مقالات

سنن التنزيل ..اسم سورة طه وعلاقته بالمضمون

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

لقد اعتدنا أن نقرأ آيات القرآن بحثًا عن الأحكام، أو القصص، أو المواعظ، لكن القرآن لا يكتفي بذلك، بل يكشف لنا سننًا ربانية تحكم حركة الأفراد والأمم، وتبني الحضارات كما تبني الإنسان. ومن هنا جاءت سلسلة “سنن التنزيل”؛ لنقف مع الآيات لا عند حدود التفسير، وإنما عند القوانين الربانية التي تتكرر في كل زمان.

اسم سورة طه وعلاقته بالمضمون

سُمِّيت سورة طه بهذا الاسم لاستهلالها بالحروف المقطعة: ﴿طه﴾، ثم جاءت السورة كلها خطابًا يثبت قلب النبي ﷺ، كما ثبت الله قلب موسى عليه السلام من قبل. فهي سورة إعدادٍ قبل الإنجاز، وتربيةٍ قبل التمكين، وتصحيحٍ للمقاصد قبل صناعة الوسائل.

وفي قلب هذا البناء الإيماني يعرض القرآن دعاء موسى عليه السلام قبل مواجهته لفرعون، ليعلم كل داعية، وكل مصلح، وكل أمة تبحث عن النهوض، أن طريق التمكين يبدأ من تصحيح الغاية قبل امتلاك الوسيلة.

سنن التنزيل

أزمة الأمة ليست في فقدان الوسائل… بل في ضياع الغايات

حين نتأمل دعاء موسى عليه السلام قبل أعظم مواجهة بين الحق والباطل، نجد قائمة طويلة من الطلبات:

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ۝ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ۝ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ۝ يَفْقَهُوا قَوْلِي ۝ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ۝ هَارُونَ أَخِي ۝ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ۝ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾.

وللوهلة الأولى يبدو أن موسى عليه السلام يطلب أدوات القيادة، ومقومات النجاح، وأسباب القوة في مواجهة أعتى طاغية عرفته الأرض.

غير أن موسى عليه السلام لا يترك للقارئ أن يظن أن هذه الوسائل هي المقصد، بل يكشف بنفسه الغاية التي اجتمعت من أجلها كل تلك المطالب، فيقول:

﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ۝ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾.

إنها لحظة يعيد فيها القرآن ترتيب سلم الأولويات.

فشرح الصدر ليس غاية لراحة النفس، وتيسير الأمر ليس غاية لتحقيق نجاح شخصي، وفصاحة اللسان ليست غاية لإبهار الناس، ووجود هارون ليس طلبًا لمزيد من القوة أو النفوذ؛ وإنما كانت جميعها وسائل تخدم غاية واحدة: أن يكثر ذكر الله وتسبيحه، وأن تُقام رسالته في الأرض.

وهنا يكشف القرآن سنة عظيمة من سننه:

الوسائل لا تُطلب لذاتها، وإنما تُطلب بقدر ما تعين على عبودية الله وإقامة دينه.

غير أن الآيات تشير إلى سنة أخرى لا تقل عظمة.

فموسى عليه السلام لم يبدأ بطلب النصر، ولم يسأل إسقاط فرعون، ولا انهيار ملكه، وإنما بدأ بطلب التأهيل لحمل الرسالة.

شرحًا للصدر، وتيسيرًا للأمر، وبيانًا في اللسان، ومعينًا على الطريق.

وكأن القرآن يقرر سنة ثابتة:

إن الله يُعِدُّ الرجال قبل أن يحقق بهم الإنجازات، ويُصلح الحاملين للرسالة قبل أن يفتح لهم أبواب التمكين.

ولذلك كان الأنبياء يسألون الأهلية قبل النتائج، بينما يستعجل كثير من الناس النتائج قبل أن يكتمل إعدادهم لها.

وهاتان السنتان لا تخصان موسى عليه السلام وحده، بل تتكرران في القرآن كله.

فالعلم وسيلة لمعرفة الله وخدمة الحق.

والمال وسيلة لإقامة العدل ونفع الخلق.

والمنصب أمانة لإقامة الحق.

والقوة وسيلة لحماية الدين والمستضعفين.

أما إذا انفصلت هذه الوسائل عن الغاية التي خُلقت لها، تحولت من نعم إلى فتن، ومن أسباب للعمران إلى أسباب للهلاك.

ولعل هذا هو أحد أسرار أزمات أمتنا اليوم.

فنحن نكثر الحديث عن الاقتصاد، والتعليم، والإعلام، والسياسة، والتقنية، وبناء القوة، وكلها وسائل مشروعة أمر الله بالأخذ بها، لكن الخلل يبدأ حين تتحول الوسائل إلى المشروع نفسه، ويغيب المقصد الذي من أجله تُطلب.

وربما لهذا أصبحت كثير من مشاريع النهضة تبدأ بالسؤال:

كيف نصنع القوة؟

بينما كان سؤال الأنبياء دائمًا:

لماذا نريد القوة؟

فإذا اختلفت الغاية، اختلفت بركة الوسيلة، ولو تشابهت الأدوات.

ولهذا قد تمتلك أمة المال فلا تنهض، وتمتلك السلاح فلا تنتصر، وتمتلك الإعلام فلا تؤثر، وتمتلك المعرفة فلا تهتدي؛ لأن الوسائل فقدت صلتها بالله، وانقطعت عن الغاية التي تمنحها البركة والتوفيق.

وهذه سنة قرآنية تتكرر في التاريخ؛ فما ضلت أمة إلا حين جعلت الوسائل غايات، وما نهضت أمة إلا حين سخرت أسباب الدنيا كلها لتحقيق مراد الله منها.

ومن ألطف الإشارات في هذا المشهد أن الله سبحانه لم يجب دعاء موسى جزءًا جزءًا، فلم يقل: شرحت صدرك، ويسرت أمرك، وأعطيتك هارون، وإنما جاء الجواب جامعًا:

﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾.

وكأن القرآن يقرر سنة ثالثة ملازمة لما سبق:

إذا صحت الغاية، وصَلُح صاحبها، بارك الله في الوسائل، وجعلها تؤتي ثمارًا فوق ما يتوقع أصحابها.

ختامًا:

ليست أزمة الأمة أنها فقدت الوسائل، بل إن كثيرًا من وسائلها انفصلت عن المقصد الذي أنزل الله القرآن ليعيد بناءه في القلوب.

إن القرآن لا ينهانا عن بناء الاقتصاد، ولا عن امتلاك القوة، ولا عن التقدم العلمي، ولا عن صناعة الإعلام، وإنما ينهانا أن تتحول هذه الوسائل إلى غايات تستعبد القلوب، بعد أن كانت وسائل لعبادة الله وإقامة الحق وإصلاح الإنسان.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل دعاء، وكل مشروع، وكل طموح، ليس:

ماذا أريد من الله؟

بل:

لماذا أريد ما أريده من الله

فراجع غاياتك قبل أن تراجع إمكاناتك؛ فإن الله إذا أصلح المقصد، أصلح الطريق إليه، وإذا بارك في الغاية، بارك في الوسائل وآثارها.

📖 من سنن التنزيل:

إذا كانت الغاية هي الله، بارك الله في الوسائل، وهيأ صاحبها لحمل الأمانة، ثم سخَّر له أسباب التمكين. أما إذا تحولت الوسائل إلى غايات، نُزعت بركتها، ولو كثرت بين أيدي أصحابها.

✍️ د. وائل علي فرج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى