسؤولية غير مسبوقة، في حين يعاني العالم الإسلامي من نمط تدين تخديري عطّل التفكير الاستراتيجي وسؤال “ما بعد التحرير”.

تجادل هذه الورقة بأن أخطر ما بعد 7 أكتوبر ليس مسار الحرب نفسه، بل إعادة هندسة الوعي بما يخدم إدارة الصراع لا حسمه، ويؤجّل التحرير بدل تحويله إلى مشروع سياسي–حضاري متكامل.

ثانيًا: 7 أكتوبر كنقطة انعطاف بنيوية

لا يمثّل السابع من أكتوبر حادثة أمنية استثنائية فحسب، بل يشكّل لحظة انكشاف لبنية إدارة الصراع التي سادت لسنوات.

فقد بُني النموذج الإسرائيلي–الغربي على فرضيات ثلاث:

1. الردع كافٍ لمنع الانفجار.

2. إدارة الصراع أقل كلفة من حسمه.

3. تفكيك الإرادة أخطر من كسر القوة.

انهيار هذه الفرضيات في يوم واحد كشف أن ما انهار ليس “حاجزًا أمنيًا” فقط، بل نموذجًا ذهنيًا كاملاً في قراءة الخصم، المجتمع، والبيئة الإقليمية.

ثالثًا: الولايات المتحدة – الدين كأداة تعبئة إمبراطورية

تشير الخطابات الصادرة عن دوائر القرار في واشنطن إلى انتقال واضح من لغة القيم الليبرالية والقانون الدولي إلى لغة دينية صريحة تُضفي بعدًا لاهوتيًا على استخدام القوة.

هذا التحول لا يُفهم بوصفه تديّنًا سياسيًا، بل كأداة تعبئة تُستخدم عندما تفقد القوة قدرتها على الإقناع الأخلاقي.

في هذا السياق:

• لا يُستدعى الدين لضبط المجتمع،

• بل لتحفيزه، تبرير التضحيات، وإضفاء معنى “رسالي” على العنف.

📌 الدين هنا عنصر قوة استراتيجية، لا خطابًا وعظيًا.

رابعًا: إسرائيل – أزمة القيادة وهروب المسؤولية

في الداخل الإسرائيلي، أفضى 7 أكتوبر إلى تفجّر أزمة ثلاثية الأبعاد:

1. أزمة مسؤولية: من يتحمل الفشل؟

2. أزمة شرعية: من يملك حق رواية الحقيقة؟

3. أزمة قيادة: من يقود مرحلة ما بعد الانكشاف؟

أظهرت ردود رئيس الحكومة Benjamin Netanyahu على تقارير المراقبة الرسمية نمطًا واضحًا من نقل المسؤولية من المستوى السياسي إلى المؤسستين العسكرية والاستخباراتية، مع التركيز على “التضليل” و”غياب التحذير”.

غير أن الوثائق نفسها تكشف أن:

• مفهوم الردع كان قائمًا على تقديرات خاطئة،

• سياسة الاحتواء وإدارة الصراع كانت خيار دولة، لا توصية جهاز،

• والاطمئنان إلى “عقلانية الخصم” شكّل وهمًا تحليليًا قاتلًا.

📌 الأزمة الإسرائيلية اليوم ليست تقنية، بل أزمة نظام قرار.

خامسًا: الانتخابات الإسرائيلية كإدارة للذاكرة

تُدار النقاشات حول موعد الانتخابات في إسرائيل بوصفها أداة لإدارة الذاكرة الجمعية لا استحقاقًا ديمقراطيًا طبيعيًا.

فالتقديم أو التأجيل، وربط الموعد بالأعياد أو غياب كتل انتخابية معينة، يعكس سعيًا لتفادي لحظة التذكير الجماعي بالفشل.

هذا السلوك يؤكد أن:

النظام السياسي الإسرائيلي لا يسعى لاستخلاص العِبر،

بل لتجاوز الصدمة بأقل كلفة سياسية ممكنة.

سادسًا: المفارقة المركزية – الدين بين التعبئة والتخدير

تكمن المفارقة الأخطر في أن:

• الغرب يوظف الدين بوصفه أداة تعبئة وتحفيز،

• بينما جرى في العالم الإسلامي ترسيخ خطاب ديني وظيفي يُعطّل الفعل التاريخي.

تم تضخيم سرديات:

• “آخر الزمان”

• “نهاية التاريخ”

• “الانتظار الغيبي”

بما ربط التحرير بالفناء، والنصر بالخوف، والعمل بالفتنة.

📌 النتيجة:

تحويل قضية تحرر وطني–حضاري إلى حالة انتظار نفسي طويل الأمد.

سابعًا: هندسة الوعي وهندسة الخيارات

عملت قوى الهيمنة خلال العقود الماضية على مسارين متوازيين:

1. تفريغ الخطاب الديني الوسطي من مضمونه التحرري.

2. إطلاق نماذج متطرفة تشوّه مفهوم الجهاد وتربطه بالفوضى.

والنتيجة هي هندسة خيارين زائفين:

• استبداد تابع “مستقر”

• أو فوضى دينية “مدمّرة”

وفي الحالتين، يُغلق أفق المشروع التحرري العقلاني.

ثامنًا: فلسطين – من علامة الساعة إلى مشروع نهضة

تجادل هذه الورقة بأن فلسطين:

• ليست نهاية التاريخ،

• ولا علامة فناء،

• بل بوابة إعادة تشكّل النظام الإقليمي.

تحرير فلسطين، إن لم يُقترن:

• بمشروع دولة،

• واقتصاد،

• وعلم،

• ومؤسسات،

سيتحوّل إلى نصر معطوب قابل للاحتواء.

تاسعًا: استنتاجات رئيسية

1. الصراع بعد 7 أكتوبر صراع على الشرعية بقدر ما هو صراع على الأرض.

2. عسكرة الدين في الغرب تقابلها تخدير ديني في العالم الإسلامي.

3. إسرائيل تواجه أزمة قيادة لا يمكن تجاوزها بالمناورات الانتخابية.

4. نقل المسؤولية مؤشر تفكك لا إدارة أزمة.

5. تعطيل سؤال “ما بعد التحرير” أخطر من الهزيمة نفسها.

عاشرًا: خيارات استراتيجية مفتوحة

• للمقاومة: تحويل الإنجاز العسكري إلى سردية سياسية شاملة.

• للنخب الفكرية: تفكيك خطاب الانتظار وإعادة الاعتبار لفقه العمران.

• للقوى الإقليمية: دعم مشروع سيادي لا إدارة أزمة إنسانية.

• للأمة: استعادة الدين كمحرّك بناء لا كمخدّر وعي.

خلاصة ختامية

ما بعد 7 أكتوبر ليس مرحلة حرب فقط،

بل اختبار تاريخي:

هل تتحول فلسطين إلى بداية حياة سياسية جديدة للأمة،

أم تُعاد هندستها كنهاية مؤجّلة بلا مشروع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى