غزة بعد “ورقة ترامب”: مسارات الاحتلال، خيارات المقاومة، واحتمالات الحرب الأمريكية على إيران

إعداد: م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر
الصفة: باحث وكاتب فلسطيني – المركز العربي للبحوث والدراسات
التاريخ: يناير 2026
1) الملخص التنفيذي (Executive Summary)
تواجه غزة في أعقاب “طوفان الأقصى” مرحلة إعادة هندسة سياسية–أمنية تقودها الولايات المتحدة والاحتلال عبر ما يمكن تسميته بـ “ورقة ترامب”؛ وهي ليست مجرد مبادرة سياسية، بل إطار شامل لإعادة إنتاج واقع غزة عبر:
• نزع سلاح المقاومة تدريجيًا أو قسرًا
• تفكيك الشرعية السياسية للمقاومة وتحويلها إلى “ملف أمني”
• إنشاء بديل إداري–اقتصادي (تكنوقراط/مجلس/وصاية)
• فرض رقابة دولية طويلة بحجة الإعمار والاستقرار
• تحويل غزة من منطقة مقاومة إلى منطقة مُدارة
في المقابل، تمتلك المقاومة الفلسطينية—وعلى رأسها حماس—هامش تعطيل فعّال إذا نجحت في الجمع بين:
• ردع ميداني محسوب
• مبادرة سياسية داخلية تمنع “البديل المفروض”
• تحالفات عربية/إقليمية تدعم السيادة لا الوصاية
ويظل ملف إيران عنصرًا محوريًا في معادلة غزة؛ إذ إن أي تصعيد أمريكي ضد إيران أو وكلائها قد يُستخدم لتغيير قواعد غزة، أو لإعادة فرض هندسة أمنية إقليمية.
2) الإطار العام: ما هي “ورقة ترامب”؟ ولماذا هي أخطر من خطة سياسية؟
2.1 طبيعة الورقة
“ورقة ترامب” تُفهم ضمن مفهوم الهندسة السياسية بعد الحروب (Post-war Engineering)، وتعمل وفق منطق:
تحويل نتائج الحرب إلى نظام حكم جديد يضمن أمن الاحتلال دون تكلفة احتلال مباشر.
2.2 أهداف الورقة (الجوهر الحقيقي)
يمكن تلخيصها في 5 أهداف تشغيلية:
1. تجريد المقاومة من عنصر القوة (السلاح/الأنفاق/القدرة)
2. إعادة إنتاج سلطة وظيفية تُدار ماليًا وسياسيًا من الخارج
3. إعادة ضبط غزة كمشكلة إنسانية لا كقضية تحرر
4. إعادة تعريف أي مقاومة كتهديد دولي
5. إلغاء سيادة القرار الفلسطيني في غزة عبر وصاية طويلة
2.3 لماذا سيستمر الاحتلال بها؟
لأنها تحقق للاحتلال “ذهبًا استراتيجيًا”:
• إدارة غزة دون إعادة احتلال
• تقليل التكلفة البشرية للجيش
• إنهاء مركزية المقاومة كنموذج يُحتذى
• تقديم “إنجاز سياسي” لجمهور الاحتلال
الخلاصة: الاحتلال سيستمر في الورقة لأنها ليست خيارًا بل حاجة أمنية–سياسية.
3) المحددات الحاكمة لسلوك الاحتلال: هل يمضي للخطة أم يتراجع؟
المحدد الأول: العامل الميداني
نجاح الورقة مرتبط بشرط:
تعطيل القدرة العملياتية للمقاومة
وأي ظهور لقدرات مفاجئة للمقاومة يضرب الخطة في أساسها.
المحدد الثاني: العامل الدولي
كلما اتسعت الضغوط الحقوقية والفضائح الدولية:
• يتآكل الغطاء السياسي
• تتعقد الوصاية
• يزداد خطر انفجار البيئة الشعبية ضد البدائل المفروضة
المحدد الثالث: العامل الإسرائيلي الداخلي
الاحتلال يعيش:
• انقسام سياسي
• تناقض أهداف الحرب
• أزمة ثقة وقيادة
وهذا يضعف قدرة الاستمرار على خطة طويلة.
