فجور الخصومة وإرهاب المراجعة: من يخشى صوت العقل داخل حماس؟

بقلم المهندس اسماعيل الاشقر
تشهد الساحة الفلسطينية منذ أيام حالة استقطاب حادّ داخل الخطاب المؤيد للمقاومة، على خلفية كلمة رئيس حركة حماس في الخارج، خالد مشعل، في منتدى الجزيرة. غير أن ما يلفت النظر ليس مضمون الخلاف بحد ذاته، بل طبيعة الهجوم وحدّته، حيث تصدّرت المشهد حسابات مشبوهة مارست تشويهًا متعمّدًا و«فجورًا في الخصومة»، وهو ما حذّر منه بيان الحركة نفسه.
يصعب العثور على أساس منطقي لهذه الحملة؛ فكلمة مشعل كانت واضحة: لا حديث عن تسليم سلاح المقاومة، مع التأكيد على البحث في مقاربات سياسية—كالهدنة الطويلة—تتيح لغزة التقاط أنفاسها والشروع في الإعمار. ووفق معطيات متداولة، لا تمثل هذه الرؤية اجتهادًا فرديًا، بل تعكس توجّهًا عامًا داخل القيادة الحالية للحركة.
المفارقة أن بعض المنتقدين لم يكتفوا بمهاجمة الطرح، بل اتجهوا إلى شيطنة أي مساحة نقاش. فمجرد استضافة منتدى الجزيرة للدكتور هاني المصري، رغم وجود أصوات أخرى داخل الجلسة دافعت عن المقاومة المسلحة وخالفت طرحه، عُدّ عندهم جريمة إعلامية. وكأن المطلوب من المنصات الفكرية أن تتحول إلى صدى صوت واحد، لا إلى فضاء حوار.
الأخطر أن هذا التيار لم يتردد في اللجوء إلى التزوير الصريح، عبر ترويج مقاطع محرّفة تُنسب لمشعل، في محاولة لضرب صورته السياسية والأخلاقية. وهنا لا يعود الخلاف فكريًا، بل يتحول إلى إرهاب معنوي يستهدف أي دعوة للمراجعة أو إعادة التفكير.
اللافت أن هذه الحملات لا تُوجَّه أساسًا ضد خصوم المقاومة أو الخطاب المتصهين، بل ضد أصوات فلسطينية مؤمنة بالمقاومة، لكنها تطرح أسئلة منطقية بعد توقف الحرب. فجأة، يصبح السؤال تهمة، والمراجعة خيانة.
للمرة الأولى في تاريخ حماس، يُدفع الخلاف الداخلي إلى العلن بهذا الشكل، مع محاولة حصر القرار في رؤية ضيقة، وكأن الحركة—الممتدة في فلسطين والشتات—ملكية جغرافية لا مشروع تحرر وطني جامع.
لا شك أن السابع من أكتوبر شكّل لحظة فارقة أعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة، وقدّمت مشاهد ستبقى في الذاكرة الجمعية. غير أن تحويل اللحظة إلى تابو يمنع النقاش لا يخدم المقاومة، بل يجمّدها. فكل عمل عسكري، مهما كان بطوليًا، يحتاج إلى تقييم: ماذا حقق؟ وما كلفته؟ وإلى أين يقود؟
سؤال النصر والهزيمة ليس «صهينة»
هذا السؤال ليس طعنًا في التضحيات، ولا تقليلًا من شجاعة المقاومين، بل ممارسة عقلانية عرفتها كل حركات التحرر. فالمقاومة في غزة لم تواجه الاحتلال وحده، بل منظومة دولية كاملة، ومن حق شعبها ومفكريها تقييم المسار دون تخوين.
إن الدعوة إلى مراجعة إدارة المشهد ليست خيانة، بل تعبير عن إيمان عميق بعدالة القضية وحتمية زوال آخر احتلال استيطاني كولونيالي. غير أن بعض الأصوات تفضّل قمع السؤال بدل تقديم رؤية واضحة للمستقبل.
• السؤال البسيط الذي ينبغي طرحه اليوم هو:
ما تصوركم للمرحلة القادمة؟
ولماذا تُستنزف الجهود في مهاجمة تيار واقعي داخل الحركة أكثر مما تُستنزف في مواجهة الاحتلال؟
هذه أسئلة لا تُضعف المقاومة… بل تحميها من التحول إلى أسطورة مغلقة على ذاتها.
لذلك، فإنني أطالب كل من يهاجم إخوةً لنا، ويتهمهم زورًا وبهتانًا، أن يتقوا الله العلي العظيم.
فحربنا لم تنتهِ بعد، وما يزال قطاع غزة ينزف من دماء أهله، وما يزال الاحتلال يقتل أبناء شعبنا تحت سمع وبصر عالمٍ منافقٍ صامت. وما يزال أسرانا يذوقون العذاب في كل لحظة، وقد تُوّج ذلك بسنّ قوانين إجرامية غير مسبوقة تستهدف إعدامهم، تبدأ بالنخبة القسامية، بما يكشف على نحوٍ فاضح طبيعة هذا الاحتلال الإحلالي الدموي.
إن هذه اللحظة تفرض أولوية أخلاقية ووطنية لا تقبل الالتباس: وحدة الصف، وحسن إدارة الخلاف، ومنع انزلاقه إلى تخوين وإرهاب للرأي. فالاحتلال الإسرائيلي، المدعوم أمريكيًا وغربيًا، لا يترك مجالًا للشك في أن معركتنا وجودية طويلة، وأنها لا تُدار بالسلاح وحده، بل بالوعي، والعقل، وتوظيف كل رأسمال فكري وسياسي وإعلامي في خدمة القضية.
وفي مثل هذه الظروف، لا يجوز تبديد الجهد في صراعات داخلية أو اقتتال معنوي، بل يجب الاستفادة من كل صوت صادق، وكل رأي مخلص، وكل اجتهاد مسؤول يصبّ في مصلحة شعبنا وحقه المشروع في الحرية والكرامة. فالقضية الفلسطينية أكبر من الأشخاص، وأسمى من الحسابات الضيقة، وأخطر من أن تُدار بمنطق الإقصاء وتكميم الأسئلة.
إن مقاومة بلا مراجعة مآلها الجمود، ومراجعة بلا مقاومة مآلها التفريط؛ أما التحدي الحقيقي، فهو الجمع بين الثبات على الثوابت والمرونة في الوسائل، حمايةً للمقاومة وصونًا للقضية.






