تقدير موقف استراتيجي المشهد الفلسطيني–الإقليمي والدولي

التاريخ: 16 يناير/كانون الثاني 2026
المعدّ: م. إسماعيل عبد اللطيف الأشقر
1. أولاً: الملخص التنفيذي
تشهد الساحة الفلسطينية–الإقليمية لحظة سيولة استراتيجية مرتفعة تتقاطع فيها ثلاث مسارات كبرى:
تصعيد ميداني متواصل في قطاع غزة والضفة الغربية،
توتر إقليمي متعدد الجبهات (لبنان–سوريا–إيران)،
وأزمة حوكمة داخلية في إسرائيل،
بالتوازي مع محاولة أمريكية لإعادة هندسة المشهد عبر ما يسمى «المرحلة الثانية» ومجلس السلام لإدارة غزة.
تُظهر المعطيات أن وقف إطلاق النار في غزة بات إطارًا شكليًا أكثر منه آلية ضبط فعلية، في ظل استمرار الاغتيالات وعمليات النسف والتجريف وتوسيع ما يسمى «الخط الأصفر». إقليميًا، تم كبح ضربة أمريكية وشيكة ضد إيران في اللحظة الأخيرة، ليس بوصفه تراجعًا استراتيجيًا، بل إعادة تموضع مؤقتة، مع تحويل الضغط نحو المسار الاقتصادي والعقابي. داخليًا، تواجه حكومة نتنياهو ضغوطًا مركّبة (قانون التجنيد، الشارع، القضاء، الأكاديمية)، ما يزيد من احتمالات توظيف التصعيد الأمني لأهداف سياسية داخلية.
الخلاصة: البيئة الراهنة عالية المخاطر، والفجوة بين الخطاب السياسي (السلام/المرحلة الثانية) والواقع الميداني مرشحة للتوسع، بما يرفع احتمالات الانفجار التكتيكي أو الانزلاق إلى تصعيد إقليمي أوسع.
ثانياً: المشهد الميداني
1. قطاع غزة
أ. طبيعة العمليات
• تصعيد نوعي في سياسة الاغتيالات باستهداف قيادات ميدانية (استشهاد القيادي القسّامي أبو فؤاد الحولي في دير البلح).
• كثافة نارية مركبة: غارات جوية، قصف مدفعي، صواريخ مروحيات، وعمليات نسف خاصة في شمال القطاع (بيت لاهيا، شمال غزة).
• انتقال الضغط إلى بيئات النزوح، كما في إطلاق النار المباشر على خيام النازحين في مخيم حلاوة شرق جباليا.
ب. وقف إطلاق النار
• تسجيل أكثر من 1200 خرق منذ بدء الاتفاق وفق المكتب الإعلامي الحكومي.
• توسعة «الخط الأصفر» عمليًا، بما يعيد رسم حدود السيطرة بالقوة.
ج. البعد الإنساني
• أكثر من نصف مليون نازح بلا مأوى فعلي.
• أزمة معتقلين حادة داخل السجون الإسرائيلية (نوم في العراء وتحت البرد).
• أكثر من 60 مليون طن من الأنقاض، وإعادة الإعمار قد تستغرق أكثر من 7 سنوات.
2. الضفة الغربية
• تصاعد الاقتحامات والاعتقالات في جنين، نابلس، رام الله، الخليل.
• تزامن ذلك مع اعتداءات منظمة للمستوطنين (تجريف أراضٍ، تكسير أشجار زيتون، توسعة بؤر).
• اشتباكات شبه يومية، مع مؤشرات انتقال من المواجهات الشعبية إلى أدوات أكثر تنظيمًا.
3. الجبهة الشمالية (لبنان–سوريا)
• موجات غارات جوية إسرائيلية متكررة على جنوب وشرق لبنان.
• تثبيت معادلة «التهديد ثم التنفيذ» ضد أهداف مدنية وبنى تحتية.
• نشاط عسكري محدود في الجولان السوري المحتل، مع مؤشرات استخفاف بقواعد الاشتباك.
ثالثاً: الملف الإيراني – من حافة الحرب إلى التهدئة المشروطة
• إبلاغ إسرائيلي مسبق بقرب ضربة أمريكية، ثم اتصال «STOP» في اللحظة الأخيرة.
• ضغوط إقليمية (منها تركيا والإمارات وقطر) لتأجيل الهجوم خشية رد إيراني مباشر على القواعد والدول.
• تقدير أن الضربة لم تُلغَ بل أُجِّلت لاعتبارات الجاهزية العسكرية والكلفة السياسية.
• انتقال الضغط إلى المسار الاقتصادي: تصنيف بنوك إيرانية (بنك ملي) كمنظمات إرهابية وتجفيف التمويل.
