أتينا طائعين… طريق الرضوان

د. وائل فرج
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
حين يقرأ المؤمن قول الله تعالى:
﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾،
فإنه يقف أمام مشهد مهيب يكشف حقيقة هذا الكون؛ فالسماوات والأرض، على عظم خلقهما، أعلنتا خضوعهما الكامل لأمر الله، وانقيادهما التام لمشيئته.
وفي المقابل يصف الله الإنسان بقوله:
﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾.
وكأن السؤال الذي تطرحه الآيات على كل واحد منا: هل نحن نسير في طريق الطاعة والانقياد، أم في طريق الجدل والتردد ومغالبة أمر الله؟
إن كثيراً من الناس ينظرون إلى الطاعة على أنها وسيلة للحصول على بعض مطالب الدنيا، فيبحثون عن الرزق أو الفرج أو التوفيق، مع أن القرآن يوجه أنظارنا إلى ما هو أعظم من ذلك كله، وهو رضا الله سبحانه.
تأملوا قول الله تعالى في سورة الصف:
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ… ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
هذا هو الفوز العظيم الذي ينبغي أن تتطلع إليه القلوب.
ثم يقول سبحانه بعد ذلك:
﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾.
فسَمَّى النصر والفتح “أخرى”، أي أمراً إضافياً يأتي بعد الأصل، أما الأصل فهو مغفرة الله ورضوانه وجنته.
وهنا يعيد القرآن ترتيب أولوياتنا؛ فالقضية ليست أن نسأل دائماً: ماذا سننال من الله؟ بل أن نسأل: كيف نكون من أهل رضاه؟
فإذا رضي الله عن العبد فتح له أبواب الخير، وبارك له في عمره وعمله وأهله، وشرح صدره، وأصلح شأنه، ووفقه لما يحب ويرضى.
إن أعظم ما يحتاجه المسلم اليوم أن ينتقل من معرفة أوامر الله إلى الامتثال لها، ومن الإعجاب بالحق إلى العمل به، ومن انتظار النتائج إلى تحقيق العبودية.
فالطاعة ليست موسماً عابراً، ولا استجابة مؤقتة، بل هي منهج حياة وشعار دائم، يردده المؤمن بقلبه قبل لسانه:
﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
ختاماً:
إذا أدرك العبد أن رضا الله هو الغاية الكبرى، هانت في سبيله التضحيات، واستقامت عنده الموازين، وأصبح همه الأول أن يكون حيث يحب الله لا حيث تهوى نفسه.
فمن نال رضا الله فقد نال كل شيء، ومن حُرم رضا الله فلن تغنيه مكاسب الدنيا كلها.
فلنجعل شعارنا في هذه الحياة شعار السماء والأرض:
﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
✍️ د. وائل علي فرج






