خليل الحية… أسطورة الجهاد والتضحية القائد الذي احترق بيته مراتٍ كثيرة… لكنه لم ينكسر

بقلم | إسماعيل الأشقر
لم يكن خليل إسماعيل إبراهيم الحية مجرد قائدٍ سياسي داخل حركة حماس،
ولا مجرد شخصية تنظيمية صعدت في هرم القيادة الفلسطينية مع تعقّد المشهد الإقليمي،
بل كان نموذجًا نادرًا لرجلٍ اختلطت في حياته:
• الدعوة بالفكر
• والسياسة بالميدان
• والعمل التنظيمي بالتضحية الشخصية الثقيلة
حتى تحولت حياته إلى جزء من الرواية الفلسطينية الحديثة نفسها.
فالرجل الذي ولد في قطاع غزة يوم 5 نوفمبر 1960،
عاش كل التحولات الكبرى التي مرت بها القضية الفلسطينية:
• الاحتلال
• الانتفاضة
• السجون
• الحصار
• الانقسام
• الحروب الكبرى على غزة
• ثم مرحلة “إدارة الصراع متعدد الساحات” بعد طوفان الأقصى
وفي كل هذه المراحل،
بقي أبو أسامة حاضرًا بهدوئه المعروف،
وصلابته التنظيمية،
وقدرة نادرة على الثبات تحت الضربات.
النشأة والتكوين العلمي
حين يلتقي العلم بالعمل
نشأ خليل الحية في بيئة فلسطينية محافظة حملت همّ الدين والوطن معًا،
وكان مبكرًا واضح الميل إلى العلم الشرعي والعمل الإسلامي.
درس في الجامعة الإسلامية بغزة،
وحصل منها على درجة البكالوريوس في أصول الدين عام 1983.
ثم واصل مسيرته العلمية،
فنـال درجة الماجستير في السنة وعلوم الحديث من الجامعة الأردنية عام 1989،
قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في السنة وعلوم الحديث من جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية عام 1997.
وقد انعكس هذا التكوين العلمي على شخصيته بصورة واضحة؛
فقد جمع بين:
• العقل الشرعي
• والانضباط التنظيمي
• والرؤية السياسية
• والهدوء الفكري
ولذلك لم يكن خطابه انفعاليًا أو شعبويًا،
بل أقرب إلى خطاب رجلٍ يفكر بعقل الدولة… حتى وهو يعيش داخل الحصار.
السجون الإسرائيلية
مدرسة الصلابة الأولى
في بداية تسعينيات القرن الماضي،
اعتقلته إسرائيل وقضى نحو ثلاث سنوات في السجون الإسرائيلية.
وفي التجربة الفلسطينية،
لم تكن السجون مجرد أماكن اعتقال،
بل تحولت إلى “جامعات ثورية” خرّجت أجيالًا كاملة من القيادات.
هناك، تبلورت شخصية أبي أسامة أكثر:
• الصبر الطويل
• الانضباط
• إدارة الأزمات
• القدرة على التحمل
• والعمل الجماعي تحت الضغط
وكان واضحًا أن الرجل خرج من التجربة أكثر صلابة وهدوءًا.
عايشناه عن قرب
داخل المجلس التشريعي والعلاقات الوطنية
لم نعرف الأخ خليل الحية من بعيد،
بل عشنا معه سنوات طويلة في العمل الوطني والتنظيمي والسياسي.
فقد عايشناه عن قرب أثناء رئاسته للكتلة البرلمانية لحركة حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني،
وكنتُ آنذاك نائبًا في المجلس التشريعي.
وخلال تلك المرحلة،
لم يكن أبو أسامة مجرد رئيس كتلة برلمانية يدير الاجتماعات،
بل كان رجلًا يتحمل عبء مرحلة كاملة:
• الحصار
• والانقسام
• والصراع الداخلي
• وضغط الاحتلال
• ومحاولات عزل الحكومة الفلسطينية
وكان يتابع التفاصيل الصغيرة والكبيرة:
• هموم النواب
• إدارة النقاشات
• العلاقات السياسية
• معالجة الأزمات الداخلية
وقد عرفناه:
• هادئًا
• واسع الصدر
• شديد الانضباط
• صلبًا في المواقف
• وقادرًا على إدارة الخلافات دون انفعال
📌 وكان واضحًا أنه لا يتعامل بعقلية “المسؤول” ،
بل بعقلية الشريك في حمل الهمّ الوطني.
في العلاقات الوطنية
رجل الحوار تحت العواصف
جمعنا بالأخ أبي أسامة أيضًا العمل في ملف العلاقات الوطنية الفلسطينية،
وهو من أعقد الملفات الفلسطينية وأكثرها حساسية.
ففي زمن الانقسام الحاد والتجاذبات الإقليمية،
كان الرجل يحاول دائمًا الحفاظ على الحد الأدنى من الجسور الوطنية.
وقد رأيناه:
• صبورًا في الحوار
• هادئًا في النقاش
• حريصًا على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة
• ومدركًا أن القضية الفلسطينية أكبر من أي خلاف تنظيمي
وكان يدرك أن:
الانقسام الداخلي أخطر أحيانًا من ضغط الاحتلال نفسه.
رحلات العمل المشترك
المغرب العربي… إندونيسيا… ماليزيا
جمعتنا بالأخ خليل الحية رحلات عديدة خارج فلسطين،
ذهبنا خلالها إلى:
• بلدان المغرب العربي
• وإندونيسيا
• وماليزيا
وخلال تلك الرحلات،
كنا نرى جانبًا إنسانيًا مختلفًا من شخصيته،
بعيدًا عن ضغوط السياسة والاجتماعات الرسمية.
كان:
• بسيطًا
• قريبًا من الناس
• وفيًا لإخوانه
• يحمل همّ القضية في كل مكان
• ولا يتعامل بروح القائد المتعالي
بل كان دائم السؤال عن رفاقه وإخوانه.
وحتى في التفاصيل الصغيرة،
كان يحتفظ بروح الأخوّة القديمة،
فكان دائمًا يناديني:
“وينك يا أبو شريك؟”
📌 وهذه الكلمات الصغيرة تكشف أحيانًا حقيقة الرجال أكثر من الخطب الطويلة.
من البرلمان إلى قيادة الحركة
برز أبو أسامة كأحد أهم الوجوه السياسية والتنظيمية داخل حركة حماس،
حتى أصبح:
• عضوًا في المجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام 2006 عن مدينة غزة
• من أبرز قيادات الحركة السياسية
• مسؤولًا عن ملفات العلاقات والحوار
• ثم نائبًا لرئيس المكتب السياسي للحركة عقب استشهاد صالح العاروري
• قبل أن يتولى رئاسة المكتب السياسي للحركة بعد استشهاد يحيى السنوار
وقد عُرف بقدرته على إدارة:
• المفاوضات
• الأزمات
• العلاقات الإقليمية
• ملفات التهدئة
• والحوار مع الوسطاء
الرجل الذي دفع الثمن من بيته
حين تتحول العائلة إلى ساحة حرب
لكن أكثر ما جعل شخصية خليل الحية استثنائية،
لم يكن الموقع السياسي فقط…
بل حجم الدم الذي دفعه من بيته.
ففي عام 2007،
تعرض منزله لمحاولة اغتيال إسرائيلية،
استشهد فيها سبعة من أفراد عائلته.
ثم جاءت مجزرة الشجاعية عام 2014،
حين استهدفت المدفعية الإسرائيلية منزل نجله أسامة الحية.
فاستشهد:
• أسامة الحية
• وزوجته هالة صقر أبو هين
• وأطفاله خليل وأمامة وحمزة
• وعدد كبير من أفراد العائلة
ووصل عدد شهداء العائلة إلى 19 شهيدًا.
ثم استشهد نجله همام الحية في الغارة الإسرائيلية على الدوحة عام 2025،
قبل أن يتعرض نجله الرابع عزام لمحاولة اغتيال وإصابته إصابة خطيرة في غزة أدت الى استشهاده في شهر مايو عام 2026.
📌 وكأن الحرب لم تعد تستهدف القائد فقط…
بل البيت كله.
مدرسة الثبات تحت الألم
ورغم هذا الكم الهائل من الفقد،
لم نرَ أبا أسامة يومًا رجلًا منهارًا.
بل كان دائمًا يتحدث بلغة:
• الصبر
• والثبات
• والإيمان بعدالة القضية
وكان يرى أن:
“دماء الشهداء ليست نهاية الطريق… بل وقود الاستمرار.”
وقد رأيناه في أصعب الظروف:
• متماسكًا
• هادئًا
• قادرًا على تحويل الحزن الشخصي إلى طاقة صمود عامة
📌 ولهذا لم يتحول في الوعي الفلسطيني إلى مجرد مسؤول سياسي،
بل إلى رمز لرجلٍ دفع من أبنائه وأحفاده ثمن مواقفه… ثم واصل الطريق.
الخلاصة التحليلية
حين تصبح القيادة تجربة إنسانية كاملة
في التجارب الكبرى،
لا تُقاس القيادات بالمناصب وحدها،
بل بقدرتها على الصمود حين تدفع الثمن من بيتها وعائلتها.
وخليل الحية يمثل واحدًا من أبرز نماذج هذه المدرسة الفلسطينية:
• قائد سياسي
• ورجل تنظيم
• ومفاوض
• وأكاديمي
• ورفيق درب
• وأبٌ فقد أبناءه وأحفاده تحت النار
لكنه بقي ثابتًا،
يحمل همّ القضية حيثما ذهب،
ويواصل الطريق رغم كل الجراح.
ولهذا بقي اسمه في الوعي الفلسطيني والعربي مرتبطًا بصورة:
“الرجل الذي احترق بيته مراتٍ كثيرة… لكنه لم ينكسر.”
8.8.2026






