الملف السياسي

العالم يتجه الى عالم مضطرب متعدد الاقطاب

المهندس | إسماعيل الاشقر

تشير التطورات حتى بداية يوليو/تموز 2026 إلى أن العالم دخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النظام الدولي، ولم يعد الصراع يقتصر على المنافسة بين القوى الكبرى، بل أصبح يدور حول إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا في آن واحد.

أولاً: الولايات المتحدة

الولايات المتحدة تحاول الجمع بين هدفين متعارضين:

• منع إيران من امتلاك قدرات عسكرية تهدد المصالح الأمريكية وحلفائها.

• وفي الوقت نفسه منع تحول المواجهة إلى حرب إقليمية طويلة تستنزف واشنطن.

هناك توجه أمريكي لإعادة ترتيب الشرق الأوسط عبر:

• اتفاقات أمنية جديدة.

• تعزيز التحالف مع الدول العربية.

• محاولة إنهاء الحرب في غزة بصورة تحفظ المصالح الأمريكية.

• دفع مسار تفاهمات مع إيران إذا أمكن.

ثانياً: إسرائيل

إسرائيل تواجه اليوم عدة تحديات متزامنة:

1. استمرار حرب غزة دون تحقيق حسم كامل.

2. تراجع صورتها الدولية بصورة ملحوظة.

3. ضغوط أمريكية أكبر من السابق لإنهاء الحرب.

4. انقسام داخلي سياسي واجتماعي.

ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي، فإنها لم تحقق حتى الآن إنهاءً كاملاً لقدرات حماس، كما أن ملف إيران لم يُغلق بصورة نهائية

ثالثاً: إيران

إيران خرجت من مرحلة الدفاع إلى مرحلة إعادة بناء الردع.

أولوياتها الحالية:

• إعادة بناء قدراتها العسكرية.

• تثبيت نفوذها الإقليمي.

• الاستفادة من أي مفاوضات مع واشنطن.

• المحافظة على أوراقها في المنطقة.

ورغم الضربات التي تعرضت لها، فإنها ما زالت لاعباً رئيسياً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية.

رابعاً: تركيا

تركيا ربما تكون الدولة الأكثر استفادة استراتيجياً من التطورات الأخيرة.

فهي تحاول أن تجمع بين:

• عضويتها في حلف الناتو.

• علاقاتها مع العالم الإسلامي.

• دور الوسيط في أزمات المنطقة.

• تعزيز صناعاتها الدفاعية.

• توسيع نفوذها في سوريا والعراق والقوقاز والبحر الأسود.

كما تستضيف قمة مهمة للناتو، وتطالب بدور أكبر في الأمن الأوروبي ورفع القيود عن صناعاتها الدفاعية.

خامساً: حلف الناتو

الناتو يشهد تحولاً كبيراً:

• زيادة الإنفاق العسكري.

• التركيز على روسيا.

• الاستعداد لمواجهة التهديدات القادمة من الشرق الأوسط.

• تطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي.

وتزداد أهمية تركيا داخل الحلف بسبب موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية.

سادساً: حماس وإسرائيل

الحرب دخلت مرحلة مختلفة عن عامي 2023 و2024.

الوضع الحالي يتسم بـ:

• استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.

• استمرار قدرة حماس على القتال رغم الضغوط.

• عدم وجود اتفاق نهائي حتى الآن.

• استمرار الوساطات القطرية والمصرية والتركية.

ويبدو أن الطرفين لم يحققا أهدافهما كاملة؛ فإسرائيل لم تنه الحركة عسكرياً، بينما لم تحقق حماس أهدافها السياسية والعسكرية بالكامل، ما يجعل المفاوضات والضغوط الدولية عاملاً مهماً في المرحلة المقبلة.

إلى أين يتجه العالم؟

يمكن تلخيص الاتجاهات الكبرى في خمس نقاط:

1. نظام دولي متعدد الأقطاب

لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد، بل يزداد تأثير:

• الصين

• روسيا

• تركيا

• الهند

• القوى الإقليمية.

2. سباق تسلح عالمي

هناك ارتفاع غير مسبوق في الإنفاق العسكري، خاصة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

3. الشرق الأوسط سيظل مركز التنافس

القضايا الأكثر تأثيراً:

• إيران.

• غزة.

• أمن الخليج.

• الممرات البحرية.

• الطاقة.

4. الاقتصاد سيصبح جزءاً من الصراع

التنافس لم يعد عسكرياً فقط، بل يشمل:

• الذكاء الاصطناعي.

• الطاقة.

• أشباه الموصلات.

• سلاسل الإمداد.

• الموانئ والممرات التجارية.

