مقالات

سنن التنزيل

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

سنن التنزيل

*خلع النعلين… سنة التجرد قبل رؤية الآيات الكبرى*

ليست قصص القرآن مجرد سرد لأحداث مضت، وإنما هي مدارس ربانية تكشف سنن الله في إعداد عباده، وتبين أن الطريق إلى التمكين لا يبدأ من الخارج، وإنما يبدأ من الداخل؛ بإعداد القلب قبل إعداد اليد، وتحرير النفس قبل إظهار المعجزة.

ومن أعجب مشاهد هذا الإعداد ما جرى لموسى عليه السلام عند الوادي المقدس طوى، حين اصطفاه الله وكلمه، فكان أول ما خاطبه به:

﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾.

وقبل أن يرى العصا تنقلب حيّة، وقبل أن تخرج يده بيضاء، وقبل أن يشهد الآيات الكبرى، جاءه أمر يبدو في ظاهره يسيرًا، لكنه في حقيقته مفتاح الدخول إلى عالم الوحي.

فلماذا كان خلع النعلين أولًا؟

إن النعلين في ظاهرهما وسيلة للسير على الأرض، أما في دلالتهما التربوية فهما يرمزان إلى كل ما اعتاده الإنسان في مسيره من مألوفات، وتصورات، ووسائل يعتمد عليها. وكأن الخطاب الإلهي يقول لموسى: اترك ما ألفته قبل أن ترى ما لم تره عين، فحضرة الوحي لا يدخلها القلب محمولًا على تصورات الأمس.

ثم ينتقل المشهد مباشرة إلى سؤال عجيب:

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾.

وليس السؤال لأن الله لا يعلم، وإنما ليكشف لموسى مقدار تعلقه بما في يده، فيجيب:

﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.

إنها ليست عصًا فحسب، بل وسيلة اعتماده في حياته اليومية، ولذلك جاء الأمر بعد ذلك مباشرة:

﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾.

وكأن الطريق إلى الآيات الكبرى يمر بمرحلتين متلازمتين:

خلع ما تحت القدم من الاعتماد على المألوف، وإلقاء ما في اليد من التعلق بالأسباب.

فلما ألقى العصا، ظهرت حقيقتها الجديدة:

﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾.

وهنا تتجلى حقيقة دقيقة؛ فالإنسان كثيرًا ما يرى الأشياء بعين العادة، لا بعين الحقيقة، حتى إذا تحرر من تعلقه بها، أراه الله من آياته ما لم يكن يتخيله.

ثم يطمئنه ربه:

﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾.

فلم يكن المقصود سلب العصا من موسى، وإنما تحرير قلبه منها، ليبقى اعتماد القلب على الله، لا على ما في اليد.

ثم ينتقل الخطاب إلى آية أخرى:

﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾.

فاليد رمز العمل والقدرة، والجناح موضع السكينة والطمأنينة، وكأن الرسالة تقول: لا تجعل اعتمادك على قوة يدك، بل أعدها إلى حضرة السكينة الإلهية، حتى يكون فعلك مؤيدًا بالوحي، لا معتمدًا على الذات.

فتخرج اليد بيضاء من غير سوء، لا بقوة موسى، ولكن بعد أن عادت إلى موضعها الأول؛ موضع الاصطفاء والسكينة.

ثم يأتي البيان الجامع:

﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾.

وكأن الآيات الكبرى لم تبدأ بالعصا، ولا باليد، وإنما بدأت منذ اللحظة التي خلع فيها موسى نعليه، وألقى عصاه، وتحرر قلبه من كل اعتماد سوى الله.

وهنا تتجلى سنة من سنن التنزيل:

أن الله يهيئ عباده لرؤية آياته الكبرى بالتجرد قبل التمكين، وبالتحرير الداخلي قبل إظهار الخوارق.

ولسنا اليوم بعيدين عن هذه السنة؛ فكثير من أزمات الأمة ليست أزمة قلة الوسائل، بقدر ما هي أزمة تعلق بالوسائل. نظن أن النصر مرهون بما في أيدينا، وأن التغيير لا يكون إلا بما ألفناه من الأسباب، بينما يريد الله أن يحرر القلوب أولًا، حتى لا يكون اعتمادها إلا عليه، ثم يعيد إليها الأسباب بعد ذلك في موضعها الصحيح؛ أسبابًا تُستعمل، لا تُعبد، ووسائل يُؤخذ بها، لا يُتوكَّل عليها.

فليس المقصود من خلع النعلين مجرد أدب المكان، ولا من إلقاء العصا مجرد إظهار المعجزة، ولا من ضم اليد إلى الجناح مجرد وقوع الآية؛ وإنما كان ذلك كله رحلة إعدادٍ للقلب قبل أن يكون إظهارًا للخارق.

وهكذا تمضي سنة الله في عباده: فلا يفتح لهم أبواب الآيات الكبرى حتى يحررهم من أسر المألوف، ومن التعلق بالأسباب، ومن الثقة بالنفس قبل الثقة برب النفس.

فإذا تحقق هذا التجرد… بدأت رحلة رؤية آيات الله الكبرى:

﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾.

✍️ د. وائل علي فرج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى