الملثم والطوفان – ” عماد عقل ” الملثم الذي دشّن الطوفان

اعداد المهندس| اسماعيل الاشقر
في ذاكرة المقاومة الفلسطينية تتجسد أسماء قليلة تتحول إلى أيقونات، لكن اسم عماد حسن إبراهيم عقل – أبو حسين – خرج من رحم المخيم الفقير في جباليا ليصبح “الملثم” الذي زرع الرعب في قلوب جنود الاحتلال، ولقبته الجماهير بـ”صاحب الأرواح السبعة”، و”مهندس الاشتباك من نقطة صفر”، و”كابوس الصهاينة” الذي حيّر قادتهم وأفزع مستوطنيهم. حتى إسحاق رابين، رئيس وزراء العدو آنذاك، اضطر أن يصفه بـ”الأسطورة” التي لم تفلح إسرائيل في إيقافها إلا بعد عامين من المطاردة الدامية.
الفصل الأول:
عماد عقل – الملثم الذي دشّن الطوفان
التمهيد
حين نكتب عن الملثم، فإننا لا نكتب عن قماش بالكوفية يخبئ ملامح وجه، بل عن رمزية عميقة تخلّد سرّ المقاومة وتمنحها قوة الغيب. الملثم هو العابر بين الحياة والشهادة، بين الفرد والأمة، بين الفعل الخفيّ والنتيجة الصاخبة. ولعل أول من جسّد هذه الرمزية في مسار الطوفان المقاوم هو الشهيد القائد عماد عقل، الذي فقط، لكنه كتب بدمه وأفعاله ملحمة جعلت من اسمه مرادفًا للرعب في قاموس الاحتلال، ومن صورته باللثام أيقونة تتوارثها الأجيال حتى يومنا هذا.
المولد والنشأة
ولد عماد حسن إبراهيم عقل – أبو حسين – في 19 يونيو/حزيران 1971، في مخيم جباليا الذي احتضن آلاف المهجرين من قراهم المدمّرة عام النكبة. والده مؤذن في مسجد الشهداء، ووالدته مثال للبساطة والصبر. اختار له أبوه اسم عماد تيمنًا بالقائد المسلم عماد الدين زنكي، وكأن القدر رسم أن يكون هذا الشاب امتدادًا لسلسلة من قادة حملوا على عاتقهم كسر شوكة الغزاة.
العلم الذي قُطع بالسجن
تفوق عماد في دراسته، وكان الأول على دفعته في الثانوية. حلم أن يدرس الصيدلة، لكن اعتقاله عام 1988 بتهمة الانتماء لحركة حماس قطع طريقه نحو الجامعة. ورغم الإفراج عنه لاحقًا، ظل الاحتلال يمنعه من السفر لإكمال دراسته في الأردن، فالتفت إلى ساحة أخرى؛ ساحة الجهاد.
الانتفاضة… مدرسة المقاومة
كان عماد في قلب انتفاضة الحجارة: يرسم الشعارات على الجدران، يقود المظاهرات، ويحرض الشباب على المواجهة. لم يكن مجرد ناشط، بل قائد بالفطرة. وحين التحق بكتائب القسام صار ضابط اتصال لمجموعة “الشهداء”، ونفذ أولى عملياته التي أرهبت الاحتلال وزلزلت منظومته الأمنية.
النقطة صفر
ما ميّز عماد أنه قاتل على بعد خطوات من جنود الاحتلال. أسلوب النقطة صفر – المواجهة المباشرة وجهاً لوجه – كان بصمته الخاصة. قتل عشرات الجنود في عمليات نوعية، أبرزها:
• عملية حي الشجاعية (25 نوفمبر 1992).
• عملية جباليا والشيخ رضوان (مارس 1993).
• عملية مسجد مصعب بن عمير (12 سبتمبر 1993) التي وثّقتها الكاميرا لأول مرة، وكانت بداية الحرب النفسية بالصورة.
لم يكن يطلق النار فقط، بل كان يصنع مدرسة تكتيكية جديدة: غنيمة سلاح العدو، استخدام بندقية الكارلو، والتوثيق الإعلامي للعمليات.
مطاردة رابين
عجزت أجهزة الاحتلال عن اصطياده، حتى إن رابين نفسه لجأ إلى عائلته ليعرض عليهم نفيه، فجاء رد عماد حاسمًا: “إن رابين لا يستطيع أن يمنع شابًا قرر أن يموت”. لقد كان يعيش فلسفة المقاومة بصدق: إما النصر أو الشهادة.
لحظة الخلود
في صباح 24 نوفمبر 1993، حاصرت قوات الاحتلال منزلًا في حي الشجاعية بـ 60 مدرعة. قاتل عماد حتى اللحظة الأخيرة، قبل أن تصيب وجهه قذيفة مضادة للدروع. ارتقى الملثم، ليكتب آخر فصول حياته بدم غزير فتح دربًا طويلًا لمن جاؤوا بعده.
الإرث الحي
لم يكن عماد عقل مجرد شهيد شاب، بل كان فاتح الطريق. لقد علّم المقاومة أن الملثم ليس شخصًا، بل فكرة، وأن الدم قادر أن يزرع الطوفان. كل من جاء بعده – من قادة القسام وصولًا إلى أبو عبيدة – حمل لثام عماد عقل بطريقة أو بأخرى. ومن هنا يصبح “الملثم” ليس لقبًا، بل عنوانًا دائمًا لمسار مقاوم يتجدد مع كل جيل.
الخاتمة
إذا كان الطوفان اليوم يربك المنطقة ويعيد رسم خرائط الصراع، فإن جذره الأول كان في جيل عماد عقل. جيل لم يكن يملك سوى الحجارة وبندقية الكارلو، لكنه أطلق الشرارة التي كبرت لتغدو سيلًا جارفًا. عماد هو الملثم الأول الذي أعلن أن المعركة لا تعرف نصف ولاء، وأن فلسطين لن تتحرر إلا برجال يعشقون الشهادة كما يعشق عدوهم الحياة.