5. الدبلوماسية ستعود بقوة

بعد سنوات من المواجهات العسكرية، تتزايد المؤشرات على أن القوى الكبرى تسعى إلى إدارة الصراعات عبر تفاهمات مرحلية بدلاً من حروب مفتوحة، خصوصاً في ملفات إيران وغزة.

تقدير موقف

إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فمن المرجح أن يشهد العالم خلال الأعوام 2026–2030:

• استمرار المنافسة بين الولايات المتحدة والصين باعتبارها المحرك الرئيسي للنظام الدولي.

• بقاء الشرق الأوسط ساحة تنافس إقليمي ودولي، مع احتمال تراجع الحروب الواسعة لصالح ترتيبات أمنية مرحلية إذا نجحت المسارات الدبلوماسية.

• تنامي دور القوى الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا، في الوساطة والأمن الإقليمي.

• استمرار الملف الفلسطيني كأحد أكثر الملفات تعقيداً، مع بقاء مستقبل غزة والتسوية السياسية محل تجاذب بين الأطراف الإقليمية والدولية.

بعبارة موجزة، العالم يتجه نحو تعدد الأقطاب مع منافسة استراتيجية طويلة الأمد، وليس بالضرورة نحو حرب عالمية شاملة، وإن كانت مخاطر التصعيد الإقليمي ستظل مرتفعة في بؤر مثل الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية.

تقدير موقف مختصر

العنوان: العالم يتجه إلى تهدئة مؤقتة لا إلى سلام شامل.

الخلاصة:

المشهد الدولي في يوليو 2026 يقوم على ثلاث جبهات مترابطة: غزة، إيران، وأمن الناتو. الولايات المتحدة تريد إطفاء الحرائق لا حلّ جذورها. إسرائيل تريد الحفاظ على تفوقها العسكري. إيران تريد تثبيت الردع بعد الضربات. تركيا تحاول تحويل موقعها الجغرافي والسياسي إلى نفوذ داخل الناتو والشرق الأوسط.

الاتجاهات الرئيسية

1. أمريكا: تتحرك نحو إدارة الأزمات لا إنهائها. فهي تضغط للتهدئة مع إيران، وتدير ملف غزة عبر الوسطاء، وتطلب من أوروبا تحمّل مسؤولية أمنية أكبر داخل الناتو.

2. إسرائيل: لم تحقق حسماً نهائياً في غزة، وتوسّع مفهوم أمنها إلى لبنان وإيران. زيارة نتنياهو للجنوب اللبناني المحتل وتصريحه بعدم الانسحاب يؤكدان أن إسرائيل تتجه إلى سياسة “مناطق عازلة” طويلة

3. إيران: خرجت متضررة لكنها غير مكسورة. تسعى إلى تحويل وقف التصعيد إلى مكاسب سياسية واقتصادية، خصوصاً في ملف العقوبات ومضيق هرمز.

4. تركيا والناتو: تركيا صاعدة داخل الحسابات الأطلسية. قمة الناتو في أنقرة يومي 7 و8 يوليو 2026 تمنح أنقرة فرصة للمطالبة برفع القيود الدفاعية وإشراكها أكثر في الأمن الأوروبي.

5. حماس وإسرائيل: الحرب تتجه إلى استنزاف طويل أو صفقة مرحلية، لا إلى حسم كامل. مفاوضات مصر وقطر وتركيا ستبقى فاعلة، لكن إسرائيل تريد اتفاقاً أمنياً، وحماس تريد وقفاً للحرب وضمانات سياسية وإنسانية.

السيناريوهات

الأول: تهدئة مرحلية

وقف إطلاق نار جزئي في غزة، وتجميد المواجهة مع إيران، وترتيبات أمنية في لبنان. هذا هو السيناريو الأرجح.

الثاني: انفجار إقليمي محدود

عودة ضربات بين إيران وإسرائيل أو توسع جبهة لبنان، لكنه غالباً يبقى مضبوطاً بسبب الخوف من حرب شاملة.

الثالث: تسوية أوسع

اتفاق أمريكي إيراني، وقف حرب غزة، وترتيبات أمنية إقليمية. هذا ممكن لكنه ضعيف حالياً.

التقدير الراجح

العالم لا يتجه إلى حرب عالمية مباشرة، بل إلى نظام دولي مضطرب متعدد الأقطاب، تتقدم فيه القوى الإقليمية مثل تركيا، وتضعف فيه قدرة أمريكا على فرض حل نهائي. أما فلسطين فستبقى مركز الصراع الأخلاقي والسياسي في الشرق الأوسط، وغزة ستكون مفتاح الاستقرار أو الانفجار القادم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى