تغيّر خطاب ترامب تجاه إيران … ومخاوف إسرائيل من “حرب المدن”

إعداد: م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر
باحث وكاتب فلسطيني مختص في القضايا السياسية والاستراتيجية والقانون الدولي الإنساني
1) الملخص التنفيذي (Executive Summary)
تشير المؤشرات إلى تحوّل ملحوظ في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من التركيز على الاحتجاجات الإيرانية وقمعها إلى التركيز شبه الحصري على البرنامج النووي الإيراني، في وقت تعمل فيه واشنطن على إعادة تموضع عسكري واسع في الشرق الأوسط وتوسيع الخيارات العملياتية (بما فيها خيار عملية كوماندوز ضد مواقع نووية).
في المقابل، تتعامل إسرائيل مع مرحلة ما بعد “حرب الأيام الاثني عشر” بوصفها مرحلة أعلى خطورة من حيث الرد الإيراني المتوقع، إذ تشير التقديرات إلى احتمال انتقال إيران من ضرب مواقع عسكرية وبنى تحتية إلى استهداف المدن الإسرائيلية مباشرة، في ظل نقص في مخزون الصواريخ الاعتراضية، ما يعني أن معادلة الصراع قد تتحول إلى حرب استنزاف للداخل المدني.
بالتوازي، تسعى إسرائيل لإقناع واشنطن بأن الضربة القادمة—إن حدثت—يجب أن تتجاوز النووي نحو برنامج الصواريخ الباليستية باعتباره مصدر الخطر الفوري، بينما تتعامل واشنطن بحذر خشية أن يؤدي التصعيد إلى إسقاط النظام الإيراني وفتح فراغ استراتيجي غير مضمون.
2) خلفية وتوصيف الوضع الراهن
أ) مؤشرات التحول في خطاب ترامب
• في البداية: خطاب حقوقي/إنساني مرتبط بالاحتجاجات وقمعها.
• لاحقًا: انتقال إلى خطاب أمني حاد حول النووي: “لا للأسلحة النووية”.
• التفسير: النووي يمنح ترامب مبررًا صلبًا أمام الداخل الأميركي والحلفاء لتبرير ضغوط/عمليات عسكرية محتملة.
ب) المشهد الاستخباري
• التقييمات تشير إلى:
o عدم تقدم كبير لإيران في استعادة قدرة التخصيب أو إنتاج رأس حربي.
o بقاء اليورانيوم المخصّب المخزن تحت الأرض غير محسوم.
o النشاط الإيراني يتجه للحفر إلى أعماق أكبر وبناء بنية تحتية خارج مدى قنابل الاختراق.
• الاستخبارات “غير قاطعة” → يرفع احتمالات:
o التهويل السياسي،
o واستخدام التهديد كأداة تفاوض،
o واستمرار الجدل بين خيار الضربة وخيار التسوية.
ج) تموضع عسكري أميركي
تعزيزات كبيرة تشمل:
• حاملة طائرات (أبراهام لينكولن)
• مدمرات وسفن حربية
• طائرات مقاتلة
• أنظمة دفاع جوي
3) خريطة الفواعل (Actors Map)
1) الولايات المتحدة (ترامب/البنتاغون/الاستخبارات)
الأهداف:
• منع امتلاك إيران سلاحًا نوويًا (أو منع إعلان ذلك)
• استعادة الردع الأميركي
• دفع إيران للتفاوض بشروط جديدة
القيود:
• الخشية من انهيار النظام الإيراني وفوضى ما بعده
• حساسية الجبهة الداخلية الأميركية تجاه حرب طويلة
2) إسرائيل (الحكومة/الجيش/الاستخبارات)
الأهداف:
• منع إيران من استعادة البرنامج النووي
• الأهم: ضرب برنامج الصواريخ الباليستية والمسيّرات
• منع تحول الرد الإيراني إلى حرب مدن
نقاط الضعف الحالية:
• استنزاف مخزون الاعتراض
• هشاشة العمق المدني إذا تصاعدت الضربات
3) إيران (المرشد/الحرس الثوري/المؤسسة التقنية)
الأهداف:
• تثبيت الردع ومنع تغيير النظام
• الحفاظ على أوراق القوة: الصواريخ/النفوذ الإقليمي/النووي كقدرة كامنة
الاعتبارات:
• اختراق استخباري واسع
• حساسية داخلية (احتجاجات/اقتصاد)
4) أوروبا
• تفضّل العودة لمسار تفاوضي
• تخشى انفجار الطاقة واللاجئين والتصعيد البحري
5) الخليج
• هدفه منع الحرب الشاملة
• يخشى ضربات على الطاقة والممرات البحرية
• بعض الدول: “تهدئة بلا تمكين لإيران”
6) روسيا
• تستثمر في استنزاف أميركا
• تحاول حفظ قنواتها مع إيران وإدارة توازن مع إسرائيل
7) الصين
• قلقها الأكبر: النفط والملاحة وسلاسل الإمداد
• تميل لخفض التصعيد وتشجيع التفاوض
4) السيناريوهات الثلاثة (2026)
السيناريو (1): ضربة أميركية ثانية (محدودة أو مركّبة)
الوصف:
هجوم جوي جديد/أو عملية نوعية ضد منشآت محددة، وربما إدماج استهدافات لصاروخية.
الدوافع:
• ضغط داخلي لفرض “إنجاز حاسم”
• قناعة بأن إيران تقترب من إعادة تشغيل قدرات نووية/بنى أعمق
النتائج المتوقعة:
• رد إيراني مكثف باتجاه مدن إسرائيل
• توسيع نطاق الاشتباك في الإقليم (العراق/سوريا/البحر الأحمر)
تقدير الاحتمال: متوسط
السيناريو (2): مفاوضات تحت التهديد (التصعيد كغطاء للتسوية)
الوصف:
تصعيد عسكري وإرسال قوات كأداة ضغط ثم فتح قناة تفاوض لإنتاج “اتفاق جديد”.
الدوافع:
• واشنطن لا تريد انهيار النظام الإيراني
• الاستخبارات غير قاطعة → التفاوض أقل كلفة
النتائج:
• تهدئة تدريجية مقابل التزامات تقنية/رقابة/وقف عمليات
• إسرائيل ستكون متوترة وقد تحاول “تخريب التسوية”
تقدير الاحتمال: مرتفع
السيناريو (3): حرب استنزاف مدن (Urban Attrition War)
الوصف:
لا حرب شاملة بقرار رسمي، بل تبادل ضربات متكرر، مع انتقال إيران لاستهداف المدن بصورة منتظمة.
الدوافع:
• رغبة إيران في نقل المعركة للداخل الإسرائيلي
• نقص الاعتراضات الإسرائيلية يفتح نافذة “كسر الردع”
النتائج:
• ضغط نفسي واقتصادي على إسرائيل
• تآكل “قدرة التحمل” لدى السكان
• اشتداد نزعة إسرائيل لتفجير غزة/لبنان للتعويض
تقدير الاحتمال: متوسط–مرتفع (إذا فشل المسار التفاوضي)
5) مصفوفة مخاطر + مؤشرات إنذار مبكر
أ) مصفوفة المخاطر (مختصرة)
| الخطر | الاحتمال | التأثير | ملاحظات |
|—|—|—|
| توسع الحرب نحو ضرب المدن الإسرائيلية | مرتفع | شديد | مرتبط بنقص الاعتراض |
| ضرب منشآت نفط/غاز خليجية | متوسط | شديد | رهينة سلوك طهران ووكلائها |
| انفلات مسار غزة بسبب التصعيد الإيراني | مرتفع | كبير | إسرائيل قد تعيد توحيد الساحات |
| سقوط النظام الإيراني أو تفككه | منخفض–متوسط | كارثي | واشنطن تخشاه جدًا |
| اندفاع إسرائيل لضربة أحادية | متوسط | كبير | إذا شعرت بتنازل أميركي |
| تعطيل الملاحة/الأسواق | متوسط | كبير | مضيق هرمز/البحر الأحمر |
ب) مؤشرات الإنذار المبكر (Early Warning Indicators)
1. تحريك إضافي لحاملات/قاذفات بعيدة المدى.
2. ارتفاع غير طبيعي في اعتراض الاتصالات الإيرانية الخاصة بالمؤسسة التقنية النووية.
3. نقل معدات حفر وبناء عميق قرب نطنز/أصفهان.
4. رسائل إيرانية غير مباشرة تهدد “المدن” بدل “القواعد”.
5. شحنات عاجلة للصواريخ الاعتراضية إلى إسرائيل أو حديث رسمي عن “نقص المخزون”.
6. توتر أمني بحري في الخليج والبحر الأحمر (احتجاز/هجمات).
7. حملة إعلامية إسرائيلية تمهيدية عن “أيام صعبة في الجبهة الداخلية”.
6) خيارات عمل (حماس/تركيا/قطر/السلطة/الوسطاء)
(أ) حماس والفصائل
1. تجنّب الانجرار إلى معركة “توحيد الساحات” التي تريدها إسرائيل لتغطية فشلها أمام إيران.
2. تعزيز “السردية القانونية”: إسرائيل تستغل الأزمة لتكثيف الجرائم.
3. رفع الجاهزية الإعلامية والسياسية لأي محاولة فرض:
o نزع السلاح
o أو لجنة تكنوقراط وصاية
(ب) تركيا
1. الدفع لمسار “تهدئة إقليمية” يحمي غزة من أن تصبح ورقة حرب.
2. تفعيل دور تركيا كضامن إنساني/سياسي:
o منع تحويل الإعمار لأداة نزع سلاح.
3. رسائل مغلقة للأطراف الغربية: التصعيد ضد إيران سينعكس على غزة.
4. توسيع حضور تركيا في ملفات:
o المعابر، الإغاثة، المستشفيات، حماية المدنيين.
(ج) قطر
1. تثبيت قناة التفاوض ومنع الانهيار.
2. بناء جدار صد أمام مشروع الوصاية (بتمويل مشروط بسيادة فلسطينية).
3. حماية اتفاقات وقف النار عبر ضمانات متعددة الأطراف.
(د) السلطة الفلسطينية
1. تجنّب لعب دور “وكيل استلام غزة” ضمن صفقة دولية.
2. التمسك بمبدأ:
o حكومة وحدة/انتخابات
o أو إدارة فلسطينية توافقية لا وصائية.
(هـ) الوسطاء (مصر/الأمم المتحدة)
1. منع انفجار غزة بالتزامن مع التصعيد الإيراني.
2. تثبيت منظومة إدخال المساعدات بدون ابتزاز سياسي.
3. منع عسكرة ملف الإعمار.
7) الخلاصة والتوصيات
1. التغيير في خطاب ترامب هو تحول إلى شرعية أمنية لا تحول قيمي.
2. إسرائيل تخشى من الضربة الإيرانية على المدن لأن الضعف الحالي دفاعي لا هجومي.
3. السيناريو الأكثر واقعية: مفاوضات تحت التهديد، لكن خطر حرب المدن قائم.
4. يجب على الفاعلين المرتبطين بغزة (حماس/تركيا/قطر/الوسطاء) العمل على:
o فصل غزة عن حرب إيران
o منع الاستثمار الإسرائيلي للأزمة لفرض نزع السلاح أو الوصاية