التقدير: واشنطن تُدير سياسة «حافة الهاوية» مع إيران، مستثمرة الضغط الداخلي الإيراني دون المخاطرة بحرب مفتوحة في هذه المرحلة.
رابعاً: الواقع السياسي الإسرائيلي الداخلي
1. قانون التجنيد والحريديم
• مناورات نتنياهو لتفكيك معارضة الحريديم عبر تعيينات سياسية وتعزيز التيار المعتدل.
• تصاعد حراك عائلات الثكالى والمعارضة للمطالبة بـ«التجنيد المتساوي».
2. أزمة المؤسسات
• مشروع قانون لإلغاء استقلالية الأكاديمية وربطها بالحكومة.
• استمرار التوتر بين الحكومة والجهاز القضائي، وتنامي الحديث عن ملفات تحقيق تطال مكتب رئيس الوزراء.
3. الرأي العام
• استطلاعات تُظهر تقدم الليكود نسبيًا، مع صعود قوى منافسة وتراجع الصهيونية الدينية.
• ميل شعبي لدعم هجوم أمريكي على إيران حتى مع احتمال رد ضد إسرائيل.
الدلالة: هشاشة الائتلاف الحاكم ترفع احتمالات استخدام التصعيد الأمني كأداة لإعادة ضبط المشهد الداخلي.
خامساً: المسار الدولي – «المرحلة الثانية» ومجلس السلام
• إعلان أمريكي عن تشكيل مجلس سلام للإشراف على غزة ودعم لجنة تكنوقراط فلسطينية.
• حديث عن مفاوضات مباشرة مع حماس وربط إعادة الإعمار بنزع السلاح.
• مخاوف عربية ودولية من تحويل المجلس إلى بديل للأمم المتحدة بصلاحيات عابرة للنزاعات.
التناقض المركزي: الدفع السياسي نحو ترتيبات كبرى في وقت يستمر فيه القتل والنسف ميدانيًا.
سادساً: السيناريوهات المحتملة (3–6 أشهر)
السيناريو الأول: تصعيد مضبوط (الأرجح – 45%)
• استمرار الاغتيالات والنسف في غزة دون حرب شاملة.
• إبقاء الضفة في حالة غليان منخفض الشدة.
• تأجيل الضربة على إيران مع تشديد العقوبات.
السيناريو الثاني: انفجار إقليمي محدود (30%)
• خطأ تقدير يؤدي إلى رد إيراني أو من حزب الله.
• توسيع الجبهة الشمالية لفترة قصيرة.
السيناريو الثالث: تهدئة سياسية مشروطة (25%)
• نجاح نسبي لمسار «المرحلة الثانية».
• خفض نسبي للنار مقابل ترتيبات أمنية وإدارية في غزة.
سابعاً: خيارات العمل
1. على المستوى الفلسطيني
• توحيد الخطاب السياسي والميداني لمنع استفراد غزة.
• استثمار المسار القانوني الدولي حول جرائم النسف والعقاب الجماعي.
2. على المستوى الإقليمي
• تعزيز التنسيق لمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
• ربط أي ترتيبات لغزة بضمانات إنسانية وسيادية واضحة.
3. على المستوى الدولي
• الضغط لربط إعادة الإعمار بوقف حقيقي للنار لا بهياكل إدارية فقط.
• منع تجاوز الأمم المتحدة كمرجعية قانونية دولية.
ثامناً: مصفوفة المخاطر
الخطر الاحتمال التأثير الملاحظات
تصعيد واسع في غزة مرتفع عالٍ اغتيالات ونسف مستمر
انفجار الجبهة الشمالية متوسط عالٍ غارات متكررة على لبنان
ضربة أمريكية لإيران متوسط عالٍ جدًا مؤجلة لا ملغاة
انهيار المسار السياسي لغزة مرتفع متوسط فجوة خطاب/واقع
تفكك داخلي إسرائيلي متوسط متوسط قانون التجنيد والأزمات المؤسسية
الخلاصة النهائية
المشهد الراهن محكوم بتوازن هش بين التصعيد والاحتواء. استمرار الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، إلى جانب هشاشة الداخل الإسرائيلي وسياسة حافة الهاوية الأمريكية تجاه إيران، يجعل المنطقة أمام مفترق حساس: إما إدارة أزمات طويلة منخفضة الشدة، أو انزلاق مفاجئ إلى تصعيد إقليمي واسع.
توصية ختامية: الاستعداد لأسوأ السيناريوهات مع العمل المتوازي على تثبيت مسارات الحماية الإنسانية والسياسية، وعدم الرهان على التهدئة الخطابية وحدها.