من الحماية إلى الهيمنة… هل يدخل الشرق الأوسط مرحلة الحروب العقائدية؟
حين تتكلم الدبلوماسية بلغة الغزاة:

لم تعد بعض التصريحات الصادرة عن شخصيات دبلوماسية غربية تُقرأ بوصفها مواقف عابرة، بل باتت تُفهم في سياق تحوّل أعمق في لغة السياسة الدولية تجاه الشرق الأوسط. فحين تُطرح أفكار تبارك أو تبرّر احتلال أراضٍ عربية، كما ورد في تصريحات منسوبة إلى السفير الأمريكي في الكيان الصهيوني، فإن الدبلوماسية هنا لا تبدو كأداة لخفض التصعيد، بل كخطاب يقترب من منطق القوة وإعادة رسم الخرائط.
هذه اللغة الصادمة أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا متجددًا: هل ما زال الدعم الأمريكي لإسرائيل يُفهم ضمن إطار “الحماية الاستراتيجية”، أم أنه تحوّل تدريجيًا إلى نموذج نفوذ ما بعد استعماري يعيد تشكيل التوازنات الإقليمية وفق رؤية أحادية؟ فبالنسبة لكثير من المراقبين في المنطقة، يبدو أن الدعم العسكري والسياسي غير المشروط خلق اختلالًا بنيويًا في ميزان القوة، وأعطى انطباعًا بأن واشنطن لم تعد وسيطًا، بل طرفًا فاعلًا في إعادة هندسة البيئة السياسية والأمنية.
خطورة التصريحات الأخيرة لا تكمن فقط في مضمونها السياسي، بل في رمزيتها العميقة. إذ إن إدخال مفردات دينية أو توسعية إلى الخطاب الدبلوماسي يفتح الباب أمام تحويل النزاعات من صراعات سياسية قابلة للإدارة إلى مواجهات هوياتية ذات طابع عقائدي. وفي منطقة تعيش أصلاً على وقع حروب ممتدة، قد يؤدي هذا التحول إلى رفع مستوى الاستقطاب الشعبي وإغلاق مسارات التسوية الواقعية.
في المقابل، ترى الولايات المتحدة أن دعمها لإسرائيل جزء من شبكة تحالفات عالمية أوسع، وأنه يرتبط بحسابات الردع وموازين القوى الدولية في مواجهة منافسين كبار. لكن التناقض بين خطاب “النظام الدولي القائم على القواعد” وبين واقع السياسات على الأرض يخلق فجوة متزايدة في الثقة، ويعزز سرديات تعتبر أن المنطقة تُدار بمنطق الهيمنة لا الشراكة.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري، بل انزلاق الخطاب السياسي نحو ثنائية “الشرعية الدينية” و”الحدود المقدسة”، وهي مفاهيم إذا ما ترسّخت في لغة الدبلوماسية ستدفع الصراع إلى مستويات يصعب احتواؤها.
السؤال المركزي لم يعد: ماذا تريد واشنطن أو تل أبيب؟ بل: كيف يمكن لشعوب المنطقة وقواها السياسية أن تمنع تحوّل الخلافات الجيوسياسية إلى حروب عقائدية تأكل الأخضر واليابس؟ فبين خطاب الحماية وممارسات الهيمنة، يقف الشرق الأوسط أمام لحظة مفصلية؛ إما أن يستعيد منطق السياسة كفنّ لإدارة التوازنات، أو أن ينزلق إلى مرحلة جديدة تتكلم فيها الدبلوماسية بلغة الغزاة بدل لغة السلام.