4) ماذا تستطيع حماس فعله؟ (خريطة خيارات واقعية(
4.1 المسار الأول: تعطيل شرعية البديل
الجوهر هنا ليس “رفض التكنوقراط” فقط، بل:
تجريد البديل من الشرعية الداخلية
أدوات التنفيذ:
• فرض خطاب وطني جامع: “لا وصاية، لا إدارة مفروضة”
• تقديم صيغة حكم فلسطينية داخلية بديلة (توافق/شراكة)
• تعرية أي مجلس مفروض بوصفه “حكم بالوكالة”
4.2 المسار الثاني: الردع الميداني المحسوب
ليس المطلوب تصعيدًا مفتوحًا، بل:
• عمليات نوعية متقطعة
• الحفاظ على عنصر المفاجأة
• جعل تكلفة التدخل عالية دون فتح حرب شاملة
الهدف:
إثبات أن غزة ليست “موقع إدارة” بل “ساحة مقاومة”.
4.3 المسار الثالث: معركة الوعي
يجب تحويل “ورقة ترامب” إلى:
• رمز “وصاية”
• عنوان “احتلال ناعم”
• مشروع “تصفية”
بما يعزلها شعبيًا ويحرجها دوليًا.
4.4 المسار الرابع: إدارة التحالفات
حماس تستطيع إعادة تشكيل موقف الوسطاء عبر:
• فرض معادلة: “إعمار نعم—وصاية لا”
• مطالبة تركيا/قطر/مصر بـ ضمانات سيادة لا ضمانات أمنية للاحتلال
5) السيناريوهات الثلاثة (2026–2027)
السيناريو (1): نجاح ورقة ترامب (الأسوأ)
الوصف:
يتم فرض مجلس/إدارة بديلة تدريجيًا، ويتم نزع سلاح المقاومة عبر مزيج (ضغط – حصار – تفكيك – اغتيالات).
شروط تحقق السيناريو:
• انهيار التوافق الفلسطيني الداخلي
• تفكك البيئة الشعبية تحت ضغط الجوع
• تآكل القدرات الميدانية للمقاومة
• توافق إقليمي على خيار الوصاية
النتائج:
• تحويل غزة إلى نموذج إدارة دولية طويلة
• ضرب نموذج المقاومة إقليميًا
• فتح مرحلة تصفية سياسية للقضية
السيناريو (2): تعثر الورقة (الأرجح)
الوصف:
يحاول الاحتلال تنفيذ الورقة، لكنه يفشل في فرض بديل كامل بسبب:
• استمرار فاعلية المقاومة
• رفض شعبي
• صراع إقليمي على النفوذ
مؤشرات تحقق:
• استمرار العمليات النوعية
• فشل تشكيل جسم إداري مقبول داخليًا
• انقسام الوسطاء حول “من يحكم غزة”
• عودة نموذج “إدارة أزمة” بدل “نظام جديد”
النتائج:
• مرحلة انتقالية طويلة
• تثبيت المقاومة كفاعل
• استمرار الضغوط الإنسانية والسياسية
السيناريو (3): انقلاب الورقة على الاحتلال (الأفضل للمقاومة)
الوصف:
تتحول الورقة إلى عبء على أمريكا والاحتلال بفعل:
• استحالة نزع السلاح
• تصاعد الضغط الحقوقي
• اضطراب داخلي إسرائيلي
• اضطراب إقليمي (إيران/البحر الأحمر)
مؤشرات تحقق:
• تراجع الدعم الدولي للوصاية
• تحوّل الوسطاء إلى صيغة فلسطينية داخلية
• اعتراف عملي بأن غزة لا تُدار إلا بتوافق فلسطيني
النتائج:
• تثبيت نموذج سيادة تدريجي
• كسر مفهوم “الحكم المهني المفروض”
• فتح الباب لتسوية وطنية على أساس شراكة
6) مصفوفة المخاطر (Risk Matrix)
6.1 المخاطر الرئيسية
1. تفجير البيئة الداخلية عبر التجويع
2. صناعة صراع أهلي/اقتتال داخلي
3. اختراق مؤسسات بديلة لتفكيك المجتمع
4. استنزاف المقاومة عبر سياسة الضربات الصغيرة
5. فرض وصاية اقتصادية بعنوان الإعمار
6. توسيع الحرب إقليميًا عبر إيران
6.2 تقدير المخاطر (مختصر)
• أعلى خطر: الانقسام الداخلي + التجويع
• أخطر تهديد طويل: التكنوقراط الوظيفي + الوصاية المالية
• أخطر تهديد إقليمي: تصعيد أمريكي–إسرائيلي ضد إيران
7) مؤشرات إنذار مبكر (Early Warning Indicators)
مؤشرات نجاح الورقة (خطر على المقاومة)
• بدء تشكيل أجهزة أمنية جديدة داخل غزة بغطاء دولي
• ظهور “رواتب/تمويل” مشروط بنزع السلاح أو بإدارة محددة
• فرض آلية رقابة على المعابر تتجاوز القرار الفلسطيني
• تراجع خطاب الوسطاء عن “الحقوق السياسية” لصالح “الاستقرار”
• قبول عربي/دولي بتسمية المقاومة “مشكلة أمنية”
مؤشرات فشل الورقة (فرصة للمقاومة)
• عجز البديل عن العمل ميدانيًا
• استمرارية معادلات الردع رغم الضغط
• رفض شعبي واسع للتكنوقراط
• تآكل الغطاء الإعلامي الأمريكي
• تضارب مصري–قطري–تركي حول هوية الإدارة
8) هل ستهاجم أمريكا إيران؟ وما أثر ذلك على غزة؟
8.1 الاحتمال الأقرب
الأرجح هو:
✅ ضربات محدودة/عمليات سيبرانية/اغتيالات
وليس:
❌ غزو شامل لإيران
8.2 أثر التصعيد على غزة
إذا وقع التصعيد ضد إيران:
• الاحتلال سيستخدمه لتعزيز رواية “تصفية المقاومة”
• قد تُفرض ترتيبات أمنية أشد على غزة
• قد يُعاد هندسة المعابر كجزء من “الحرب الإقليمية”
9) خيارات عمل (Course of Action)
9.1 خيارات الفصائل/حماس
1. مبادرة سياسية فلسطينية داخلية فورية
تمنع البديل المفروض وتثبت شرعية داخلية.
2. ربط الإعمار بالسيادة
أي إعمار بلا وصاية، وبقرار فلسطيني.
3. ردع محسوب
إثبات القدرة دون استنزاف شامل.
4. تحصين المجتمع ضد الاختراق
رفض الصراع الداخلي، منع التفكك المؤسسي، حماية العائلات والوجهاء من التوظيف السياسي.
9.2 خيارات تركيا
• دخول غزة عبر الإيواء والإعمار بصيغة:
“مساعدات = سيادة” لا “مساعدات = وصاية”
• رفض أي صيغة تنزع القرار الفلسطيني
• إنشاء إطار تركي–قطري–مصري لمنع الانفراد الأمريكي
• الدفع نحو إدارة فلسطينية توافقية بدل “لجنة مفروضة”
9.3 خيارات قطر
• ربط التمويل بـ “الحوكمة الوطنية” وليس “الحوكمة الوظيفية”
• حماية وحدة الصف الفلسطيني عبر رعاية تفاهمات داخلية
9.4 خيارات مصر
• منع الفوضى الأمنية عند الحدود
• منع استخدام المعابر كأداة هندسة سياسية أمريكية
• دعم صيغة فلسطينية توافقية تضمن عدم انفلات القطاع
خاتمة تقديرية
تؤشر المعطيات إلى أن “ورقة ترامب” هي محاولة لإعادة صياغة غزة ضمن نموذج “الاحتلال الناعم”، لكنها تواجه معضلتين:
1. استحالة نزع السلاح دون انفجار شامل
2. استحالة صناعة شرعية بديلة دون توافق فلسطيني
وعليه فإن السيناريو الأرجح هو:
✅ تعثر الورقة والدخول في مرحلة انتقالية طويلة
إلا إذا فُككت الجبهة الداخلية الفلسطينية أو تم تمرير بديل وظيفي تحت ضغط ال





