مقالات

لسنا مع إسرائيل وأمريكا ضد إيران… نحن مع الحق ضد مشروع الإبادة

المهندس اسماعيل الاشقر 

ليس مطلوبًا منا، أخلاقيًا ولا سياسيًا، أن نصطفّ مع إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، خصوصًا في ظلّ ما جرى ويجري في غزة من دمار واسع النطاق، والدعم العسكري والسياسي الضخم الذي قدمته واشنطن لتل أبيب طوال سنوات الصراع. فقد أعلنت الولايات المتحدة نفسها أنها قدّمت لإسرائيل أكثر من 130 مليار دولار من المساعدات العسكرية عبر العقود، إضافة إلى صفقات تسليح ودعم سياسي مستمر، الأمر الذي يجعل الحديث عن حيادٍ أو توازنٍ في هذا الصراع أمرًا يصعب تصديقه لدى كثير من المتابعين.

لكن في المقابل، فإن رفض هذا الاصطفاف لا يعني تلقائيًا الانحياز المطلق إلى أي قوة إقليمية أخرى. فالموقف الأكثر اتزانًا هو أن نكون مع الحق، ومع فلسطين، ومع كرامة شعوب المنطقة، وضد كل مشروع يقوم على الهيمنة والتدمير، دون أن نمنح أي طرف صكّ براءة أو حصانة أخلاقية.

ويمكن فهم هذا الموقف من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:

أولًا: البعد الأخلاقي

من رأى ما حدث في غزة يصعب عليه أن يتعامل مع الخطاب الأمريكي–الإسرائيلي باعتباره خطابًا عن “الأمن” أو “الدفاع عن النفس”. فقد شهد القطاع دمارًا هائلًا وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، بينهم آلاف الأطفال والنساء.

كما أن محكمة العدل الدولية أصدرت أوامر تدابير مؤقتة تدعو إلى منع الأفعال التي قد تندرج ضمن جرائم الإبادة الجماعية، في حين صدرت عن المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين في سياق التحقيق في جرائم الحرب. هذه التطورات القانونية تعكس حجم القلق الدولي المتزايد من طبيعة العمليات العسكرية التي شهدتها غزة.

ثانيًا: البعد السياسي

لا يمكن النظر إلى الولايات المتحدة وإسرائيل بوصفهما طرفين محايدين في صراعات المنطقة. فالعلاقة الاستراتيجية العميقة بينهما، والدعم العسكري والسياسي المتواصل، جعلاهما جزءًا مباشرًا من معادلة القوة في الشرق الأوسط.

ولذلك يرى كثير من المراقبين أن السياسات المتبعة في المنطقة لا تنفصل عن هذا التحالف وتأثيره المباشر في صياغة موازين القوة والقرارات السياسية والعسكرية.

ثالثًا: البعد الاستراتيجي

الاصطفاف التلقائي داخل أي محور إقليمي قد يحوّل شعوب المنطقة إلى أدوات في صراعات القوى الكبرى. فالوقوف “مع أمريكا وإسرائيل ضد إيران” بالصورة التي يُطرح بها الخطاب السياسي اليوم يعني عمليًا الاصطفاف مع مشروع أثبت في غزة أنه لا يتردد في استخدام القوة المفرطة، والحصار، والتدمير واسع النطاق.

ولهذا يرى كثير من الباحثين أن ما يجري لا يتعلق فقط بصراع مع إيران، بل يدخل ضمن سياق أوسع لإعادة تشكيل المنطقة بما يضمن بقاء إسرائيل القوة العسكرية العليا، ويعيد ترتيب موازين القوى الإقليمية بما يخدم هذا الهدف.

مأساة غزة في الوعي الإنساني

لقد شهدت غزة واحدة من أشد الكوارث الإنسانية في العصر الحديث. فقد تُرك المدنيون تحت القصف والحصار، ومات الأطفال والنساء وكبار السن أمام أعين العالم، بينما عجز المجتمع الدولي عن وقف المأساة أو حتى توفير الحد الأدنى من الحماية الإنسانية.

ومهما كان الرقم النهائي للضحايا من الشهداء والجرحى والأسرى، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن غزة عاشت مأساة إنسانية عميقة تركت أثرًا كبيرًا في الوعي العالمي، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول العدالة الدولية وحدود النظام العالمي القائم.

الخلاصة

القضية ليست أن نكون مع أمريكا وإسرائيل ضد إيران،

ولا أن نكون مع إيران ضد غيرها.

القضية الحقيقية هي أن يكون موقفنا واضحًا:

أن نكون مع العدالة، ومع فلسطين، ومع حق شعوب المنطقة في الحياة والكرامة.

فالمعيار الحقيقي ليس: من يعادي إيران؟

بل المعيار هو: من قتل غزة، ومن سلّح قاتلها، ومن ما زال يوفر له الغطاء السياسي والعسكري.

ولهذا نقول بوضوح:

لسنا مع إسرائيل وأمريكا ضد إيران…

بل نحن مع الحق ضد مشروع الإبادة،

وضد كل مشروع يقوم على الظلم والهيمنة، أيًّا كان مصدره.

م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر

14 مارس 2026

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى