
إعداد: م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر
الإطار: تحليل سياسي–استراتيجي
التاريخ المرجعي: يناير 2026
أولاً: الملخص التنفيذي
أظهرت قمة مار إيه لاغو التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو مستوى غير مسبوق من التداخل بين الملف الفلسطيني، ولا سيما قطاع غزة، وبين الملفات الإقليمية الأوسع. وأكدت القمة أن الإدارة الأمريكية لا تزال تعتبر مسار غزة محوراً أساسياً في محاولتها إعادة هندسة الواقع الإقليمي، ومنع انهيار استراتيجيتها الأوسع في الشرق الأوسط.
ورغم السقف الخطابي المرتفع للتهديدات الأمريكية–الإسرائيلية بشأن سلاح المقاومة، تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن ترامب نجح في دفع أجندته المتعلقة بالانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة، مقابل تقديم دعم سياسي داخلي حاسم لنتنياهو في مواجهة أزماته القضائية والسياسية.
ثانياً: غزة والمرحلة الثانية من الاتفاق – فجوة التنفيذ
من المتوقع – وفق المعطيات المتداولة – أن تدخل المرحلة الثانية من اتفاق غزة حيز التنفيذ الجزئي بحلول منتصف يناير الجاري. غير أن فجوات جوهرية في آليات التنفيذ، وعلى رأسها ملف نزع سلاح المقاومة، تهدد بتعطيل المسار برمّته.
• تضغط واشنطن لتنفيذ خطتها التي بدأ تفعيلها عملياً منذ أكتوبر الماضي.
• في المقابل، تسعى دولة الاحتلال إلى إبطاء وتيرة التنفيذ، وإعادة صياغة بنود المرحلة الثانية بما يخدم مقاربتها الأمنية.
• ترى الإدارة الأمريكية أن تحقيق تقدم في غزة من شأنه عزل إيران ودفعها إلى الانخراط في مسار دبلوماسي أوسع.
ثالثاً: ثوابت الموقف الأمريكي وفق الإعلام العبري
أجمعت وسائل الإعلام العبرية على أن ترامب تمسك برؤيته في معظم الملفات المطروحة، ويمكن تلخيصها على النحو التالي:
• غزة: فرض الانتقال إلى المرحلة الثانية دون تلبية الشروط الإسرائيلية المسبقة (استعادة جثمان الجندي ونزع سلاح حماس)، مع التلويح بمهلة أمريكية–إسرائيلية غير رسمية تمتد لشهرين لمعالجة ملف السلاح.
• لبنان: منح ضوء أخضر لتصعيد محدود دون الانجرار إلى حرب شاملة.
• سوريا: دفع باتجاه العودة إلى مسار تفاهمات أمنية عبر قنوات تفاوض غير مباشرة.
• إيران: الإبقاء على “إسرائيل” كأداة ردع وتهديد دون توجيه ضربة عسكرية في المرحلة الحالية.
• الضفة الغربية: مطالبة واضحة بوقف التوسع الاستيطاني الجديد، ووقف إضعاف السلطة الفلسطينية، ومنع اعتداءات المستوطنين، دون وضوح رد إسرائيلي حاسم.
رابعاً: الدعم السياسي لنتنياهو وتداعياته الداخلية
في مقابل التنازلات المطلوبة إسرائيلياً، قدّم ترامب دعماً سياسياً مباشراً لنتنياهو، وُصف في الإعلام العبري بأنه تدخل فجّ وخطير في السياسة الداخلية الإسرائيلية.
وقد بلغ هذا التدخل ذروته بتصريحات ترامب التي اعتبر فيها أن نتنياهو “رجل المرحلة” وأن بقاء “إسرائيل” كان مرهوناً بقيادته.
بالتوازي، يمارس ترامب ضغوطاً مستمرة للحصول على عفو رئاسي لنتنياهو من الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ.
خامساً: المساعدات العسكرية كـ«جائزة سياسية»
تشير بعض التقديرات إلى أن “الجائزة” الأمريكية لنتنياهو قد تتمثل في حزمة المساعدات العسكرية طويلة الأمد.
• الاتفاق الحالي (2018–2028) يبلغ 38 مليار دولار.
• بدأت بالفعل مشاورات الاتفاق المقبل (2028–2038)، مع تلميحات إسرائيلية إلى أنه سيكون “أكبر وأكثر نوعية”، دون إعلان تفاصيل رسمية.
سادساً: الرؤية الإسرائيلية لنزع سلاح المقاومة
ترى دولة الاحتلال أن نزع سلاح المقاومة ليس مسألة تفاوضية تقنية، بل عملية أمنية–عسكرية يجب أن تسبق أي مسار لإعادة الإعمار.
ويقترح نتنياهو خريطة طريق تقوم على:
• سيطرة إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة على ما يصل إلى 75% من قطاع غزة.
• ربط أي انسحاب بإنجاز تقدم ملموس في ملف السلاح.
• تبرير ذلك بعدم قدرة الولايات المتحدة على تشكيل قوة استقرار دولية، وهو عنصر أساسي في المرحلة الثانية.
سابعاً: الوقائع الميدانية – توسيع السيطرة والاختراق الداخلي
على الأرض، تواصل قوات الاحتلال:
• توسيع المنطقة العازلة عبر تحريك “الخط الأصفر” في جباليا وغزة وخان يونس.
• تعزيز السيطرة الفعلية عبر مكعبات إسمنتية وانتشار عسكري دائم.
• دعم محاولات اختراق داخلي عبر ميليشيات محلية، أُجبرت بواسطتها أحياء سكنية كاملة على الإخلاء شرق غزة.
ثامناً: الحراك الدبلوماسي الإقليمي
توازياً مع التصعيد الميداني:
• استضافت القاهرة وأنقرة اجتماعات منفصلة للوسطاء عقب لقاء موسّع في ميامي.
• زار وفد إسرائيلي القاهرة للمطالبة باستعادة جثمان الجندي ران غوئيلي.
• توجه وفد من حماس إلى أنقرة، محذّراً من خروقات تهدف إلى عرقلة المرحلة الثانية، ومؤكداً الالتزام الكامل باستحقاقات المرحلة الأولى.
تاسعاً: الضفة الغربية – حرب استيطان ممنهجة
تشهد الضفة الغربية تصعيداً غير مسبوق يهدف إلى حسم الواقع النهائي على الأرض:
• 47,390 وحدة استيطانية قُدمت أو أُقرت عام 2025.
• 80 بؤرة استيطانية جديدة (أعلى رقم منذ 1991).
• المصادقة على 19 مستوطنة جديدة بقرار حكومي.
• تهجير أكثر من 1000 فلسطيني في المنطقة (ج).
يترافق ذلك مع تصعيد منظم:
• 2,144 اعتداءً خلال شهر نوفمبر فقط.
• أكثر من 750 إصابة فلسطينية نتيجة هجمات المستوطنين خلال عام واحد.
عاشراً: المخاوف الأمنية الإسرائيلية
تحذر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن استمرار هذا المسار سيقود حتماً إلى انفجار شامل، مع تصاعد العمليات الفردية، في ظل:
• انسداد الأفق السياسي
• التدهور الاقتصادي
• توسع الاعتقالات والاقتحامات
• إطلاق يد المستوطنين
احادي عشر: مأزق السلطة الفلسطينية
تواجه السلطة الفلسطينية أزمة شرعية متفاقمة، وتسعى لاسترضاء واشنطن أملاً بالحصول على دور في مستقبل غزة.
وقدّم الرئيس محمود عباس تعهدات إصلاحية شملت:
• تحديث المنظومة القانونية والمؤسسية
• مراجعة المناهج التعليمية
• وقف رواتب الأسرى المحررين
أدت هذه الخطوات إلى غضب شعبي واسع، دون أن يقابلها أي مقابل سياسي ملموس، في ظل تسارع الاستيطان وخطط الضم.
ثاني عشر: الاستراتيجية الإسرائيلية الإقليمية الجديدة
تتجه دولة الاحتلال إلى تبني عقيدة أمنية هجومية قائمة على تحالفات عابرة للأقاليم:
• شرقاً: الهند
• جنوباً: إثيوبيا
• شمالاً: أذربيجان
• غرباً: اليونان وقبرص
ويأتي الاعتراف الإسرائيلي بـ“أرض الصومال” في هذا السياق، بهدف إيجاد موطئ قدم مقابل النفوذ التركي المتصاعد في القرن الإفريقي.
خلاصة تقديرية
تكشف المعطيات أن مسار غزة بات نقطة الارتكاز المركزية في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وأن الفجوة بين الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، خاصة في ملف نزع السلاح والانسحاب، مرشحة للتوسع. وفي ظل التصعيد المتزامن في الضفة الغربية، وتآكل شرعية السلطة الفلسطينية، يظل خطر الانفجار الشامل قائماً، ما لم يحدث اختراق سياسي جوهري يتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها.






